حياة الامام

الإمام وتفسير الحديث

الحديث : كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو امتداد لكلام الله سبحانه كما أخبر صلى الله عليه وسلم بقوله : ( ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه )[1] ، وقال تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم )[2] ، فكلامه صلى الله عليه وسلم هو بيان للقرآن وقد قال الله تعالى فيه : ( وما ينطق عن الهوى )[3] .

وقد اعتنى رضى الله عنه بالحديث الشريف ، فتعلمه منذ نشأته حيث حفظ صحيح  البخارى والمختصر للإمام الزبيدى وهو فى صغره وقام بشرحه شرحاَ وافيا َ أثناء فترة تواجده بالسودان ، وقد شرح صحيح البخارى فى المسجد الكبير بالخرطوم . وقد التزم رضى الله عنه فى كتبه ومؤلفاته منهجاَ خاصاَ به وكان رضى الله عنه فى كيبه يترك ذكر السند وأسماء الكتب والرجال الذى أخذ منها ويوضح ذلك بقوله : (( ربما أنكر بعض المطلعين على هذه الكتب لتركى ذكر أسانيد الحديث وذكر أسماء الكتب والرجال الذى أخذت منها ، ولكنى والحمد لله على يقين أن العلم أمانة وأن كل الأحاديث التى وضعتها كلها فى كتبى هذه هى مما أوردها الأئمة فى كتبهم ، وضعتها فى كتبى هذه لتكون لإخوانى أهل الطريق نوراَ من نور السنة المحمدية وعوناَ لهم بعد كتاب الله تعالى على ما يقرب على الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلها إما أن تكون مما أخرجه الشيخان سيدنا الإمام البخارى والإمام مسلم فى جامعيهما أو أحدهما ، أو أورده أبو داود والترمذى وغيرهما من الأئمة فى تصانيفهم رحمهم الله ، وهى صحاح على شرط البخارى لأنها بنقل العدل عن العدل عن رسو الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين فى علو الدرجة ، وقد حذفت الأسانيد لعدم الإطالة حتى يسهل على المريد أخذ الأحكام الشرعية .

على أنى لا أبرئ نفسى من الزلل والخطأ : ( إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى ) [4][5]، فكل أخ ظهر له زلل فى كتبى هذه فإنما أنا إنسان مسكين تحريت بقدر ما فى وسعى كما قال الله تعالى : ( فأولئك تحروا رشداَ )[6] فما كان من الزلل والخطأ فإنى أعوذ بالله أن كون عن قصد منى أو تغيير لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انتهاج على غير طريق المؤمنين ، أعوذ بالله من مخالفة رسول اله صلى الله عليه وسلم . كيف يرضى المؤمن بأن يكون من أهل جهنم بأن يتبع غير سبيل المؤمنين ؟! قال الله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراَ)[7] .

اللهم إنى أعوذ بوجهك الكريم وباسمك العظيم وبكلماتك التامات من علم لا ينفعومن قلب لا يخشع ومن عمل لا يرفع ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم )).

ومما تناوله رضى الله عنه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم نورد بعض الأمثلة : 

1- قوله صلى الله عليه وسلم : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )[8] .. وقوله : ( اطلبوا العلم ولو بالصين )[9].

يقول رضى الله عنه فى كتاب اصول الوصول لمعية الرسول صلى الله عليه وسلم : أورد شرح أئمة السلف هداة الأمة ، وما بينوا به قوله صلى الله عليه وسلم : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اطلبوا العلم ولو بالصين ) وبإيراد أقوالهم يمكن لكل مطلع أن يعلم مجموع العلوم التى فرضها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وإن تفاوتت بالنسبة لمعلومها ، فقد يكون العلم فرض عليك إلا بعد فرض علمه كعلم العبادات، لأن عملها فرض وعلم تأدية العمل الفرض كاملاَ فرض عين على من فرض عليه العمل . 

أقوال الأئمة فى معنى هذين الحديثين

* قال الإمام أبو محمد سهل رحمه الله : أراد بذلك علم حال ، يعنى علم حال العبد من مقامه الذى أقيم فيه ، بأن يعلم أحدكم حاله الذى بينه وبين الله عز وجل فى دنياه وآخرته خاصة ، فيقوم بأحكام الله تعالى فى ذلك .

* وقال بعض العارفين : معناه طلب علم المعرفة وقيام العبد بحكم ساعته وما يقتضى منه فى كل ساعة من نهاره .

* وقال بعض علماء الشام : إنما عنى به طلب علم الإخلاص ومعرفة آفات النفس ووساوسها ، ومعرفة مكايد العدو وخدعه وغروره ، وما يصلح الأعمال ويفسدها ، فريضة كله من حيث كان الإخلاص فى الأعمال فريضة ، ومن حيث أعلم بعداوة إبليس ، ثم أمر بمناوأته ، وذهب إلى هذا القول عبد الرحيم بن يحيى الأرموى ومن تابعه .

* وقال بعض البصريين فى معناه : طلب علم القلوب ومعرفة الخواطر وتفصيلها فريضة لأنها رسل الله تعالى إلى العبد ، ووسواس العدو والنفس ، فيستجيب العبد لله تعالى بتنفيذ ما منه إليه ، ومنها ابتلاء الله تعالى للعبد واختبار تقتضيه مجاهدة نفسه فى نفيها ، ولأنها أو النية التى هى أول كل عمل ، وعنها تظهر الأفعال وعلى قدرها تضاعف الأعمال ، فيحتاج أن يفرق بين لمة الملك ولمة العدو ، وبين خاطر الروح ووسوسة النفس ، وبين علم اليقين وفوادح العقل ليميز بذلك الأحكام ، وهذا عند هؤلاء فريضة وهو مذهب مالك بن دينار ، وفرقد السنجى ، وعبد الواحد بن زيد ، وأتباعهم من النساك ، وقد كان أستاذهم الحسن البصرى يتكلم فى ذلك وعنه حملوا علوم القلوب .

* وقال عباد أهل الشام : معناه طلب علم الحلال فريضة إذ قد أمر الله تعالى به ، وأجمع المسلمون على تفسيق آكل الحرام ، وقد جاء فى خبر مفسر (( طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ))[10] ، ومال إلى هذا القول إبراهيم بن أدهم ويوسف بن أسباط ووهيب بن الورد وحبيب بن حرب .  * وقال بعض هذه الطائفة من أهل المعرفة : معناه طلب علم الباطن فريضة على أهله ، قالوا : وهذا مخصوص لأهل القلوب ممن اشتغل به واقتضى منه دون غيره نت عوام المسلمين ، ولأنه جاء فى لفظ الحديث:

( تعلموا اليقين )[11] فمعناه : اطلبوا علم اليقين ، وعلم اليقين لا يوجد إلا عند الموقنين وهو من أعمال الموقنين المخصوص فى قلوب العارفين ، وهو العلم النافع الذى هو الحال العبد عند الله تعالى ومقامه من الله تعالى كما شهد له الخبر الآخر فى قوله صلى الله عليه وسلم : (وعلم باطن فى القلب وهو العلم النافع )[12] فهذا تفسير ما أجمل فى غيره ، وقال جندب : ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعلمنا الإيمان ثم يعلمنا القرآن فازددنا إيماناَ وسيأتى زمان قوم يتعلمون القرآن قبل الإيمان ) ، يعنى تعلمنا علم الإيمان ، وهذا مذهب نساك أهل البصرة.

* وقال بعض السلف : إنما معناه طلب علم ما لم يسع جهله من علم التوحيد ، وأصول الأمر والنهى ، والفرق بين الحلال والحلاام ، إذ لا غاية لسائر العلوم بعد ذلك وكلها يقع عليه اسم علم من حيث هى معلومات ، ثم قد أجمعوا أن ليس تعليم ما زاد على ما ذكرناه فرضاَ . وإنما فيه فضل أو ندب .

* وقال بعض فقهاء الكوفة : معناه طلب البيع والشراء ، والنكاح والطلاق ، وإذا أراد الدخول فيه افترض عليه مع دخوله فى ذلك طلب علمه ، لقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه : (لا يتجر فى سوقنا هذا إلا من تفقه ؛ وإلا أكل الربا شاء أم أبى ) وكما قيل : تفقه ثم اتجر ، ومال إلى هذا سفيان الثورى وأبو حنيفة وأصحابهما .

