الصبر والمصابرة في تفسير الإمام المجدِّد أبي العزائم
في تفسير الإمام المجدد السيد محمد ماضي أبي العزائم رضي الله عنه يولي اهتمامه للمعاني التربوية التي ينتظم بها حال المجتمع الإسلامي، ومن ذلك ما ورد في معنى قول الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون ) "الأنعام:200"،حيث يبين معنى الصبر والمصابرة والفرق بينهما:
افتتح الله هذه الآية الكريمة بقوله سبحانه: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ... )، والنداء يفيد قرب المؤمن من الله تعالى حتى أنـزله منـزلة السامع لخطابه سبحانه، القريب منه على بساط مؤانسته.
من معاني الصبر وأنواعه:
الصبر هو حبس النفس عن الجزع - الذي هو نقيض الصبر -، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش، وقال ذو النون المصرى: التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البليات، وإظهار الغنى مع طول الفقر بساحات المعيشة، وعَرّف أهلُ الهمم العالية الصبرَ بأنه: إلزام النفس الهجوم على المكاره فى طاعة الله.
فالواجب علينا الصبر على عبادة الله، وعلى تحصيل ما لابد لنا منه فى العلوم النافعة، قبلت النفس أم أبت، وأهم ما تحب المسارعة إليه تحصيل العلم النافع، وإن لزم ذلك هجر الأوطان، ومفارقة الخلان، وتحمل مضض الجوع والعرى والعطش والغربة.
ثم الصبر على أن يقهر المؤمن نفسه وحظه وهواه لتثبت مع الله تعالى عاملة بمحابه ومراضيه، وتنقاد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاملة بسنته، ولو بلغ من الشهود مبلغا تحقق به أنه محبوب الله، وأنه من أهل رضوانه.
لماذا جعل الله أجر الصابرين بغير حساب؟:
يقول الله تعالى: ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) "الزمر:10"، فأجرالصابرين بغير حساب لأن الله جمَّلهم بصفة من صفاته، فهو سبحانه وتعالى الصبور، فيمنحهم العطايا بقدره هو لا بقدرهم، وكفى الصابر شرفاً أن الله معه، قال سبحانه: ( إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) "الأنفال:46"، ومتى جاهد المسلم نفسه حتى تجمل بالصبر على حقيقته؛ سهلت عليه المصابرة، ومتى تعاصت عليه نفسه أن تصبر على نيل الخير الحقيقي لها؛ كيف تلين له أن تصابر غيره؟!.
لماذا أمرنا الله تعالى بالصبر؟:
أمرنا الله تعالى بالصبر فى أحوالنا الشخصية، حتى نملِك أنفسَنا مِلكا يجعلنا نسلم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسليما، فنكون مع النبيين والصديقين والشهداء، قال الله تعالى مخبراً عن كليمه عليه الصلاة والسلام: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي) "المائدة:25" ولا صبر لمن مَلَكَتْهُ نفسُهُ، والصابر حقا من كان الله ورسوله ومرادهما أحب إليه مما سواهما، ولو كان فى ذلك ما كان من فادح البلايا، وعظيم الشدائد.
وقد أمرنا الله تعالى بالصبر - وهو الفاعل المختار لا يبدل القول لديه ولا الحكم الصادر منه - ليبين لنا سبحانه ما تفضل به علينا من الوجود والحرية المطلقة، وينسب لنا القيام بما به أحسن إلينا، فهو فضل من الله على فضل منه، ونعمة متوالية على نعمة سابقة.
الصبر لا يتحقق إلا بالعلم:
ولا يتحقق الصبر إلا بالعلم، حتى يستبين للمسلم شر الخيرين وخير الشرين، وشر الشرين وخير الخيرين ولو لم يلائم نفسه، ومن قال إنى صابر من غير انكشاف الحقيقة له فهو متملق أو منافق:
فقد يصبر الجاهل على ما يغضب الله ويغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى المواطن التى يجب عليه أن يكون صبره الحقيقيّ بذل النفس والنفائس والهجوم على العظائم.
