قصة سيدنا آدم عليه السلام (5)

تاريح النشر: 16/08/2021


ذكر العلامة محمد بن أحمد بن إياس في كتابه بدائع الزهور:  كان آدم يطوف في الجنة فإذا جاء إلي جهة شجرة الحنطة نفرعنها للعهد الذي بينه وبين الله تعالى بعدم الأكل منها وكانت شجرة الحنطة أعظم شجر الجنة ولها سنابل وفيها الحب كل حبة قدر رأس البعير وكانت أحلى من العسل وأبيض من اللبن ولما علم إبليس بدخول آدم وحواء إلي الجنة وعلم أن آدم منع من أكل شجرة الحنطة أتى إلى باب الجنة وأقام عنده نحو ثلاثمائة سنة وهي ساعة من ساعات الآخرة فكان إبليس ينظر إلى من يأتي إلى جهة باب الجنة ، قال : فجاء طائر مليح الملبوس يقال له الطاووس وكان سيد طيور الجنة فلما رآه إبليس تقدم إليه وقال أيها الطائر المبارك من أين جئت ؟ فقال : من بساتين آدم ، فقال إبليس : إن لك عندي نصيحة وأريد أن تدخلني معك فقال : ولم لم تدخل بنفسك فقال إنما أريد أن أدخل سرا فقال الطاووس لا سبيل إلى ذلك ولكنني آتيك بمن يدخلك سرا فذهب الطاووس إلى الحية ولم يكن في الجنة أحسن منها خلقا فكان رأسها من الياقوت الأحمر وعيناها من الزبرجد الأخضر ولسانها من الكافور وقوائمها مثل قوائم البعير فقال لها الطاووس إن علي باب الجنة ملكا من المكرمين ومعه نصيحة فأسرعت الحية إليه فقال هل لك أن تدخليني الجنة سرا ولك مني نصيحة فقالت الحية وكيف الحيلة على رضوان ؟ فقال لها افتحي فاك ففتحته فدخل فيه إبليس وقال لها ضعيني عند شجرة الحنطة فوضعته عندها فأخرج إبليس مزمارا وزمر تزميرا مطربا، فلما سمع آدم وحواء المزمار جاءا ليسمعا ذلك فلما وصلا إلى شجرة الحنطة قال إبليس تقدم إلى هذه الشجرة يا آدم فقال إني ممنوع فقال إبليس (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) فإن من أكل من هذه الشجرة لا يشيب ولا يهرم ثم أقسم بالله أنها لا تضرهما وأنه لمن الناصحين لهما ، فظن آدم أنه لا يتجاسر أحد على أن يحلف بالله كاذبا وظن أنه من الناصحين.

فمن حرص حواء علي الخلود في الجنة تقدمت وأكلت فلما نظر آدم إليها حين أكلت ووجدها سالمة تقدم وأكل بعدها فلما وصلت الحبة إلى جوفه طار التاج عن رأسه وطارت الحلل أيضا (سؤال) لأي شيء  لما أكلت حواء من الشجرة لم تسقط الكسوة عنها في الحال وآدم حين أكل سقطت عنه في الحال ؟ (الجواب) لو سقطت في الحال عن حواء لرجع آدم ولم يأكل وأيضا الدية علي العاقلة ولأن الأمر كان أولا لآدم وقال بعض العلماء إن آدم أكل وهو ناس قال الله تعالى (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي).

فلما أكل آدم من الشجرة أوحى الله تعالى إلى جبرائيل عليه السلام بأن يقبض على ناصية آدم وحواء ويخرجهما من الجنة فأخرجهما جبرائيل من الجنة ونودي عليهما بالمعصية . قال : فكان آدم وحواء عريانين فطافا على أشجار الجنة ليستترا بأوراقها فكانت الأشجار تنفر عنهما ورحمته شجرة التين فغطته فتستر بورقها وقيل غطته شجرة العود فلذلك أكرمها الله بالرائحة الطيبة وأكرم شجرة التين بالثمر الحلو الذي ليس له نوى وقيل غطته شجرة الحناء فلذلك صار أثرها طيبا مفرحا ولذلك سميت الحناء (قال) كعب الأحبار لما صار آدم عريانا أوحى الله تعالى إليه أن اخرج إليّ لأنظرك فقال آدم يا رب لا أستطيع ذلك من حيائي منك وخجلي أهـ. (أنظر بدائع الزهور في وقائع الدهور للعلامة محمد بن أحمد بن إياس ص47- 49   طبعة دار المنار)