* وقال بعض المتقدمين من علماء خراسان : هو أن يكون الرجل يريد أن يعمل شيئاَ من أمر الدين ، أو يخطر على قلبه مسألة لله سبحانه وتعالى فيها حكم وتعبد وعلى العبد فى ذلك اعتقاد أو عمل فلا سعه أن يسكت على ذلك ، ولا يجوز له أن عمل فيه برأيه ولا يحكم بهواه ، فعليه أن يلبس  نعليه ويخرج فيسأل عن أعلم أهل بلده فيسأله عن ذلك عند النازلة فهذا فريضة ، وحكى هذا القول عن ابن المبارك وبعض أصحاب الحديث .

* وقال آخرون : يعنى طلب علم التوحيد فرض ، وإنما اختلفوا فى كيفية الطلب وماهية الإصابة ، والنظر ، فمنهم من قال : من طريق التوفيق والأثر ، وقالت طائفة من هؤلاء : إنما أراد طلب علم الشبهات والمشكلات إذا سمعها العبد وابتلى بها ، وقد كان يسعه ترك الطلب إذا كان غافلاَ عنها على أصل التسليم ، ومعتقد جملة المسلمين لا يقع فى وهمه ولا يحيك فى صدره شئ من الشبهات فيسعه ترك البحث . فإذا وقع فى سمعه شئ من ذلك ووقر فى قلبه ولم يكن عنده تفصيل ذلك وقطعه ومعرفة تمييز حقه من باطله ، لم يحل له أن يسكت عليه لئلا يعتقد باطلاَ أو ينفى حقاَ ، فافترض عليه طلب ذلك من العلماء به فيستكشفه ، حتى يكون على اليقين من أمره ، فيعتقد من ذلك الحق وينفى الباطل ، ولا يقعد عن الطلب فيكون مقيماَ على شبهة فيتبع الهوى ، أو يكون شاكاَ فى الدين فيعدل عن طريق المؤمنين ، أو يعتقد بدعة فيخرج بذلك عن السنة ومذهب الجماعة وهو لا يعلم . ولهذا المعنى كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه يقول فى دعائه : ( اللهم أرنا الحق حقاَ فنتبعه ، وأرنا الباطل باطلاَ فنجتنبه ، ولا تجعل ذلك متشابهاَ علينا فنتبع الهوى ) . وهذا مذهب أبى ثور إبراهيم بن خالد الكلبى وداود بن على والحسين الكراييسى والحارث بن أسد المحاسبى ومن تابعهم من المتكلمين .

فهذه أقوال العلماء فى معنى هذا الخبر ، حكينا ذلك عن علمنا بمذهبهم على معنى مذهب كل طائفة ، واحتججنا لكل قول ، فالألفاظ لنا والمعنى لهم ، وهذا كله حسن ومحتمل ، وهؤلاء كلهم وإن اختلفوا فى تفسير الحديث بألفاظ فإنهم متقاربون فى المعنى إلا أهل الظاهر منهم فإنهم حملوا على ما يعلمونه ، وأهل الباطن حملوه على علمهم ، هذا ما وصل إلينا من أقوال الآئمة فى شرح هذين الحديثين .

والرأى عندى

أن الظاهر والباطن علمان لا يستغنى أحدهما عن صاحبه ، بمنزلة الإسلام والإيمان ، مرتبط كل واحد بالآخر كالجسم والقلب لا ينفك أحدهما عن صاحبه . والآئمة رضى الله عنهم وإن اختلفوا فى الأقوال فإنهم مجمعون أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك طلب علم الأقضية والفتاوى ، ولا علم الاختلاف والمذاهب ، ولا كتب الأحاديث مما لا يتعين فرضه ، وإن كان الله تعالى لا يخلى من ذلك من يقيمه بحفظه ، والذى عندنا فى حقيقة معنى هذا الخبر والله أعلم ، أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( طلب العلم فريضة ) يعنى علم هذه الفرائض الخمس التى بنى الإسلام عليها من حيث لم يفترض على المسلمين غيرها .

ثم إن العمل لا يصح إلا بعلمه ، فأول العمل العلم به ، فصار علم العمل فرضاَ من حيث افترض العمل ، فلما لم يكن على المسلمين فرض من الأعمال إلا هذه الخمس ، فصار طلب علم هذه الخمس فرضاَ، لأنه فرض الفرض ، وعلم التوحيد داخل فيها لنه فى أوله شهادة أن لا إله إلا الله ، بإثبات صفاته المتصلة بذاته ونفى صفات سواه المنفصلة عنه إياه ، كله داخل فى علم شهادة أن لا إله إلا الله ، وعلم الإخلاص داخل فى صحة الإسلام ، إذ لا يكون مسلماَ إلا بإخلاص العمل لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ) [13]  فبدأ به واشترطه للإسلام ، والأصل فى هذا أنه لم يرد صلى الله عليه وسلم علم كل ما جاز أن يكون معلوماَ بإجماع الأمة، أنه لم يقصد بذلك علم الطب أو علم النجوم ولا علم النحو أو الشعر أو المغازى ، وهذه تسمى علوماَ لأنها تكون معلومة وأربابها علماء بها ، إلا أن الشرع لم يرد بالأمر مقتضاها ، والأمة مجمعه أيضاَ أنه لم يرد بذلك علم الفتيا والقضاء ، ولا علم افتراق المذاهب واختلاف الآراء ، وهذه تسمى علوماَ عند أهلها ، وبعضها فرض على الكفاية وكلها ساقطة عن الأعيان ، والخبر جاء بلفظ العموم بذكر الكلية وبمعنى الاسم ، فقال ( طلب العلم فريضة ) ثم قال : ( على كل مسلم ) بعد قوله : (طلب العلم ) ، فكان هذا على الأعيان ، فكأنه على ما وقع عليه اسم العلم ، ومعناه المعهود المعروف بإدخال التعريف عليه ، فأشير بالألف واللام إليه .

 

 

علم ما بنى الإسلام عليه فريضة :

فإذا بطلب هذه الوجوه صح أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ) أى طلب علم ما بنى الإسلام عليه ، فافترض على المسلمين علمه فريضة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم للأعراب حين سأله : ( أخبرنى ماذا افترض الله على ؟ - وفى لفظ آخر – أخبرنا بالذى أرسلك الله تعالى إلينا به ، فأخبره بالشهادتين ، والصلوات الخمس ، والزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، فقال : هل على غيرها ؟ فقال : لا إلا أن تطوع ، فقال والله لا أزيد عليه شيئاَ ولا أنقص منه شيئاَ ، فقال : أفلح ودخل الجنة إن صدق ) [14]، فكان علم هذه الخمسة فريضة من حيث كان معلومه فريضة ، إذ لا عمل إلا بعلم ، وقد قال تعالى : (إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) [15]، وقال فى مثله : ( حتى تعلموا ما تقولون )[16] ، وقال : ( هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن )[17] وقال : ( بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله )[18] وقال تعالى : ( ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) [19] وقال تعالى : ( إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاَ )[20] وقال سبحانه وتعالى : (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو )[21] وقال : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون )[22].

       فهذه الآيات افترض الله فيها طلب العلم ، وذلك الخبر الذى جاء فى أبنية الإسلام الخمسة افترض رسول صلى الله عليه وسلم فيه هذه الأعمال ، ثم قال مجملاَ : ( طلب العلم فريضة ) ثم وكده بقوله صلى الله عليه وسلم : ( على كل مسلم ) فكان تفسير ذلك وتفصيله أن علم هذه الخمس التى هى أبنية الإسلام فرض لأجل فرضها .

- معنى قوله صلى الله عليه وسلم :(لا عصبية فى الإسلام )[23]:

   ثم تناول رضى الله عنه فى كتابه ( الإسلام نسب ) بيان مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : ( لا عصبية فى الإسلام ) شارحاَ معنى التعصب للدين والفرق بين العصبية للإسلام والعصبية فى الإسلام فقال : بالتعصب للدين يقوى سلطان المسلمين فتكثر الفتوحات وتفتح الكنوز ويدخل الناس فى الدين عندما تظهر أنواره وتباشر بشاشته القلوب ، وترى العيون معاملة المسلمين التى هى حقيقة الرحمة والعدالة والمساواة والنصفة من النفس للغير ، ومن الوالد والولد للأجنبى ، فتنجذب قلوب العالم بعامل الرغبة والحب عندما تتضح لعقولهم أسرار الإسلام وتلوح لبصائرهم أنواره فيحيون الحياة الحقيقية فى الدنيا والآخرة ، والمسلم المتعصب يفوز بخير الخيرين أو بهما والمتساهل يعاقب بشر الشرين أو بهما ، والمسلم المتعصب يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، والملائكة والعلماء والأتقياء وأئمة المسلمين ، ويعز بين الناس ، ويحيا ذكره بعد موته ، ويؤسس لمن بعده من قومه مجداَ باقتداء المسلمين بعمله وقوله وحاله ، ويقوى به سلطان المسلمين ، فهو خير للمسلمين حياَ وميتاَ ، وسعادة لأهله فى الدنيا والآخرة .

