رسالة الإمام المجدد فى المناسك [1] - الحج وآدابه

الامام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم
15/06/2022
شارك المقالة:

الحمد لله الذى جذب قلوب من أسمعهم فى البدء دعاءه على دار السلام سماع قبول ، وشرح صدورهم فى الكون للهجرة إيه لزيارته سبحانه فى بيته ففازوا بالوصول . أسمعهم فى سيرهم أذان الخليل فلبوا مسرعين إلى بيت الجليل ، دخلوا مقام إبراهيم آمنين ، فأشهدهم سبحانه جماله العلى المبين ، أحرموا تجردا من محيط الكون الدنى ، فأشهدهم الله ملكوته العلي، والصلاة السلام على حبيب الله ومصطفاه وآله وورثته ومن والاه ، وبعد:

فيقول خديم الفقراء محمد ماضى أبو العزائم :

الحمد لله الذى وفق وأعان ، وأسبغ سوابغ فضله بالإحسان ، وشرح صدرى للعزم على أن أتشرف بالدخول فى مقام خليله على نبينا وعليه أتم السلام.

ولما أن يسر الله هذا المقصد العظيم ، شرح صدور كثير من أحبابى فقراء آل العزائم بالصحبة فى السفر ، طمعا فى الفوز بقبول الله والإقبال منه سبحانه وتعالى علينا ، بمناسبة أن الحج - بالجمعة - فأحببت أن أكتب رسالة فى المناسك ، مبينا فيها آداب السفر من خروج الحاج من بيته إلى أن يصل إلى مكة المشرفة ، وأركان الحج وفضائله، مشيرا إلى حكم تلك الأركان والفرائض ، ملمعا إلى حج الروح بعد بيان حج الجسم ، ليكون لنا بذلك حظ أوفر وقسط أعظم.

وإنى أسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه، وأن ينفع بها أحبابنا فى كل الجهات ، وأن يصحبنا بالمعين الموفق الهادى الحفيظ السلام ، قابل التوب وغافر الذنب ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

تعريف الحج:

الحج لغة: القصد ، ولا يقال حج إلا إذا قصد عظيما. وفى الاصطلاح: حضور بعرفة وطواف وسعى بعد إحرام ، وهو الحجة القائمة للعبد على كمال إيمانه وتعظيمه للشريعة المطهرة ، ومحبته الخالصة لله تعالى،. قال الله تعالى : ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِى عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ([1]). فالحج فريضة يتعين على الفور متى توفرت الاستطاعة وخوصا إذا بلغ الستين من عمره.

الاستطاعة على الحج:

الاستطاعة محصورة فى الزاد والراحلة وأمن الطريق. وهى بحسب طالب الحج ، فقد يكون الزاد حرفة أو صنعة ، وقد تكون الراحل عافية يمكنه بها المشى ، وقد يكون أمن الطريق وجود الرفيق.

ومن كمل إيمانه فاشتاق إلى الحج ولم يستطع ، كان شوقه هذا دليلا على محبته لله تعالى وكمال إيمانه ، ومن استطاع وأخر الحج حتى مات فليمت على أى دين شاء ، لأن الله تعالى يقول : ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِى عَنِ الْعَالَمِينَ﴾([2]).

وفى الخبر: (من لم يمنعه من الحج مرض قاطع أو سلطان جائر ومات ولم يحج فلا يبال أمات يهوديا أم نصرانيا).

وقال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن أكتب إلى الأمصار بضرب الجزية على من لم يحج ممن يستطيع إليه سبيلا.

وعن سعيد بن جبير وغيره : لو عملت رجلا غنيا وجب عليه الحج ومات قبل أن يحج ما صليت عليه.

وقال ابن عباس : " من مات ولم يزك ولم يحج سأل الرجعة إلى الدنيا.وكان تفسيره فى هذه الآية ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ([3]) قال: أحج. ومثله ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِى إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴾ ([4]). قال : أزكى وأحج.

آداب من عزم على الحج:

1ـ يجب عليه أن يجاهد نفسه فى تجريد نيته من الشوب حتى ينوى بالحج وجه الله تعالى.

2ـ أن يحصل زاده ونفقته من حل ، وأن تكون النفقة زائدة على من تجب عليه نفقتهم.

3ـ أن يكون طاهرا من الدَّيْن ومن حقوق العباد.

4ـ يسن له أن يزور إخوانه قبل سفره ملتمسا منهم الرضا والدعاء والعفو.

5ـ أن يحرص على صحبة الأتقياء أهل الورع من العلماء ، خصوصا فى سفر الحج فإذا صحح نيته بلغ أمنيته.

6ـ يستحب له عند خروجه من داره ومفارقته لأهله وأولاده أن يخرجهم من قلبه كما فارقهم بجسمه، تفريدا لله تعالى بالقصد دون غيره ، حتى لا يشغله مال ولا أمل ولا ولد.

7ـ يستغرق كل أنفاسه من خروجه من بيته إلى أن يتم حجه فى حضور مع الله، واستحضار للفوز بمقصده الأعظم الذى هو قبول الله عمله، وإقبال الله تعالى بوجهه الكريم عليه.

8ـ يعلم حق العلم أنه ما خرج لرياضة وتنزه مشاهدة البر والبحر ، ولكنه خرج ليقبل بكليته على الله ليزوره سبحانه فى بيته، ليريه ملكوت السموات والأرض ، بشهود الآيات فى الكائنات ، لأنه خرج ليدخل مقام إبراهيم عليه السلام حسا ومعنى.

ومن تفضل الله عليه بالدخول فى المقام حسا ومعنى أشهده ملكوته الأعلى كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ ([5])

الفرض والواجب فى الحج:

لا فرق عند المالكية والشافعية والحنابلة بين الفرض والواجب إلا فى الحج: فالفرض ما لا يقبل الحج إلا به فيبطل بتركه. أما الواجب فهو الذى يجبر بالدم إذا ترك ، ولا يبطل الحج بتركه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من كتاب 

هداية السالك إلى علم المناسك 


([1]) سورة آل عمران آية 97.

([2]) سورة آل عمران آية 97.

([3]) سورة لمؤمنون آية 99ـ 100.

([4]) سورة المنافقون آية 10.

([5]) سورة الأنعام آية 75.