 ذكر النيسابوري في كتابه قول ابن عباس رضي الله عنهما : لما أهبط آدم إلى الأرض وكان آدم علي الجبل يسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم وكان آدم يأنس بذلك فهابته الملائكة واشتكت إلى ربها. قال رب كنت جارك في دارك ليس لي رب سواك ولا رقيب دونك آكل فيها رغدا وأسلك حيث أحببت فأهبطتنى إلى هذا الجبل وكنت أسمع أصوات الملائكة وأراهم كيف يحفون بعرشك وأجد ريح الجنة وطيبها، ثم اهبطتني الى الأرض وحططتنى إلى ستين ذراعا فقد انقطع عني الصوت والنظر وذهبت عني رائحة الجنة فأجابه الله تعالى : ( بمعصيتك يا آدم ) فلما أراد الله تعالى أن يرحم عبده آدم لقنه كلمات كانت سبب قبول توبته كما قال تعالى : ( فتلقي آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) الآية . واختلفوا في تلك الكلمات ما هي ؟ فقال ابن عباس : هي أن آدم عليه السلام قال : يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال بلى . قال ألم تنفخ في من روحك ؟ قال بلى. قال ألم تسبق لي رحمتك قبل غضبك ؟ قال بلي. قال ألم تسكني جنتك ؟ قال بلى. قال فلم أخرجتني منها ؟ قال لشؤم معصيتك. قال أي رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت ترجعني إلى الجنة فهي الكلمات : وقال عبد الله ابن عمر : إن آدم قال يارب أرأيت ما أتيته شيء ابتدعته من تلقاء نفسي أو شيء قدرته علي قبل أن تخلقني بيدك؟ قال لا. بل شىء قدرته عليك قبل أن أخلقك ، قال يارب فكما قدرته علي فاغفر لي . وقال محمد بن كعب القرظي هي قول لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسى فتب علي إنك أنت التواب الرحيم ، لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ،لا إله إلا أنت سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسى فارحمني إنك أنت خير الراحمين . وقال سعيد بن جبير والحسن ومجاهد وعكرمة هي قوله تعالي : (ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية أهـ. (قصص الأنبياء المسمى بعرائس المجالس للثعلبي ص33  طبعة شركة الشمرلي للطباعة)

وذكر العلامة محمد بن أحمد بن إياس في كتابه : إن جبرائيل أخذ بيد آدم وهو عريان مكشوف الرأس فهبط به إلى الأرض عند غروب الشمس من يوم الجمعة فأهبط على جبل من جبال الهند يقال له : الراهون ، (وأما حواء) فقد ذهب عنها حسنها وجمالها وابتليت بالحيض وانقطع عنها ذكر النسب فيقال أولاد آدم ولا يقال أولاد حواء لأنها غرت آدم مع إبليس حيث ابتدأت بالأكل .