التساهل فى الدين وعواقبه : 

 المتساهل فى دينه يبغضه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والملائكة والعلماء والأتقياء وأئمة المسلمين ، ويلحقه الذل والهوان بين الناس ، ويسوء ذكره بعد موته ، ويلبس من بعده من ذريته الخزى والخيبة ، ويضعف به سلطان المسلمين ، فهو شر حياَ وميتاَ ، وشقاء لمن بعده من آله .

  المتساهل بدينه مرض عضال بين جماعة المسلمين ، والأحرى بالمسلمين أن يطاردوه بأشد مما يطاردون به السيل الجارف والحريق المتلف والطاعون المهلك ، قال الله تعالى : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداَ أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض )[24].

بالتساهل فى الدين زال سلطان المسلمين وتبدلت محاسن الحق بقبائح الباطل ، وذل أهل العزة وعز أهل الذل ، وأصبح من يدين بعبادة الأحجار أو  من يعبدون إنساناَ أو يعتقدون أن جسماَ صنعوه بأيديهم إله يعبد ، أو أن صورة صورها إنسان هى رب خالق ، أو أن إنساناَ أكرمه الله بالمعجزة- كما أكرم من قبله ومن بعده من الرسل بأكمل وأعظم مما أكرمه به – إله أو ابن الإله ، ينظرون إلى الدين الحق بعين الازدراء ويقيمون الحجج الباطلة التى تلبس منتحلها الخزى وتحكم عليه أنه أقل من الجمادات ، لتجرده عن العقل الحيوانى فضلاَ عن الإنسانى .

 كل ذلك من نتائج تساهل أدعياء الإسلام الكاذبين فى دعواهم الإسلام ، لقولهم إن التعصب للدين جمود وتقهقر ، فجروا على المجتمع فساد العقول بالخمر ، وفساد النسل بالزنا ، وفساد الأخلاق الفاضلة بالربا ، والفشل بترك التوكل على الله ، والتفرقة بالاعتماد على أنفسهم ، وحب الخير لها ، والحرص على المال والجاه .

 

    المتساهل فى الدين هو أشد أعداء المسلمين وألد خصومهم قبل الكفار المحاربين والأعداء المناوئين ، والله يحفظ الإسلام والمسلمين من كل كافر بقلبه مؤمن بلسانه ينطق بالكلمة ويعمل لإطفاء نور الحق ، ويأتى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، قال الله تعالى : ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم )[25] .

 

الفرق بين العصبية للإسلام والعصبية فى الإسلام : 

 

     لعل جاهلاَ بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعترض على قائلاَ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لاعصبية فى الإسلام ) فاهما لضعف عقله أن مدلول كلامه صلى الله عليه وسلم نفى التعصب مطلقاَ ، وهذا ما لايقول به طفل من أطفال المسلمين ، فإن صريح لفظ الحديث الشريف بين لا يحتاج إلى توضيح ، وذلك لأن مدلول ( لا عصبية فى الإسلام ) معناه أن العصبية يجب أن تكون للإسلام لا فى الإسلام ، فإن العصبية فى الإسلام تفرقة لجماعة المسلمين ، دليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لرجل فارسى من الصحابة ، فى غزوة من الغزوات عندما قال للمشرك خذها وأنا الفتى الفارسى ، فغضب رسول الله صلى الله عيه وسلم وقال له : ( هلا قلت وأنا الفتى الأنصارى ). قال له ذلك عليه الصلاة والسلام ؛ وقد رئى الغضب الشديد فى وجهه الكريم مما جرى على لسان ذلك القائل بكلمته التى هى عين التفرقة ، وما ينبغى لمسلم إلا أن تكون دعواه للإسلام ، وكل ما يدعو إلى الاتحاد والوئام. وهذا الحديث الشريف المتقدم أساس من أسس الدين القويم يجلى لنا الحقيقة ، وهى قوله صلى الله عليه وسلم : ( المسلم أخو المسلم )[26] أى أن الأنساب والأحساب والعصبية للآباء والقبائل محيت بالإسلام ، وصار التعصب للإسلام ، والشرف بالإسلام ، والإسلام هو النسب والحسب بدليل قوله صلى اله عليه وسلم : ( كل نسب منقطع إلا نسبى ) [27]، فهذا الحديث الشريف الذى يظنه سخيف العقل حجة على ترك التعصب للدين ، نعم هو حجة ولكن عليه ، وبرهان ولكن على بطلان دعواه ، لأنه نص ظاهر فى وجوب التعصب بقوله : (إلا نسبى ) فهو الذى يتعصب له تعصباَ تقوى به كلمة الله ، وتحيى به سنن رسول الله ، ولا يحسن التعصب للنسب الجسمانى إلا إذا كان شرف هذا النسب بسبب الدين ، كتعصب المسلم لنسب مولانا الحسن أو الحسين ، أو تعصبه للأنصار أو الخلفاء الفاتحين فيكون تعصباَ للدين.

 اللهم فاشهد أنى أشكرك على أن وفقتنى وأعنتنى على التعصب للدين ، وأسألك أن تمن على بالصدق فى التعصب للدين .

3- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة فلا يحل لأحدهما أن يفشى على أخيه ما يكره )[28].

  قال رضوان الله عليه فى كتاب ( الإسلام وطن ) : أما حسن المجالسة فآدابها :

1- أن لا يعين ظالماَ على ظلمه ، ولا يفتح باب شر على أحد من الناس أمام من يمكنه أن يؤذيه ، ولا يذكر غائباَ بسوء إلا أن كان متفضحاَ وسئل عنه على سبيل نصيحة أو مشورة .

2- ويلزم أن يغض بصره فى المجلس عن عورات المجلس خصوصاَ إذا جلس مع رجال ونساء فيجب عليه أن لا يحدق ببصره إلى النساء ولا أن يصغى بأذنيه إلى اثنين يتكلمان فى المجلس إلا إذا دعواه إلى سماع الكلام .

3- ومن آداب المجالسة أن لا يتكلم سراَ مع جليسه إذا كان معهما ثالث فإن ذلك يحزنه ولا يتكلم معه بلغة لا يفهما الثالث ، وليجتنب اللمز والهمز والإشارة باليد أو العين أو اللسان ، قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراَ منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراَ منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاثم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)[29].

4- وعلى المسلم أن يكون باشًّا طلق الوجه لمجالسيه ما داموا فى خير ، فإذا تكلموا فى غير الخير فالواجب عليه أن يذكرهم بحكمة ويبين لهم التكلم فيما يضر ولا ينفع أو يصمت إن خاف عنادهم أو يفارق المجلس إن كان ذلك لا ضرر فيه عليه .

5- ومن آداب المجالسة أن يجتهد المسلم فى إدخال السرور على جليسه بقدر استطاعته فلا يذكر عورة من عوراته يريد بها احتقاره ولا ينتقد عليه فى عمل مباح عمله ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الرجل ليقول الكلمة فى المجلس لا يلقى لها بالآ يضحك بها الناس يهوى بها فى النار سبعين خريفاَ ) [30].

الآداب التى يراعيها المسلم مع جلسائه:

وجلساء الرجل إما أن يكون مضطراً أن يجالسهم أو غير مضطر، أما جلساؤه الذين لابد له من مجالستهم فكمن معه فى مزرعة  أو صناعة أو شركاؤه فى تجارته أو معه فى بيت واحد.

