لماذا الاحتفال بمولد السيدة آمنة بنت وهب سلام الله عليها
هناك سؤال قد يُطرح: لماذا الاحتفال بمولد السيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها وسلام الله عليها؟، ونختصر الإجابة على ذلك في عدة نقاط، فنقول بعون الله تعالى وتوفيقه:
أولا: الشكر لمن أسدى اللهُ لنا نعمةً على يديه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يشكرُ اللهَ مَن لا يشكرُ الناسَ) فإذا كان شكر الناس ممن أسدى الله لنا نعمة على يديهم واجبًا؛ فما بالنا بما يجب علينا من شكر النعمة العظمى سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومِن باب شكره ذكر محاسن أقرب الخلق إليه ونشر فضائلهم.
ثانيا: مودة أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فريضة على كل مسلم لقول الله تعالى: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) "الشورى:23"، ووالدَا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم اختارهما الله تعالى ليكونا سبَبًا لإفاضةِ ذلك الفضل الذي عم الآفاق، فلا يجوز للأمة أن تتجاهل موطنَ فضلٍ عيَّنَه اللهُ تعالى واختاره.
ثالثا: إدخال السرور على قلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك من أسباب الفلاح والنجاح حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( مَن فَرِحَ بِنَا فرِحْنَا بِه ).
رابعا: لمسة وفاءٍ وتقديرٍ لأهل البيت؛ في وقت تعرضوا فيه من البعض لسوء الأدب، والتهجم عليهم، ومحاولات انتقاص حقهم وطمس معالمهم.
خامسا: يعتبر الاحتفال بمولد السيدة آمنة سابقة للطريقة العزمية متمثلة فى شخص إمامها صاحب الذوق الرفيع والنفس الزكية السيد علاء الدين ماضى أبي العزائم.
نشأة السيدة آمنة بنت وهب عليها السلام
نسبها الشريف:
هي السيدة آمنة بنت وهب، أبوها: وهب بن مرة ينتهي إلى كعب بن لؤيّ، وأمها: يصل نسبها إلى قصيّ بن كلاب، فهى ابنة عم سيدنا عبد الله بن عبد المطلب والد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
من ألقابها:
كانت السيدة آمنة تسمى بزهرة قريش، ولقد نشأت فى الحرم المكيّ الشريف، وكانت لا تظهر كثيرا لاحتجابها عن الرجال، ولذلك فمن ألقابها: المصونة - الجوهرة المكنونة.
زواجها:
كان نضجها رضي الله عنها مبكرا؛ مما أدى إلى تقدم فتيان قريش لخطبتها، وقد شاء الله تعالى أن يزوجها لعبد الله بن عبد المطلب أفضل وأجمل فتى فى قريش، والذي من ألقابه: الأنور، لما كان يرى فى وجهه من نور النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك: الذبيح، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (أنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْن)، وقد تقدم عبدُ الله لخطبتها بعد فدائه من قصة الذبح المشهورة، وكان سنه آنذاك ثمانية عشرة سنة، وهى زهاء أربعة عشر.
وتوفي عبد الله وهى حامل بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، تقول السيدة آمنة: إن عبد الله لم يُفْتَدَ من الذبح عبثًا، لقد أمهله اللهُ حتى يودِعَني هذا الغلامَ الطيبَ الطاهر.
ولما توفي عبد الله رزقها اللهُ السكينةَ وربط على قلبها، وواساها وُجُودُ النبيِّ فى أحشائها حيث كانت تتوالى عليها البشائر بميلاد النبي العدنان، ومما قالته السيدة آمنة لما حملت بسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كنتُ أرى نورا يخرج من بصري فيضيء لي قصور الشام، وكنت أسمع هاتفا ولم أره يقول: يا آمنة؛ أتدرين بمَنْ حملتِ؟ لقد حملتِ بسيد الأولين والآخرين، وقال لها الهاتف عند الوضع: أعذيه بالواحد من شر كل حاسد؛ وسمِّيه محمدا.
