تراث الامام

الحكم العزمية

من  خوالد  حكم  الإمام أبى العزائم تلك الحكم التى سكنت قلوب المؤمنين، وغدت لعشاق البيان إماماً وهادياً، وصدق الله تعالى إذ يقول: (يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد  أوتى  خيراً  كثيراً) [29] فتجده بروحانيته ينقل تقوى قلبه إلى قلبك، وترى نور الإيمان يترك فى قلبك آثاراً،  وعطايا  الحق سبحانه تتوالى عليك مدراراً.

وعن الحكيم يقول رضى الله عنه:

الذى  أوتى  الحكمة  الروحانية  وأدرك  حقائق  العلوم  الربانية، إنسان وسط متمكن، أمكن من جميع العلوم الكونية وغيرها تمكناً جعله يداو ىكل وارد بدواء يناسبة حتى يكون مألوفاً  لكل إنسان ، وسطاً لم يتطرف عن الجادة السمحاء.

ويتحدث رضى الله عنه عن الحكمة فيقول:

ليس  المراد  من الحكمة عبارات متسعة المبانى بالغة حدها فى سمو اللفظ وانتظام التركيب، ومراعاة مقتضى الحال المكتسب من مزاولة علوم الفلسفة والمنطق والرياضيات،  واستعمال النظائر والقضايا والأقيسة والأشكال والنكات البلاغية، فإن هذا بعيد عن الحكمة بمراحل،  لأنا  نرى  كثيراً  من الكفار وأهل المعاصى لهم اللسان المعبر والقلم المبين بحالة تحير العقول، وقد جعل  الله  حظهم منه  لسانهم وحرمهم من نور الحضور معه ولذة الاستمداد منه.

ويقول أيضاً: الحكمة الإلهية لا تكون بالمدارسة والاكتساب العلمى، لأن  الاكتساب  العلمى  كالتجربة التى يكون الحكم بها ظنياً، ولكن الحكمة أن يكشف الله للعبد  المراد،  مراده  من  كل  شىء  أنزله  أو خلقه، حتى يعبر هذا الحكيم عن حقيقة ما انكشف له انكشافاً حقيقياً، فتكون حكمته يقين صادق،  ولكن تتفاوت النفوس فى الانتفاع بالحكمة: فمن النفوس  نفوس  الصديقين  الذين  يشم  أحدهم  ريح  الحكمة تطيب  نفوسهم  وتطمئن  قلوبهم ،  ولا  يجعلون  لها  كفؤا  يشغلهم عنها، وهؤلاء هم الذين سبقت لهم الحسنى ، ويلحقهم  فى هذا أهل النفوس التى تطهرت وتصفت بالجهاد الصادق، وأما نفوس أهل البعد فإذا قابلت الحكمة صرفتها بغيرما قصد بها  من  العلم  والعمل،  ونوال  الحظوة  لدى  الحق  سبحانه وتعالى  والتخلق بأخلاق الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين. وقد افتتح الإمام رضى الله عنه كتاب (شراب الأرواح) بمجموعة من الحكم الغالية والدرر النفيسة، نذكر منها:

  • نسب  إليك  الأعمال  عندما  شهدت  نفسك فى أوج الكمال، وقيدك بالتكاليف لتعلم أن هذا الشهود  مخيف، زينك  بجميل الصفات لتنكشف لك بها الآيات، أنبأك ببيناته لتتدبر فى أسرار آياته، وعدك وأوعدك ليقربك ويبعدك، جعلك خليفة فى الأرض  لتحظى  بخطابه يوم العرض، فتح لك باب الرحمة والقبول ليسهل عليك الوصول،  وشدد  عليك  الحساب ليهديك إلى الصواب، فأنت مطلوب لحضرته ومقاد  بعوامل  حكمته،  إنما  يخفى  عندك شهودك وإثبات وجودك، ويظهر عند فقدان  أنيتك  وانعدام  غيرتك،  جعلك  أشد  العوالم احتياجاً إليه ليدلك على التوكل عليه. أوجد لك فى  معظم  أعمالك  غير مرادك  لتعلم  أنه المريد المختار لجميع ذلك، ولينبهك إلى تفويض الأمور لإرادته، وتسليم  مالك  لمشيئته، إنما حجبك عن شهود أنك لست منه، وأظهره لك تحققك بأصلك.
  • ليس  كل  إقبال  موجباً  للقبول ، ولا  كل من تمسك بالصالحات مؤد إلى الوصول، وإنما تصل  إلى  مولاك  بنسبك ،  وتقبل  لديه  بأخلاقه  التى  تتجمل بها، فنسبك له عبد مفتقر مضطر، ونسبته إليك رب ممد بالإيجاد والإمداد. ليس الوصول  تلذذاً  بالأعمال  وتجملاً بالحوال، إنما الوصول معرفتك نفسك  وعلمك  مرتبتك،  وتحققك  بفاقتك  متظاهر  بزى المساكين وهو أضر عليهم من الشياطين، فجمل باطنك لمولاك يدوم  لك  رقيك  وعلاك. متى تجمل بالعبودية وأنت ترى نفسك خيراً من سواك؟ أو  أولى  بفضل  مولاك؟  عجباً لك!! أو تقسم رحمة ربك؟ (إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) [30].
  • المقبلون  كثيرون  والمقبولون  قليلون، وعلامات الإقبال تفريد الحق بالقصد دون غيره، ومن  لم  يتمرن  على  التفريد  فى  بدايته  قل  أن  بفرده فى نهايته، وفاتحة التفريد تفريد

المرشد  بالقصد  بأن  يجعل  كل  شىء  وسيلة  ليدخل فى قلبه ليفوز بحبه. بين اهل الصفا وأهل الوفا برزخ المجاهدة، فأهل الوفا يجاهدون أنفسهم ليتكملوا،  وأهل الصفا  يجاهدون  أرواحهم  لترحم  بقية قواهم، فأهل الوفا يجاهدون العدو، وأهل الصفا يجاهدون الحبيب، فالمجاهدة لابد منها. إذا أقبل  عليك فرغ قلبك له، فإن التفت إلى غيره أدبك فيه، واحذر أن تلتفت- ولا إلى كن- فإن الحبيب غيور وأنواره سفور، والالتفات إلى سواه غرور.. أعاذنا الله بوجهه الكريم من الالتفات إلى غيره آمين.