  1. فإخوانك الذين معك فى الصناعة أو المزرعة أو التجارة يلزمك أن تجتهد فى استجلاب مودتهم لك حبهم بما يمكنك مما لا يغضب الله ولا يخالف السنة.
  2. ويجب عليك أن تحفظ لسانك عن ذكر عوراتهم وهفواتهم أمامهم أو خلفهم، فإن كل إنسان لا يخلو من عيوب يجتهد أن يخفيها عن الناس ولكنها تظهر قهراً عنه، وإنما المعصوم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  3. وكما أنك يا أخى تحب أن تخفى صغائرك وهفواتك عن الناس فالواجب عليك أن تخفى هفوات أخيك وصغائره وعيوبه عن الناس وعنه فى حضوره  ما دامت ليست مما تضره ديناً ولا دنيا، فإن كانت تلك الأعمال مما يضره ديناً أودنيا فالواجب عليك أن تختلى به وتنصحه بطريقة يقبلها لا تريد بذلك احتقاره ولا تهديده والتنديد به.
  4. ومن أكمل صفات أهل الأدب أن يحفظوا سر المجالس، ومن أقبح صفات أهل النقائض أن الرجل يجلس فى المجلس ثم يقوم منه فينشر أخباره لكل من لقيه، وقد يبلغ الجهل ببعض الحمقى أنهم ينشرون معاصيهم ورذائلهم حتى خلوتهم بنسائهم يقول صلى الله عليه وسلم (المجالس بالأمانات) [31]. وورد أن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أسبل الله عليه ستره فكشف عنه ستر الله، ومعنى ذلك أن الرجل يعمل المعصية ليلاً أو فى خفاء عن الناس ثم يخرج فيذكر عمله للناس.
  5. ومن محاسن الآداب فى المجالسة أن لا يتجسس المؤمن ولا يتحسس وأن يجتهد المؤمن أن يجعل فى مجلس جلس فيه عملاً صالحاً يرفع له من ذكر الله أو نصيحة أخ أو رد غيبة عن رجل صالح أو توبة عن ذنب عمله فى المجلس.
  6. ومن آداب المجلس أن يباعد الرجل عن الجلوس بجوار زوجة غيرة، ولا يسارع إلى قضاء حوائجها ما دام معها محرم، ولا يلامس جسمها لمعاونتها فى شىء أو ركوب أو نزول إلا إذا كان محرماً لها، وإذا دعت الضرورة أن يتكلم معها يجب أن يجعلها خلفه على يمينه أو يساره إذا كان واقفاً وإن كان جالساً أن يجلسها إن استطاع فى الجهة التى لا تكون مواجهة له ، بل يجعل محل  نظره الجهة التى لا يراها فيها وإن دعت الضرورة أن يواجهها بوجهه فعليه أن يغض بصره أو يطأطىء رأسه أو يلفت عنقه ، فإن عمله هذا مرضاة لله محمدة عند الناس موجباً لمحبة الخلق وثقتهم ، وموجباً لكمال حياء المرأة ، فإن الأصل فى المرأة الحياء ، وإنما يقوى عندها إذا تجمل الرجل به أمامها ، ولا يجوز لك يا أخى أن تختلى بامرأه أجنبيه منك مهما وثقت من نفسك ، فإنك أعلم بنفسك من غيرك ، فإذا كنت واثقاً من نفسك أن خلوتك بها لا تشغل قلبك ولا تنقض وضوءك لما تراقبه من الخوف من الله ومن عقوبته سبحانه ..فهل تثق أن المرأه بلغت ذلك ؟ فإن لم تخف على نفسك يا أخى فخف عليها أن توقعها فى المعاصى .
  7. ومن اداب المجالسة أن يجلس الصبيان وراء الظهور وأن يترك الرجل البسط مع الصبيان مطلقاً إلا مع ابنه أو ابن أخيه أو من له به نسب من سن السنه الخامسة حفظاً لاداب الصبى وبعداً عن الشبه .
  8.  ومن اداب المجالسه أن يجتهد المسلم فى حفظ لسانه مما يخجل من ذكر العوارات ، وإذا كان لابد من ذكر شىء من العورات فليعبر عنه بكناية أو إشاره .
  1. ومن الآداب التى يراعيها المسلم أن لا يطمع فيما فى يد أخيه ويجتهد أن لا يخسره شيئاً من ماله ، والأولى أن يكون متفضلاً مسارعا إلى فعل الخير مساعداً أخاه بماله

ونفسه ، فإن ذلك من أخلاق المؤمنين الذين يمنحهم الله فضله ورحمته ورضوانه .

 

  1. ومن آداب المجالسة أن الجليس يفسح لأخيه عند احتياجه لذلك قبل أن يلتمس أخوه منه ، كما أن الجالس ينزل القادم منزلته من التكرة خصوصاً إذا كان ذا شيبة أو عالماً أو صاحب المنزل أو ذا سلطان ، فيتنحى له عن المجلس المناسب له مع غض البصر وعدم إظهار التفضل عليه .
  1. كما أن من آداب المجالسة أن لا يجلس على محل تكرمة الرجل فى منزله إلا بعدإذنه له، ولا ينصرف من المجلس حتى يستأذن، لأن تلك الآداب تقوى روابط المحبة وبها نيل رضاء الله تعالى ورسوله والمؤمنين. وعلى المجالس توقى الغضب ولو حصل له ما يغضب، فإنه ربما غضب بما يغضب فأدى غضبه إلى ما لايرضى الله ورسوله، وليدفع بالتى هى أحسن، وعلى الجالسين أن يجتهد كل واحد منهم فى أن يدخل السرور على قلوب جميع جلسائه، وليكن أصغر الناس فى المجلس أعظمهم ما دام على الحق، وأعظمهم أضغرهم إن وقع فى باطل مع كمال آدابهم. ومن مدح منهم فى المجلس شكر الله تعالى الذى أظهر الجميل وستر القبيح، وإذا ذم رجل رجلاً فالأولى أن يقل: اللهم إن كان صادقاً فاغفر لى وإن كان كاذباً فاغفر له تشبهاً بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ، فإن أساس المجالسة التسامح وأن الرجل المتسامح الكرم الأخلاق إن سمع كلمة من مجالس يكدره أو رأى عملاً يكيده حمله من أخيه على أجمل محامله ليدوم بذلك الصفاء. ومعلوم أن أكثر الخصومات والمنازعات قد تنتج من كلمة يقولها الجليس لجليسه بسلامة نيه فيردها عليه بحماقة ويتأولها شر تأويل فتوقد نار البغضاء، ومعظم النار من مستصغر الشرر، فقد يقول الأخ الكلمة الثقيلة على أذن أخيه لا يقصد بها إلا خيراً ولو حمل الأخ كلمة أخيه على أجمل المحامل لدام الصفاء والوفاء ولكان المسلمون كالجسد الواحد كما شبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وإن اللسان شر أبواب جهنم وخير أبواب الجنة، يقول صلى الله عليه وسلم. (وهل يكب الناس على مناخرهم فى النار إلا حصائد ألسنتهم) [32]  وقال الله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله مايشاء) [33].
  1. وللمجالسة آداب تتفاوت بحسب مراتب الجالسين، ومجملها أنك إذا جلست مع العالم فامسك لسانك واصغ، وإذا جلست مع الولى فأمسك قلبك لترد عليك واردات الحق، وإذا جمع الله الولاية والعلم فى رجل فأمسك قلبك ولسانك، وإذا جلست مع ذى سلطان فجمل له ظاهرك وأكتم سره ولن له الكلام فى النصيحة وغض بصرك عن حرمه، وإذا جالست العامة فتجنب المزح والمنافسة فى شىء يسارعون إليه، واستخدمهم بما يشرح يصدورهم منك إن استطعت، وإذا جلست مع من ليسوا على مذهبك فسلم لهم مذهبهم ولا تعارضهم بمذهبك فإن مذهباً لا يعارض مذهباً، وإذا سئلت فأجب على قدر السؤال.

قال بعض الحكماء: كل إنسان مع شكله كما أن كل طير مع جنسه، والناس كالشجر: منهم من له ظل فى ثمر، وهذا الذى فيه نفع الدنيا ولا ثمر له فى العقبى ويحتاج إليه فى وقت، ومنهم من فيه ثمر وليس له ظل، وهذا يصلح للآخرة ولا يصلح للدنيا، ومنهم من فيه ظل وثمر، فهذا الذى يصلح للدين والدنيا وهو أعزها، ومنهم من لا ظل له ولا ثمر، وهذا هو الذى لا يحتاج إليه فمثله فى الشجر مثل شجر الغضا وهو شوك البرية التى تسميه العامة أم غيلان الذى يمزق الثياب لا طعام فيه ولا شراب فهو فى الناس يضر ولا ينفع ومثله كما قال الله تعالى: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) [34]. وقال الإمام الشافعى رضى الله عنه ليونس بن عبد الأعلى: والله ما أقول لك إلا نصحاً أنه ليس من  إلى السلامة من الناس سبيل فانظر ما يصلحك فافعله، وقال الثورى رضى الله عنه: رضاء الناس غاية لا تدرك فأحمق الناس من طلب من لا يدرك نسأل الله العفو والعافية.

