لماذا الطريقة العزمية ؟ (18)

تاريح النشر: 07/10/2021


 

بعد أن بينا أن الطريق إلى الله تعالى بدايته العلم، ووسطه العمل، وآخره معرفة الله تعالى بعد معرفة النفس، وما هي المقدمات والضوابط التي إذا لاحظها المريد يسهل عليه معرفة مقتضى الوقت، ويعلم الأحكام الشرعية التي تجب عليه في نفس الوقت، وعرضنا لتعريف بعض المصطلحات وبيان ما يجب على المسلم مما ذكره الإمام أبو العزائم في كتابه: "دستور السالكين طريق رب العالمين"؛ نتناول بعون الله وتوفيقه بيان الآداب التي لابد منها للسالك حتى يصح سيره وسلوكه فى الطريق إلى الله تعالى، وتلك الآداب ذكرها الإمام في كتابه: "دستور آداب السلوك إلى ملك الملوك" كمنهج تربوي جمع فيه بين ماء الأحكام ولبن الحكمة وخمر العرفان وعسل التمكين.

فالسالكون إلى الله سبحانه في حاجة إلى ما به حفظ صحتهم الروحانية ودوامها، لتحصيل ما به نيل السعادتين، والفوز بالحسنيين، والقرآن الكريم والسنة الشريفة هما الكفيلان بنيل الحسنيين لكل فرد وللمجتمع كله.

ولما كان السالك إلى الله سبحانه وتعالى لابد وأن يترك ما لا ضرورة إليه من الدنيا للآخرة، وكان البيان الضامن له بالفوز لنيل مراده الذي أفرده بالقصد دون غيره خفيا كنفائس الجواهر فى جوف البحار؛ وهو عند الخاصة نعيم الآخرة فى جوار الأبرار، وعند آل العزائم يعتبر رضوان الله الأكبر، وعند الخاصة من آل العزائم تفريد الله بالقصد دون غيره طمعا فى النظر إلى وجهه الكريم، ولخاصة الخاصة منهم ما لا يسطر على صفحات الأوراق؛لزم للسالك أن يجاهد نفسه قبل الدخول فى الطريق بآداب الشريعة العامة، بتلقى العقيدة الحقة من أهلها، وتحصيل الأخلاق الجميلة بفادح المجاهدة، وتحصيل علم الأحكام وحكمها عبادة ومعاملة، ويقوم لله تعالى مطهرا قلبه من مرض الهوى وسقم الحظ اللذين يجعلان السالك بلاء على إخوانه فى طريق الله تعالى.

من الواجبات على المسلم

أولا: تحصيل ما به كمال التصديق

أول واجب على المسلم تحصيل ما به كمال التصديق الذى هو الإيمان حقا، لأن الإيمان هو تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به من عند الله تعالى، وبيَّنه لنا صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والعمل والحال، حتى وضحت العقيدة الحقة والعبادة الخالصة والمعاملة الجميلة والأخلاق الفاضلة لكل مسلم مهما كان عقله، لأن الله تعالى طالب العامة بالتصديق، وأثنى عليهم إذا هم تشبهوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبادة ومعاملة وأخلاقا؛ وسلموا له تسليما يقتضى كمال التصديق والإيمان، قال سبحانه وتعالى: )الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ( "البقرة:3".

ثانيا: تحصيل ما به اليقين بطلب العلم النافع

وتحصيل ما به اليقين بطلب العلم النافع حث الله تعالى على طلبه، وفرضه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كل مسلم ومسلمة.

العلم والإيمان:

 العلم: هو تصور النفس رسوم المعلوم في ذاتها بعد صفاء جوهرها بالتهذيب والتصديق والتسليم، ومعنى تصور النفس رسوم المعلوم في ذاتها أن يكون العبد كأنه يرى المعلوم رؤية تأثير على النفس والجسم والحس، تحفظ الجوارح من تعدي حدود الله، وتحفظ الجسم من الوقوع فيما حرم الله، وتحفظ العقل من التخبط في بيداء الحظ والهوى.

 ومن البديهي الجلي أن العلوم كلها شريفة سواء كانت نظرية أو عملية، وفيها عز وشرف في الدنيا والآخرة، وأشرفها وأجلها وأنفعها ما به نيل السعادتين وخير النشأتين، وهو علم معرفة الإنسان نفسه وحقيقة جوهره، وما تتصرف به الأمور حالا بعد حال، إلى أن يبلغ إلى قصارى غايته التي هي متمناه، وهي أن يلقى ربه في الدنيا بعين اليقين قبل الموت القهري بالموت الإرادي، الذي هو كمال تزكية النفس وعلم حقيقة التوحيد، وأما في الآخرة بعد فراق الدنيا قال صلى الله عليه وآله وسلم: )مَنْ عَرَفَ نَفْسهُ عَرَفَ رَبَّه( وقال عليه الصلاة والسلام: )إنَّكُم لَن تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا( وقال الله تعالى: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) "الزمر:٩" وقال سبحانه: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا) "آل عمران:٧" وقال سبحانه: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) "الأنعام:١٢٢".