  • طلبك  له  عين  طلبه  لك، ولولا  طلبه  لك  ما  طلبته، فأنت مطلوب به وطلوب له، ولا أثر  لك  فى  طلبك له، إنما أنت به مطلوب وبه  طالب،  وإلا  فمن  وفق  الطالبين  حتى يطلبوا؟ وهل للطالب فعل أو أثر حتى  ينسب  الطلب  لنفسه؟  حاشا. .إنما  ينسب  الطلب لنفسه من لم يوحد مطلوبه، والواصل لايشهد غيراً، ولا تميل نفسه إلى  سوى،  فهو  فان به  فيه  عن شهود الأعمال والعبادات، ومتى شهد لنفسه عملاً وتيقن أنه طالب له بعبادته وبطاعته  فهو  محجوب  عن  الحقائق الإلهية، وإلا فمتى يوحد من شهد نفسه أو أثبت له عملاً وليس فى الكون أثر لغيره: (وما قدروا الله حق قدرة  والأرض جميعاً  قبضته  يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه) [31]. فالوصول هو إضافة  الأعمال  والآثار والمظاهر كلها إلى الواحد المنزه عن الشريك والمعين، حتى يغنى  عن  المشاهدات  والمشهودات، والنسبة  إلى  نفسه، والنظر إلى إضافة الأعمال والتوفيقات إلى نفسه، أو إلى غير الواحد الأحد، تنزه عن أن ينسب إليه ما لايليق بجنابه السامى من التبجيل والتعظيم، وتقدس عن أن  تكون  نعمته  معلله  بسبب، مرتبطة بعمل، وهو المعطى الوهاب: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) [32].
  • إذا  حججت فلبه لترى آثار أنبيائه، فكن فى مقام خليله جسماً أو روحاً ثم حج بقلبك لترى آثار ربك، وليس من هاجر ليرى آثار الأنبياء كمن ساح ليرى آثار الرب جل وعلا: (وما بكم من  نعمة فمن الله) [33]. زن  نفسك بقدر نيتك لا بقدر عملك، فإن الأعمال لا توزن إلا عند  الله ،  وإنا  توزن  المقصود  والهمم،  واعلم أعن أعمال القلوب وارد علام الغيوب، وأعمال الجوارح قد تكون لداعى الحظ أو لباعث الشهود، وهمم آل العزائم القبول، وإنما الإقبال سبب لا علة، وكم من مدبر مقبول، وكم من مقبل  مفصول،  حكم الأزل منفذ أبداً وإن تغيرت مقتضياته، فإذا شهدت سر القدر حفظك  الله  من  الحد،  وإنما  الإقبال  إقبال القلوب ، وإنما  الجوارح  آلاتها ، والشأن  كل  الشأن  تصحيح  النية ، ومعراج  الأعمال الإخلاص، وكمال الإخلاص الفناء عنه مع التحقق به.                                                   
  • كن واجداً لا متكلفاً، وعارفاً لا متعرفاً، فإن التكليف سير والسير غير، والوجد قربة تثبت حبه، والتعرف سلوك، والعارف واصل، وبين المتعرف والعارف كما بين السالك  وملك وملوك،  فاعط  لكل  مقام  حقه  يرفعك  الله  فوقه  [34] ، فتفوز  بالرقى  وتحظى بالمنزل الصديقى ، قال  تعالى : (والذين  جاهدو  فينا لنهدينهم سبلنا) [35]، وقال تعالى: (إن الله مع الذين  اتقوا  والذين  هم محسنون) [36]، وقال تعالى: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته)[37]. وشتان يا أخى بين من هداه لسبيله، ومن هو معه ومن جعله عنده.

وهذه بعض الحكم القصيرة: 

  • لابد للإنسان من اثنين للرقى: قلب مخلص، وجسم مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • من أعطى الكل أخذ الكل.
  • من  دلك  على  الدنيا قطعك، ومن دلك على الآخرة حجبك، ومن دلك على العمل أتعبك، ومن دلك على الله أراحك.
  • ليس  الرجل  مـن  جعل  الحجر  ذهباً ، وإنما  الرجل  من  جعل  البعيد  قريباً  من  الله.
  • إنما ميزان الرجال بأخلاقهم.
  • من شغلته الشمائل عن الذات أحاطت به البليات.
  • أصل  المحبة  المعرفة ،  وأصل  الطاعة  التصديق ،  وأصل  الخوف  المراقبة . وأصل المعاصى طول الأمل، وحب الرياسة أصل كل موبقة.
  • علم بلا عمل وبال، وعمل بلا علم ضلال.

وقام  خلفاء  الإمام  رضى  الله   عنه   بجمع  الكثير   من  هذه   الحكم  فى  كتاب  خاص  تم   طبعه

وفيه  الحكم  العزمية  الكثيرة.