المجالس التى أبتدعها الناس:

وقد ابتدع الناس مجالس يقتلون فيها أوقاتهم ويسودون فيها صحفهم: أما أنهم يقتلون فيها أوقاتهم، فإنها ليست لعمل فى الدين ولا فى الدنيا، وكفى الإنسان العاقل المطالب فى كل نفس بواجبه أن يأتى يوم القيامة وقد ترك القيام بواجب أوقاته.. وأما كون تلك المجالس تسود الصحف فلأنهم يجلسون فيها إما لشرب المحرم أو التعاون على الإثم والعدوان أو لكشف عورات الناس أو للفخر والرياء، وقد عظمت البلية حتى كثرت تلك  الأماكن المعدة لتلك المجالس وصارت مفسدة للأخلاق، فإن شياطين الإنس جعلوا لها أماكن فى المواضع العامة وأعدوا فيها كل منكر من طعام وشراب ونساء متبرجات وغلمان، كل ذلك مصائد لإلقاء المسلمين فى مهاوى غضب الله تعالى حتى صار سخيف العقل يخرج من بيته الطلق الهواء، الجميل الفرش والرياش، وهو فيه آمر مطاع، فإذا سئل إلى أين؟ يقول: استنشق الهواء، فيذهب إلى بؤرة فساد فى وسط شارع تنبعث منه روائح القاذروات وأنفاس المارة وتعلو به الضوضاء بأصوات السوقة، فيجلس وعلى يمينه مواقف السيارات وعلى يساره روث الحيوانات، فيستنشق هواء ممزوجاً بأخبث الروائح بين قوم يكون معهم محتقراً منتقداً، فيخسر ماله ودينه وجاهه و يشرب فى أقداح تنفس فيها المرضى بالأمراض القتالة، وربما جلس بجواره مريض بمرض يجب شرعاً الإحتراز منه فيجلس المسلم بهذا الحال فى هذه المجالس فيسمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء ينادى لها المؤذن وكأنه أصم لا يسمع وبهيم لا يعقل. وعندى أن المساجد الآن أنقى هواء من الملاهى وأدعى لانشراح الصدر ولترويح النفس فإن المسلم إذا توجه إلى المسجد يستنشق هواء جيداً نقياً، لأن المساجد غالباً تكون فى الأماكن البعيجة عن القاذروات وتكون كثيرة النوافذ، ويجد فيها المسلم من يجالسه فيها ديناً وخلقاً وأدباً، ويجد فيها من يثنى عليه، ويحبه لقيامه بما فرض الله عليه ويتعرف فيه بإخوان الصدق الذين يكونون جمالاً له فى غناه ومالاً له فى فقره، يسألون عنه إن غاب، ويثنون عليه ويسرون به إن حضر ويخلصون له. فا أيها الأخ التارك لقصرك الذى جمع أنواع مسراتك، التارك لبيت ربك الذى به نيل سعادتك فى الدنيا والآخرة المسارع إلى  الملاهى ما الذى اكتسبته من العلم أو الجاه أو الصحة؟ ومن هم الإخوان الذين تكتسبهم فى الملاهى؟ وهم إخوانك مادمت غنياً قادراً على مساعدتهم فإذا دعت الضرورة- لا يخلو إنسان من الضرورة- كانوا عليه لا له.

كل هذا فى الدنيا، وفى الآخرة عذاب شديد وخصومة بينك وبينهم وعداوة شديدة. إذا أردت يا أخى أن تؤاخى إخوان صفاء وخلان وفاء فاجتهد أن تصطفى لك إخواناً من المساجد ومن مجالس العلم النافع ومن أهل التقوى والصلاح وكل أخ غير هؤلاء فهو عليك لا لك،  وكل جليس لا تدعوك الضرورة إلى مجالسته غير هؤلاء فهو مرض ينبغى أن يفارقه الإنسان بحكمة حكيم خصوصاً شياطين الإنس الذين يعينون على معصية الله ومخالفة سنة  رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنهم ألد الأعداء وأسوأ الجلساء. وقد أمرنا الدين بالاجتماع وعين لنا مكان الإجتماع وزمانه لتدوم صحتنا وتجدد بهجتنا وتقوى أمتنا، والله أسأل أن يشرح صدرنا للعمل بالكتاب والسنة، ويصرفنا عن العمل لحظنا وهوانا.. إنه مجيب الدعاء آمين.

من المأثور عن آداب المجالسة:

جاء فى الأثر: (ثلاثة من المروءة فى الحضر تلاوة كتاب الله عز وجل، وعمارة مساجده، واتخاذ الإخوان فى الله تعالى) وكان سعيد بن العاص يقول لجليسى على ثلاثة إذا دنا رحبت به، وإذا حدث أقبلت عليه، وإذا جلس أوسعت له، وعن ابن عباس قيل له: من أحب الناس إليك؟ قال: جليسى. وكان يقول: ما اختلف رجل إلى مجلسى ثلاثاً من غير حاجة تكون له إلى فعلمت مكافأته من الدنيا.

ومن علم أن أعماله وأقواله وأحواله محصية عليه وأنه سيسأل عنها أمام الله عز وجل بخل بأنفاسه أن يصرفها إلا فى طاعة الله تعالى والمؤمن يظهر كمال إيمانه فى ثلاث مواطن فى البر والصلة بأقاربه وفى المسارعة إلى عمل ما أوجبه الله وفى حسن مجالسته ومعاشرته ومن لم يستطع أن يقهر نفسه لتتجمل بتلك الآداب فأولى له أن يخدم الدواب سنين حتى يكتسب منها الصبر والتواضع والطاعة ودفع المضرة وجلب المنفعة والله يوفقنا لخير العمل وعمل الخير وجميل الآداب.

4- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لى وأنا أجزى به  يدع شهوته وطعامه من أجلى للصائم فرحتان فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)[35].

وفى رواية: (الصيام جنة فإذا يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن شاتمه أحد أو قاتله فليقل إنى صائم) [36]. وقال صلى الله عليه وسلم: ( إن فى الجنة باباً يقال له الريان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلا يدخل منه أحد) [37].

وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فطر صائماً كان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئاً) [38]. وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وسلست الشياطين) [39]. وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا- ورواية فأكملوا- العدة ثلاثين) [40].

وعن حفصة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) [41]

فرض الله على المسلمين صيام شهر رمضان ليتم نعمته سبحانه على خير أمة أخرجت للناس، فنوع سبحانه وتعالى العبادات ليشهد المسلمين المشاهد العلية وليقيمهم سبحانه وتعالى فى مقامات ملائكته المقربين الحافين حول العرش، فيجمع لنا بين الصلاة الجامعة للركوع والسجود والتسبيح والتحميد ومناجاته سبحانه بكلامه وبين الصيام الذى نكون به سائحين فى فسيح ملكوته العلى متشبهين بالأرواح النورانية المجردة الهائمة فى جلال الله.

و الصيام هو ترك ما أباحه الله تعالى للمسلم من شهوتى البطن والفرج الذى يقتضى  ترك ما أباحه الله تعالى لجميع الجوارح المجترحة مما لا تدعوا إليه ضرورة شرعية كالسعى على المعاش وقضاء ما لابد منه من الحوائج والشئون. والصائم فى الحقيقة هو من حفظ عينيه وأذنيه ويديه ورجليه وعقله وروحه بالعكوف على صرف أنفاسه فى رمضان فى العمل بمحاب الله ومراضيه حتى يقوى تشبهه بالملأ الأعلى فيمن الله تعالى عليه بأن يصغى سره إلى كلام الله من الله تعالى فإن الله سبحانه من علينا جماعة المسلمين بما من به على أنبيائه الأطهار فقال تعالى: (لتكونوا شهداء على الناس) [42] وقال سبحانه: (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو) [43] وقال سبحانه وتعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) [44] وكل تلك المقامات العالية موروثة من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقال تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) [45] ليتفضل عليه سبحانه بالكلام ففرض علينا شهر رمضان إحساناً منه إشارة إلى أن الله تعالى يتفضل علينا بقسط من وراثة كليمه عليه الصلاة والسلام. والصيام عبادة جسمانية روحانية، ومتى صام المسلم بجوارحه وعقله وروحه فازبالوصال وتفجرت ينابيع الحكمة فى قلبه وتجرد من دواعى الإبليسية ولوازم الحيوانية وصار أشبه بأهل الرفيق الأعلى.

وليس من ترك الأكل والشرب والنكاح بياض النهار وأفطر ببقية الجوارح بصائم0 ، بل الصائم من حفظ عينيه مما يكره الله فنظر بها معتبراً، وحفظ لسانه عن اللغو وسكت عن الكلام مفكراً أو ينطق ذاكراً، وحفظ بقية الجوارح وقلل النوم نهاراً حتى يعمر أوقات بالشعور بآلام الصيام وبالعمل النافع لأهله وإخوانه وبالقربات من مؤساة الفقراء ومساعدة أهل الحاجة والصلح والإصلاح. لأن خير القربات عند الله تعالى بذل الفضل من المال والعلم والجاه فى رمضان.