وقد فُصِّلت قصة الحمل والوضع كما هو معروف فى كتب السيرة بالتواتر عن الأئمة الأخيار كما جاء ذلك في "الخصائص الكبرى للسيوطي" و"الشفاء للقاضي عياض" و"المواهب اللدنية للقسطلاني" و"تاريخ الإسلام للذهبي" و"بشائر الأخيار فى مولد المختار للإمام أبي العزائم؛ وأيضا كتابه: النجاة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم"، وغيرهم.
والدا النبيّ من أهل الفترة الناجين:
والدا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الفترة الناجين، وقد قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) "الإسراء:15"، وقال تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) "الشعراء:219"، قال ابن عباس رضى الله عنهما: تنقَّل نورُ النبيّ من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام النقية، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) "التوبة:28" فوجب ألا يكون أحد من أجداده نجَسا، أخرج مسلم عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (إن اللهَ اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بنى هاشم، فأنا خيارٌ من خيارٍ من خيارٍ، ما اجتمع أبوايَ على سفاح قط) وأخرج الترمذي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا خيرُكم بيتًا ونسبًا).
قال الله تعالى في صنف من الناس كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ) "التوبة:84"، وقد ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم زار قبر أمه فى حديث رواه مسلم حيث قال صلى الله عليه وآله وسلم: (سألتُ ربي أن أزورَ أمي فأذن لي، وسألتُه أن أستغفر لها فلم يأذن لي) وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف عند رواة الحديث؛ فهو كذلك يتعارض مع النهي عن الزيارة أو الإقامة، فإن الزيارة تشمل الإقامة والاستغفار والدعاء للأموات، ومعلوم أن والدة النبيّ السيدة آمنة آمَنَتْ به بطريق البشارة وهو فى بطنها؛ وبعد وضعه الشريف.
ولما كانت الفترة التى بين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبين السيد المسيح عليه السلام 600سنة وكذلك بينه وبين سيدنا إبراهيم عليه السلام ثلاثة آلاف سنة فإن قريشا لم تعرف الأنبياء حيث قالوا فى شأن الرسول والرسالة: (مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) "المؤمنون:24"، وقد أخرج الطبراني فى الأوسط والبيهقي فى الدلائل عن عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى آله: (قال لي جبريل: قلبتُ مشارقَ الأرضِ ومغاربَها فلم أجد رجلا أفضل من محمد، ولم أجد بني أبٍ أفضل من بني هاشم).
كرامة للسيدة آمنة رضي الله عنها:
جاء فى السيرة أن السيدة آمنة نظرت فى وجه النبيّ وكان عنده أربع سنوات لما عادت به حليمة السعدية من بنى سعد فكان مما قالت السيدة آمنة:
بارك فيك الله من غلام
يا ابن الذى من حرمة الحمام
نجا بعون الملك المنعام
فُودِى غداة بضرب السهام
بمائة من إبل سوام
أن صح ما أبصرت فى المنام
فأنت مبعوث للأنــام
من عند ذ الجلال والإكرام
تبعث في الحل والإحرام
تبعث بالتحقيق والإسلام
دين أبيك البَرّ إبراهـام
فالله نهاك عن الأصنام
أن لا توليها مع الأقوام
ذكر ابن الجوزي من حديث الإمام عليّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: (هبط جبريل عليّ فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول: إني حرمتُ النارَ على صُلْبٍ أنزلَك، وبطنٍ حملَك، وحِجرٍ كفلَك) فالسيدة آمنة هي كنز الجوهرة المصونة كما أشار الإمام أبو العزائم عند زيارة روضتها فى قصيدة يقول في مطلعها:
يا كنزَ جوهرةِ الرضوانِ والفضلِ
وشمسَ قدسٍ أضاءت ظلمةَ الجهلِ
إلى قوله:
أمُّ الحبيبِ المُرَجَّى كنزُ دُرَّتِــه
وهي النجاةُ لنا من فادحِ الهَـوْلِ
سلام على السيدة آمنة فى الأولين والآخرين، ورحمته وبركاته فى كل وقت وحين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
جمال أمين
|