وأهبطت حواء عند ساحل البحر المالح بجدة قال الله تعالى (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)، وأما إبليس اللعين فإنه خرج عن طور الملائكة وصار شيطانا رجيما فلما أهبط من الجنة نزل بأرض العراق نحو البصرة . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما أهبط إبليس إلى الأرض نكح نفسه بنفسه فباض أربع بيضات ففرق في كل قطر من الأقطار بيضة فجميع من في الأرض من الشياطين من تلك البيضة . وقال مجاهد إنه نكح الحية التي دخل في جوفها في الجنة حين أهبطت إلى الأرض فباضت الأربع بيضات (وأما الطاووس) فإنه ذهب عنه الجواهر وبعض الحسن وأهبط أيضا إلى الأرض ونزل في أرض بابل وقيل بأرض أنطاكية (وأما الحية) فمسخ شكلها وصار فيها السم وسببه أن إبليس اختبأ تحت أنيابها وأدخلته إلى الجنة وخرس لسانها وصارت تمشي علي بطنها زحفا ونزلت إلي الأرض بأصبهان (قال) ابن عباس كانت إقامة آدم وحواء في الجنة مدة نصف يوم من أيام الآخرة وهو مقدار خمسمائة عام من أعوام الدنيا ، فلما هبط آدم ألقى الله عليه النوم فنام فألقى الله النوم علي جميع من في الأرض من الحيوانات والوحش والطير وكل شيء فيه روح ولم يكن قبل ذلك يعرف النوم فسمي ذلك اليوم يوم السبت فلما طلع النهار ورأى آدم الشمس وهي تدور مع الفلك تعجب من ذلك فلما تعالت في الفلك أحرقت جسد آدم لأنه كان عريانا مكشوف الرأس فأتاه جبريل فشكا إليه من ذلك فمسح على رأسه بيده فحط من ذلك الطول خمسة وثلاثين ذراعا ، قال قتادة : كان آدم إذا عطش يشرب من السحاب ويروى أنه لما طلع الشعر علي رأسه وطالت أظافره أتاه جبرائيل فحلق رأسه وقص أظافره ودفن ذلك في الأرض فأنبت الله منه النخل ولهذا قيل أكرموا عماتكم النخل ، وقال ابن عباس : مكث آدم في الأرض ثلاثمائة سنة لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى وأقام يبكي نحو مائتي سنة فنبت العشب من دموعه وصارت الطيور والوحوش تشرب من دموعه * ثم إن آدم شكا إلى جبريل العرى وحر الشمس فمضى جبرائيل إلى حواء ومعه كبش من الجنة فقص من صوفه ودفعه إلي حواء وعلمها كيف تغزل الصوف ، فلما علمها وغزلته علمها كيف تنسجه فنسجته عباءة فأخذها جبرائيل ومضى بها إلى آدم فستر بها جسده ولم يقل له هذه العباءة من عند حواء ثم أنه شكا من الجوع لأنه أقام أربعين سنة لم يأكل ولم يشرب فمضى جبرائيل وأتاه بثورين من الجنة أحدهما أسود والآخر أحمر وعلمه كيف يحرث فحرث ثم أتاه بكف من الحنطة وعلمه كيف يزرع فزرع فلما زرع آدم نبت في الحال وأسبل وأدرك القمح من يومه فعلمه جبرائيل كيف يحصد فحصد ودرس وذرى في الهواء فقال آدم لجبرائيل آكل؟ فقال اصبر ثم قطع من الجبل حجرين فطحن بهما فلما صار دقيقا قال آدم آكل ؟ فقال اصبر ثم مضى وأتاه بشرارة نار من نار جهنم بعد أن غمسها في الماء سبع مرات ولولا ذلك لأحرقت الأرض ومن عليها ثم إن جبرائيل علمه كيف يخبز فخبز ثم قال لجبرائيل آكل ؟ فقال اصبر حتي تغرب الشمس فيتم لك الصوم فكان آدم أول من صام علي وجه الأرض فلما غربت الشمس ووضع آدم الرغيف بين يديه ومد يده ليأخذ من الرغيف لقمة فر الرغيف من بين يديه وسقط من أعلي الجبل فتبعه آدم وأخذه فقال له جبرائيل لو صبرت لأتاك الرغيف من غير أن تقوم إليه * ويروي أن آدم لما أكل من الرغيف ادخر منه إلى الليلة القابلة فقال له جبرائيل لولا أنك فعلت ذلك لما كان أحد من أولادك يدخر فصار ذلك عادة لبني آدم (وقيل) أن آدم لما أكل الخبز عطش فشرب عليه الماء ووجد في نفسه تشكيا لم يعهده فلما أتاه جبرائيل شكا له ذلك ففتق جبرائيل عن دبره فبال وتغوط من وقته ، وقال بن عباس رضي الله عنهما : كان آدم إذا جاع نسي حواء وإذا شبع تذكرها فقال يوما لجبرائيل يا جبرائيل هل حواء علي قيد الحياة أم ماتت فقال بل في قيد الحياة وأنها أصلح حالا  منك لأنها على ساحل البحر تصطاد الأسماك وتأكل منها فقال آدم : يا جبرائيل إني رأيتها في منامي في هذه الليلة فقال جبرائيل: يا آدم أبشر فما أراك الله إياها إلا لقرب الاجتماع ، قال بن عباس رضي الله عنهما : لما انقضت أيام المحنة عن آدم عليه السلام وتاب فتاب الله عليه وهو قوله تعالي (فتلقي آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) قال بعض العلماء: ألهمه الله أن يقول (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)أهـ. (بدائع الزهور في وقائع الدهور للعلامة محمد بن أحمد بن إياس ص49- 51   طبعة دار المنار)

و للحديث بقية بإذن الله تعالي  

 


المقالات الأكثر مشاهدة

المقالات الجديدة