ومن آداب الصيام أن يشكر الصائم ربه على أن أعانه على هذا العمل، وأن يرى نعمة الله عليه من أعظم النعم، وأن يحفظ صيامه من أن يغتر به أو ير نفسه متضرراً منه. وليحذر الصائم من الغضب وسوء الخلق، فإن الصيام يهذب الأخلاق ويجمل الصائم بأخلاق الله تعالى. ومن تعود الغضب والحماقة فى الصيام أو ترك المباح فى غير رمضان من أكل وشرب ونكاح وعمل ما حرمه الله عليه فى غير رمضان من الغيبة والنميمة والحسد وظلم العباد والربا والفخر وعقوق الوالدين وقطيعة الرحم والإفطار على الحرام والجلوس فى المجالس التى يكرهها الله تعالى، فقد ظلم نفسه وجاع من غير فائدة و سهر من غير أجر. و من ذاق حكمة الصيام يعلم أن الله تعالى أراد أن يرفعنا من طور الحيوانات إلى عالم الملكوت لنكون من أهل الحضور والشهود.

وقد اتفق الأئمة السابقون على تقسيم الصيام إلى ثلاثة مراتب هى: صوم العامة و صوم الخاصة وصوم خاصة الخاصة، والأول صوم البطن والفرج والثانى صوم الجوارح والثالث صوم القلب، و جاء الإمام رضى الله عنه وفصل هذا المجمل  القول من بصورة غير مسبوقة فى كتابه (صيام أهل المدينة المنورة) حيث وظف الأحاديث النبوية الشريفة الخاصة بالصيام لكل مرتبة على حدة حيث يقول تحت عنوان مراتب الصيام:

أولاً: صوم العامة

ترك الأكل والشرب وملامسة النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

ثانياً: صوم العلماء

ترك شهوتى البطن والفرج، مع حفظ الجوارح من الاستطالة، فإن الصوم إذا أطلق أريد منه الترك مطلقاً. ولكل عضو صيام بحسبه، فصيام اللسان ترك الكلام إلا فى ذكر الله أو ما لابد منه، وصيام الأذن ترك الإصغاء إلا إلى  العلم أو مالابد منه.. قال سبحانه: (إنى نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا) [46].

والعلماء يمتازون عن العامة بصيام كل جوارحهم، ولكن العامة يصومون بترك شهوتى البطن والفرج، وشتان بين الصيامين.

ثالثاً: صوم العارفين بالله

وصيام العارفين بالله عمارة الأنفاس فى اليقظة بمراقبة الله تعالى، وعمارتها فى النوم بسياحة الروح فى ملكوت الله الأعلى، لتقتبس لطائف العوارف من عالم الطهر والصفاء، وتعود إلى الهيكل الإنسانى بتحف الروحانين حملة العرش والحافين حوله، لأنهم تركوا لوازم الحيوانية نهاراً، فتشبهوا بالملائكة الكرام، وقاموا بين يدى مولاهم ركعاً سجداً يبتغون فضله ورضوانه، فتشبهوا بعالم الطهر من عليين وأعلى عليين، فإذا ناموا ليلاً سرت أرواحهم الطاهرة إلى فضاء هذا العالم لأنها مجانسة له. هذا مقام فوق العبارة، بل فوق الإشارة وقد ألمعت إلى غوامض هذا المقام فى كتاب (معارج المقربين) و (النور المبين) وكتاب (الإسلام دين الله) .

رابعاً: صوم المقربين

أما صيام المقربين ممن أخلصهم الله لذاته، فهو تنزيه سر الصائم عن خطور ما سوى الله عليه، لأنهم شغلوا بالمعروف عن المعرفة، وبالمعلوم عن العلم بعد تحصيل العلم والمعرفة، وأهل هذا المقام عمرهم كله رمضان، إلا أنهم فى هذا الشهر المبارك يتركون ما أباحه الله لهم نهاراً، قياماً بالفرض والسنة ورعاية لواجب الوقت، الذى لا يشغلهم عنه أعظم شأن من شئون المشاهدة، فإن القيام بفرائض الله تعالى فوق كل مقام، ومن ظن أن الشهود يسقط الفرائض التى فرضها الله وقام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أوقع نفسه فى مهاوى الهلكة، قال عليه الصلاة والسلام فى الحديث القدسى الطويل (وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى من أداء ما افترضته عليه) [47].

وأهل هذا المقام فى صيام طول عمرهم ولو أكلوا وشربوا فى غير رمضان نهاراً، لأنهم صاموا بست جوارح فى غير رمضان، وصاموا فى رمضان بثمانى جوارح، وغيرهم يصوم فى رمضان بجارحتين، وربما يفطر بالجوارح الباقية، فيكون صائماً عند نفسه فقط، وإن أسقط بعمله ما فرضه الله عليه، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، وأول ما يسأل عنه المسلم يوم القيامة (هل تعلمت أم لا؟ ) .

خامساً: صوم المحبوبين

وهؤلاء يعلمون أن رمضان شهر الله تعالى، ونسبة هذا الشهر إليه  سبحانه دليل على أنه يقرب من أوليائه فيؤنسهم فيه كما نسبت إليه الكعبة فسميت ببيت الله، فسارعوا إلى أن يعمروا الأنفاس بالحضور مع مولاهم، فحرصوا عليه كل الحرص، ونظروا إلى أمر الله فلا رمضان، فظر لهم أنه حرم عليهم المباح فى نهاره، ورغبهم فى إحياء ليله بالقيام، فظهرت لهم حكمة عناية الله بهذا الشهر من التشبه بالعالم الأعلى، عالم الأرواح النورانية المجردة من العناصر السفلية، عالم اللطائف الروحانية الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يأمرون، فساحوا بأرواحهم فى فسيح الملكوت حضوراً  أو استحضاراً وفكراً وتجردوا عن وجودهم بالباطل بالوجود الحق، وتخلقوا بأخلاق الله حلماً ورحمة ورأفة وعطفاً وكرماً وإحساناً وفضلاً، أحسنوا إلى من أساء إليهم ووصلوا من قطعهم، واستحضروا عظمة الله وجلاله، فانكسرت قلوبهم بين يديه، فكان سبحانه عندهم بما هو أهله من جمال وقرب وحب وولاية وعناية، أوحشهم أنسه عن كل أنس من سواه، وآنسهم بجماله ففروا ممن سواه وما سواه، وأقبلوا بكليتهم به سبحانه عليه، فكانوا كأنهم فى ضيافة الله على بسائط مؤانسته وموائد كرامته، أرواحهم سائحه فى ملكوته، وسرهم مشرف على قدس عزته وجبروته، فهم بين الناس بأجسامهم ومع الله بأرواحهم، اجتباهم لحضرته فأفردهم له، وواجههم به بجمال وجهه العلى، ففروا به إليه سبحانه، تلذذوا بما يتألم به أهل الجهالة وفرحوا بما يحزن منه أهل الغرور، تصعد أنفاسهم إلى الملكوت فتضىء عوالم عليين، يناجون الله تعالى بكلامه حتى كأنهم يسمعونه من سبحانه، ويضعون وجههم ليلاً على تراب الذل، تملقاً بين يدى مولاهم، أمنيتهم أن يكون الدهر كله رمضان، وحزنهم أن يمضى نفساً منهم فى غير الحضور مع الملك الديان، انكشفت لهم حقيقة الدنيا والآخرة، ففارقوا ما يزول بقلوبهم وزهدته أجسامهم، وسارعوا إلى ما يبقى طمعاً فى شهود الوجه العلى الكريم فى النعيم المقيم.

سادساً: صوم الصوفية

الصيام لغة الصمت، والصيام عند الصوفية صوله الروح على الجوارح، صولة تجعلها تجانسها مجانسة ما، فتجاهد فى سبيل الإتحاد بها من حيث ما تقتضيه الروح فى حقيقتها، وبكمال تلك الحقيقة تمنح الجوارح قبساً من الملكوت الأعلى تنال به الرفهة عند ردها إلى أسفل سافلين، وبتلك الرفعة تتلقى من ربها كلمات الإنابة الموصلة إلى المقام الذى أكرمها ربها به فى المرتبة الآدمية، إلا أن آدم أسكن فى مقام الزوجية النفسانية الجنة متمتعاً بنعيمها، وهذا الصائم يكرم بدخول جنة الرضا متنعماً بأسرارها لتجرده عن مقتضيات الجوارح المجترحه بترك ما ابيح له مما لابد منه، والإقامه فى محاب الله ومراضيه، فيكون صائماً بكل جوارحه مع وجود المقتضى لا فقده، وهو الجهاد الأكبر جهاد الحس والنفس والعقل والجسم، معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (الصيام جنة) [48]. وليس بصائم من ترك ما أبيح له ووقع فيما حرمه  عليه، وعلامة قبول الصيام تخلق الصائم بأخلاق الله أو على الأقل بأخلاق عالم الطهر الروحانى من عوالم الملكوت.