 أما الإيمان: فهو التصديق لمن هو أعلم منك بما يخبرك عما لا تعلم، ولما كانت أخبار الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى بما يجب على الناس أن يصدقوا به - من معاني الكمالات الإلهية وتنـزيه ذاته عز وجل وما وصف به نفسه سبحانه وتعالى - لا يمكن للنفوس أن تتصور رسومه وتتبين معانيه قبل الإقرار والتصديق وتزكية النفس وتطهيرها من كثافة الجهل وظلمات العقائد الباطلة، والآراء الفاسدة والآمال المبعدة، والحظوظ والأهواء ؛ كان الإيمان هو الإقرار والتصديق بدون تصور رسوم المعلوم في ذات النفس.

 ومن أجل هذا دعت الأنبياء عليهم السلام الأمم إلى الإقرار بما أخبرتـهم، والتصديق بما كان غائبا عنهم - عن إدراك حواسهم وتصور أوهامهم - كما قال تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) "البقرة:٣"، ولم يقل: يؤمنون بالمشهود، فإذا أقروا بألسنتهم سموهم عند ذلك المؤمنين، ثم طالبوهم بتصديق القلب كما ذكر الله تعالى: (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) "التغابن:11"، فإذا وقع التصديق بالقلب سموهم الصديقين؛ كما قال الله تبارك وتعالى: (وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) "الزمر:٣٣"، ثم مدح الله تعالى فقال: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) "المجادلة:١١". وكفى بهذا فرقا بين العلم والإيمان.

وليس الأمر كما قرره الذين يقولون إن طريق معرفة الله تعالى: العقل، لأنهم جعلوا الإيمانَ علماً من طريق النقل، والعلمَ علماً من طريق العقل، ولكن كما ذكرنا أن الإيمان شيء والعلم شيء آخر، ولو أن تحصيل معرفة الله تعالى لا يكون إلا بالعقل لفاز بها أهل العقول التي اخترعت الصناعات والفنون والحرف المدهشة، ولحرم منها أهل التسليم والإيمان من كُمَّل أهلِ اللهِ تعالى.

والحقيقة أنا نرى أكثر العارفين بالله الذين منحهم الله الحكمة الربانية، والمشاهدة القدسية، والأحوال النبوية، والهمة العالية فى طلب الله تعالى واحتقار زخارف الدنيا وزينتها؛ هم أهل التسليم والاعتقاد، الذين يظنهم أهل الكفر بالله تعالى وأهل الغرور به سبحانه وتعالى مجانين.

ولو أن معرفة الله كانت بالعقل لسبقنا إليها أهل أوربا وأمريكا واليابان ممن أشبهوا السمك غوصا فى البحار، والطيور سياحة فى الجو، والشياطين اختراعا للآلات الجهنمية الماحقة للإنسان، بل فاقوا إبليس كيداً فى محاربة الحق، والمسارعة إلى إطفاء نوره بقوة عقولهم.

طريق معرفة الله تعالى:

إن طريق معرفة الله تعالى عنايته أزلا، وولايته سبحانه وتعالى أبدا. وتتحقق عناية الله بنا إذا جعل لنا نوراً فى قلوبنا نقبل به الحق، وتفضل علينا بمرشد كامل يبين لنا ما خفي من آثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويجدد لنا ما اندرس من مناهج السلف الصالح بقوله وعمله وحاله، ثم منحنا التسليم والطاعة له ما دام على ما كان عليه أئمة الهدى من أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم أجمعين، فإن غفل نبَّهناه، وإن نسي ذكَّرناه، وهذا واجب علينا معه لنجاة أنفسنا.

وخير نعم الله علينا هو حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى: (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا) "آل عمران:103"، فنعمة الله العظمى التي مَنَّ اللهُ بها علينا هي سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

 ومعلوم أن كل إنسان يسارع لنيل نجاته فى الدنيا والآخرة، ولا نجاة للإنسان إلا بالإسلام، فالنعمة التي تلي نعمة الرسالة: تفضُّلُ الله على الإنسان بالنور الذي يقبل به ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبولاً يجعله مطيعاً لمحاب الله ومراضيه سبحانه.

وولاية الله لنا أبدا: أن يعيننا سبحانه وتعالى على دوام الإقبال عليه، محفوظين من المعصية وأسبابها، وأن يوفقنا للتوبة النصوح بعد المعصية، فإنا لسنا معصومين، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) "الأعراف:201".

                                                          وللحديث بقية بإذن الله تعالى


المقالات الأكثر مشاهدة

المقالات الجديدة