 

والصيام سياحة عظمى، قال تعالى: (السائحون) [49] بمعنى الصائمين، والصيام صبر على خرق العادة من طبعه، وهو الذى بشره الله بمعيته قال تعالى: (إن الله مع الصابرين) [50]، والصابرون معناها الصائمون. فجاهد نفسك فى الصيام أن تتخلق بتلك الأخلاق مهما ضحيت بكل غال ورخيص  فى سبيل ذلك، لتفوز بمعية الله لك. وبقدر نزوع النفس إلى ما يخالف تلك الآداب وقهرها عليها تكون رفعتك وقربك ونيلك وحظك، ولعلك فهمت إشاراتى وأنت فى فاتحة الشهر فاستعن بالله وقل لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

5- قال رضى الله عنه مبيناً لغوامض أسرار الحديث النبوى الشريف: (كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فإذا تهاون إخوانك فاشدد لئلا يدخل العدو من قبلك) [51].

إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان حراً مريداً، ومنحه سبحانه وتعالى العقل، وبين له سبيل نجاته وهاوية هلاكه، وأمره ونهاه، وقدر فى أزله سبحانه وتعالى لو قهرهم على توحيده وقدر عذاب بعضهم لكان ظلماً، ولو قهرهم على الكفر به سبحانه وقد نعمهم لخالف ذلك الحكمة والعدل.. وهو الحكم العدل ذو الفضل العظيم، قال سبحانه وتعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) [52].

فاختلاف الخلق هى لحمة عليه هى ظهور الفضل والعدل لذلك سلط سبحانه أهل الباطل على أهل الحق، وأمر جل جلاله أهل الحق بالتحفظ من أهل الباطل ومجاهدتهم ابتلاء منه سبحانه للفريقين حتى يتجلى فضله على عباده الذين وفقهم وأعانهم، وعدله فيمن خالف وأبى.

ولما كانت الحقائق التى ركب منها الإنسان لا تقتضى بذاتها الإقبال على الحق والإسراع إلى ما عنده لميولها إلى الفطر الحيوانية والمفاسد الإبليسية بطبيعتها، لذلك كان إقباله على الله وقبوله للهدى والنور بعناية من الله زائدة على حقيقته. وليس العجب أن ترى الإنسان مسارعاً إلى ما يوبقه فى نار جهنم ويلبسه الخزى والعار فى الدنيا من الشرك بالله ومخالفة وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم والتهاون بأحكام الله تعالى والتدنس بالرذائل الأخلاقيه من ضعف الهمة، حتى يبلغ منزلة الذل من خوف الذل، ودرجة الموت من خوف الموت، وحالة الفقر من خوف الفقر، فيعيش أضل من الحيوان وأخبث من الشيطان فرحاً بما ناله من لذة او جاه أو مال لعمى عيون بصيرته عن الخير الحقيقى الذى يناله أهل الهمم العلية فى الدنيا والفوز العظيم فى الآخرة. ولو فكر الإنسان لاستبان له الخير وطريقه فسار إليه، ويظهر له الشر ومدارجه فيتباعد عنه، ولو كان فى بعده عنه جوع بطنه وعرى جسده وآلام جوارحه، لأن بهجته باللذة الروحانية وأنس ضميره نصيره على المجاهدة فى سبيل الخير الحقيقى ينسيانه كل ألم وشدة.. كيف لا، وإن صاحب الدمل ليتلذذ بتمزيق جلده بالمشرط ويلتمس من الطبيب أن يستأصل الأجسام الغريبة من  جسمه مع فادح الألم لاعتقاده نيل الراحة والحياة الطيبة بعد تلك المجاهدات الشاقة.

ولما كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن يتلقى بآذان القلوب حتى تفقه من أسراره ما هى مؤهله له بقدرها، لزم أن نتلقاه بتسليم، ونستمد من روحانيته صلى الله عليه وسلم أنوار بيانه وفقهه، ويظهر والله أعلم أن الإسلام هنا مقول على حقائق كثيرة منها أحكامه، ومنها جماعة المسلمين، ومنها كل أرض تقل المسلمين، وأهل ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم خص صلى الله عليه وسلم المسلمين لأنهم مكلفون بأحكام الله تعالى، ثم خاطب كل فرد منهم ليبين صلى الله عليه وسلم أن الرجل الواحد من المسلمين هو كأمة عظيمة، وأنه ما خلق إنساناً وهداه الله للحق إلا وأقامه سبحانه وتعالى عاملاً مخلصاً ممثلاً لرسول من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.

فإذا فسرنا الإسلام بالأحكام.. كانت ثغوره: أولاً: حفظ كلام الله تعالى. ثانياً: تفسير آياته المقدسة، ثالثاً: الأحكام الشرعية، رابعاً: الجهاد فى سبيل الله، خامساً: تنفيذ الأحكام الشرعية، سادساً: الدعوة والإرشاد، سابعاً: الإمامة العظمى، ثامناً: الإمامة الخاصة فى المساجد والخطب فى الجمعة وغيرها، تاسعاً: التمسك بعلوم اليقين، عاشراً: الإقبال على الله فراراً مما يشغل عنه بالشوق والتنسك والزهد.

هذه هى الثغور، وعلى كل ثغر واحد أو جماعة من المسلمين يحافظون على هذه الثغر بالنفس والنفائس إبتغاء وجه الله الكريم ورغبة فى نيل رضوانه الأكبر فى جوار أولياء الله الأطهار.

وإن فسرنا الإسلام بالمجتمع الإسلامى: كانت ثغوره: رحمة الكبير الصغير، وتعظيم الصغير الكبير، أو حب كل مسلم لكل مسلم ما يحيه لنفسه، ومعاملة أهل ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم بما يعامل به نفسه، ونصرة الأخ ظالماً أو مظلوماً فيمنع عنه الظلم بالقوة ويمنعه عن الظلم بالنصيحة، وجلب الخير ودفع الضر ابتغاء مرضاة الله تعالى وإحياء لشعائر الإسلام، والنصيحة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولخاصة المسلمين وعامتهم وأهل ذمة الله ورسوله، وبذل المجهود فى اختراع ما به راحة المجتمع حتى تكون الأمة مهيبة آمنة، وجلب ما لابد منه وأكمل مما هو غير ميسور لدى الأمة راحة للمجتمع، وتصريف ما لا  حاجة إليه من محصولات الأمة لتنمو الخيرات ويحصل للأمة الغنى، والعمل بالإخلاص بعد الراحة من عناء الشغل بالضروريات لتوفير ما لابد منه، والمسارعة إلى فتح كنوز الأرض حتى تنتفع الأمة بما خزنة الله من الخيرات فى الأرض، وقيام رجال منحهم الله الرحمة والشفقة بتحصيل ما به حفظ الصحة على أهلها وإعادتها عند فقدها حتى تكون الأمة هى من أعظم القصود الدنيوية، وهناك ثغور أخرى تعلم ولا تجهل، وثغور أخرى تتلقى من أفواه أهل العلم بالله تعالى لآذان الراغبين فى نيل الكمال. وتلك الثغور يجب أن يكون كل ثغر منها واحد أو جماعة من المسلمين.

وإن فسرنا الإسلام بالبلاد الإسلامية: فهذا هو الأمر المهم الجامع المانع الذى به نيل السعادة والمجد والعزة فى الدنيا والآخرة. وثغوره لا تخفى على ذى بصيرة، وهى حسية ومعنوية.

فثغوره الحسية: فرضه أو أبوابه المقابله للأعداء وعواراته التى يتمكن الأعداء منه بسببها، وتلك الثغور الحسية فرض الله تعالى المرابطة عليها فرض كفاية متى قام بها البعض سقطت عن البقية وتتعين على كل مسلم إذا أهملت، وإذا فاجأ العدو أرض المسلمين تعينت المدافعة عنها، وتجب بتعيين الإمام الأعظم، وبإهمالها ضياع خير الدين والدنيا والآخرة.

أما خير الدين: فبالتهاون بأحكامه والعمل بغيره، وأما خير الدنيا: فلانتقال الفنون والصناعات والحرف والعمال والرياسات والتجارات لغير أفراد الأمة وهى موارد الثروة والترف، فتصبح الأمة وقد أفسدت الحاجة أخلاقها والذلة آدابها والمخاوف وائدها وتقليد المسلطين دينها، فتبوء الأمة بخسران الخيرات والآداب والأخلاق والثروة والعزة والحرية والإرادة بسبب إهمال فرد من أفرادها لثغرها الذى هو عليه إما لجهالته أو لشراهه وطمعه، فيضيع مجداً عظيماً وخيراً عاماًَ لمال يقتنيه أو لسيادة يبتغيها أو لأما كاذب يدعوه، ومثل هذا يبوء بالخزى والعار والشنار وسوء الأحدوثة فى الدنيا، والنار بعد موته ولا يعمل لهذا العمل أو يتمزق جسمه بالمقذوفات ولا يهمل فى ثغره.

تلك الثغور هى التى يجب أن توصد (تسد) فى وجه كل مناوىء وتحصن بأمنع الحصون وأقوى الرجال أهل التقوى والغيرة، ويجب أن يكون القائمون بها من العاملين بمقدار ما ينالونه من الشرف والمجد والرفعة فى الدنيا ومجاورة الأطهار فى مقعد صدق عند مليك مقتدر، فإنهم أمناء الله على خيرها الدنيوى والدينى والأخروى، بل وعلى حياتها السعيدة فى ظل الحرية والأمن والإرادة.

جعل صلى الله عليه وسلم كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام ليبين لكل فرد مقداره المعنوى فى تلك الدار الدنيل لتعظيم الهمم ولتكبر النفوس، وليعلم كل مسلم أنه قائم مقام رسول من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم، وأنه عامل من عمال الله، عملاً لا يقوم به المقربون من ملائكة الله، فيكون لكل مسلم عند الله تعالى مقام فوق ملائكة الله تعالى ، فيحصل لكل مسلم نشوة من تناول هذا الطهور المقدس تجعله مسارعاً إلى الخير بكله، نشيطاً شجاعاً كريماً متمثلاً مقدار منزلته عند الله تعالى بإقامته فى حفظ ثغور المسلمين، فكل مسلم مطالب أن يجعل له وقتاً يفكر فيه فى دوام حفظ  هذه الثغور فى إبداء فكرة أو إحداث مخترعات أو بذل أو تنبيه إلى ذلك حتى يكون من عمال الله تعالى فى أرض الله تعالى وممن جعلهم الله أبدال رسله.

أما الثغور المعنوية:

  1. فيقظة القلب لإقامة حدود الله.
  2. الغلظة فى دفع المظالم وكبح جماع الظالم.
  3. السهر فى مراقبة شئون المجتمع لئلا يدخل عدو عليهم فيفرق جامعتهم ويفسد آراءهم  ويحقر أمامهم فضائلهم.
  4. الجد ببذل ما فى الوسع فى رعاية أحوال المجتمع خوفاً ن مخادع يدس بين المسلمين فيفسد بين العامة والخاصة لفك عروة الإخاء وتعكير الصفاء.
  5. المسارعة إلى رعاية العدل بالإحسان إلى المحسنين والإساءة إلى المسيئين مع الإحتياط إلى قوم والعفو عن بعضهم.
  6. تقبيح كل عمل أو عادة أو هيئة ما لم يستحسنه الدين أو تؤدى إلى إسراف أو ضياع لفضائل الأمة وأخلاقها حتى يتنبه الغافل ويستيقظ النائم ، فإن معظم النار من مستصغر الشرر.
  7. تعضيد كل من قام بعمل خير أو بقول خير أو دل على خير مهما كانت منزلته فى الأمة لتنافس الأمة فى الفضائل ويقتدى بعضها ببعض فى الخيرات.
  8. تغذية الأبناء بلبان الشجاعة الدبية والآداب الشرعية والأخلاق المرضية، ومجازاتهم على الحسن من الأعمال بالمدح والثناء حتى سارعوا إليه، وتأدبيهم على القبيح منها بأسلوب الحكيم ببيان مضرته وسوء عاقبته حتى يكرهوه، فيشبون على أحسن الأحوال رحمة وعزة نفس ومسارعة إلى النافع وعملاً للخير لأنهم الأمة المستقبلة.

وهذه نماذج الثغور المعنوية العناية الكبرى بتربية النشء حتى يسروا سلفهم الصالح بحفظ آثارهم، ووالديهم بتيسير الخير لهم، وحفظ شرفهم والمجتمع أجمع بالقيام بحفظه وجلب الخير له ودفع الضر عنه، ورجال المستقبل بما يبقونه لهم من جميل الآثار وجليل الأعمال فيقتدون بهم وينافسونهم فى فضالهم، وإهمال تربية النشء بتسليمهم إلى من لا يحسن التربية علماً وعملاً وأدباً وأخلاقاً ومعاملة، أو إلى من يسره بقاؤهم فى الحضيض الأسفل خوفاً فى مزاحمته فيما أغتصبه منهم أو مساواته فيما امتاز به عنهم.. فقد سعى فى هلاك الأمة ومحو آثارها الجميلة ديناً ودنيا، وكيف يأمن الرجل على ابنه الذى هو حقيقته فى حياته وصورته بعد مماته وخليفته على أقاربه وذكره الخالد له فيسلمه بيده ليعلمه أعداء نعمته وحساد مجده والساعون فى سلب سيادته وعزه، ويعتقد بعد ذلك أن ينال خيراً.. اللهم رحماك بأمة باعت مجداً يدوم وخيراً يبقى بأبخس الأثمان،  ومن تساهل فأضاع يجب أن ينبه ليسارع إلى رد ما أضاع أو يفتح الباب لغيره، والله ولى المتقين.

 

[1]     القرطبى فى تفسيره 1/37

[2]     سورة النحل آية 44  

[3]     سورة النجم آية 3

[4]     سورة يوسف آية 53.

[5]     سورة الجن آية 14.

[6]    سورة النساء آية 115.

[7]        سورة النساء آية 115 .

[8]         ابن ماجة فى المقدمة والمنذرى والطبرانى .

[9]        ابن عدى والبيهقى فى المدخل والشعب والغزالى فى الإحياء.

[10]     الطبرانى فى الكبير ، والسيوطى فى الجامع الصغير .

[11]       أبو نعيم فى حلية الأولياء ، وابن أبى الدنيا فى اليقين .

[12]       ابن أبى شيبة فى مسنده والخطيب البغدادى فى تاريخه والسيوطى فى الفتح الكبير .

[13]      ابن حبان فى صحيحه بلفظ : ( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص  العمل لله تعالى ، ومناصحة ولاة الأمور ، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم )

[14]      البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى والدارمى ومالك فى الموطأ.

[15]        سورة الزخرف آية 86.

[16]         سورةالنساء آية 43.

[17]          سورة الأنعم آية 148.

[18]         سورة الروم آية 29.

[19]           سورة الجاثية آية 45.

[20]          سورة الجاثية آية 19.

[21]          سورة هود آية 14.

[22]          سورة النحل آية 43.

[23]       يؤيد ذلك الحديث الشريف الذى رواه أبو داود فى مسنده : ( ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من      قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية ).

[24]         سورة المائدة آية 33.

[25]         سورة  المائدة آية 54. 

[26]       البخارى ومسلم والترمذى .  

[27]       أحمد فى مسنده والحاكم فى المستدرك بلفظ: ( كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببى ونسبى)

[28]       أبو بكر بن لال فى مكارم الأخلاق ، وابن المبارك فى الزهد ، والحاكم وصححه : ( إنكم تجلسون بينكم بالأمانة ) وذكره الغزالى فى الإحياء .

[29]       سورة الحجرات آية 11.

[30]         الترمذى وابن ماجة والحاكم وأبو داود .

[31]        أبو داود والترمذى بلفظ : ( المجالس بالأمانات).

[32]        رواه الترمذى بلفظ: (وهل يكب الناس على وجوههم فى النار إلا حصائد ألسنتهم )

[33]       سورة إبراهيم آية 24-27.

[34]        سورة الحج آية 13.

[35]      البخارى ومسلم والترمذى وابن خزيمة والحافظ الدمياطى فى المتجر الرابح.

[36]      البخارى ومسلم.

[37]       البخارى ومسلم وابن خزيمة والحافظ الدمياطى فى المتجر الرابح .

[38]       الترمذى وابن ماجة وابن حبان  وابن خزيمة والحافظ الدمياطى .

[39]      مسلم والحافظ المياطى فى المتجر الرابح .

[40]         أخرجه الستة إلا الترمذى .

[41]            أخرجه الإمام أحمد والسيوطى فى الجامع الصغير .

[42]           سورة البقرة آية 143 .

[43] سورة هود آية 14.

[44]           سورة الفتح آية 10.

[45]           سورة الأعراف آية 142.

[46]       سورة مريم آية 26,.

[47]      رواه البخارى .

[48]          البخارى ومسلم .

[49]         سورة التوبة آية 112.

[50]         سورة البقرة آية 153.

[51]         أبو داود وابن ماجة والدرامى ومالك فى الموطأ .

[52]       سورة هود آية 119.