وقد يدَّعِى المدَّعِى أنه مُدَارٍ، وإنما المُداراة تقتضى حسن النية، والطمع فى نيل مَن تداريه خيرا دينيا، وليست المدارة مستحسنة لعدو من أعداء الله مظاهر بالعداوة، عامل على إطفاء نور الله، ومحو سنن رسول الله، أو مبتدع مخدوع مُمَدٍّ للفتنة كما قال تعالى: ( كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) "الإسراء:20" فيتبعه على غير بصيرة مخالفا لصريح حكم الله، كل ذلك ليس صبراً عند الله تعالى وعند رسوله وعند العلماء، وإنما هو بلاء، وبُعد عن الله تعالى، وتخلق بأخلاق أهل النفاق، كما يصبر اللصوص وأهل الفجور على متاعب السجون وآلام الضرب وتعرض النفس للقتل، هذا صبر؛ ولكن عن الله تعالى، وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وهناك نوع آخر وهو الرضا عن الله تعالى فيما قدر، وهو حال أهل اليقين، وصفات أهل العزائم الذين يحبون الله تعالى ويحبون ما يحبه، وإنما يقدِّر اللهُ للعبد الخير الذى هو خير فى الحقيقة ونفس الأمر، وإن كان ظاهره بلاء وشدة فإن عاقبته سعادة ومسرات دائمة، والأمور بعواقبها، قال تعالى: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ) "آل عمران:124".
الفرق بين الصبر والمصابرة:
الصبر هو خير خاص بالصابر ولذلك يمكن تدارك الخطأ فيه، أما المصابرة فإنها تكون مع الغير، ولذلك فإنه يصعب تدارك الخطأ فيها لأنه شر عام بخلاف الخطأ فى الصبر، فقد يترك المسلم المصابرة مع الغير فيهلِك، ويُهلِك غيره بحسب مكانته فى المجتمع.
كيفية المصابرة مع الغير:
الحقيقة الإِنسانية التى خلقها الله تعالى مضطرة إلى المبادلة، والمقتضية للمعاملة؛ والمفاوضة، والمنازعة، فقول الله تعالى: (وَصَابِرُوا) أي: صابروا غيركم،
والغير أنواع:
1- المصابرة المنزلية والمجتمعية:
مَن معك فى المنـزل من والدَيْن وأقارب وأهل وأولاد، أو معك مِن إخوتك المؤمنين فى القرية أو المدينة، أو مَن معك مِن أهل ذمة الله ورسوله فى محلتك، أو المجتمع الإِسلامى، هؤلاء لهم مصابرة خاصة بيَّنها اللهُ تعالى فى كتابه العزيز بيانا شافيا للعامة والخاصة فى قوله تعالى:) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا... ) "الإسراء:23"، فالقيام بأمر الله تعالى في ذلك مصابرة.
وفي قول الله تعالى: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ) "الإسراء:26" فالائتمار بأمر الله في ذلك والانتهاء عن نهيه مصابرة.
وفي قوله تعالى: ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ) "الإسراء:29" ففي ذلك مصابرة.
وفي قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ... ) "الإسراء:31" فيه مصابرة.
وفي قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ... ) "الإسراء:32" ذلك مصابرة.
وفي قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ ... ) "الإسراء:33" فالانتهاء عن ذلك مصابرة.
وفي قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) "الإسراء:34" تلك مصابرة.
وفي قول الله تعالى: ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ... ) "الإسراء:35" فطاعة الله تعالى في كل ذلك من أنواع المصابرة.
وفي قوله تعالى: ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ) "الإسراء:36-37" فالتأدب بآداب الله سبحانه في ذلك من أنواع المصابرة.
2- المصابرة مع مَن عاديتَه من إخوتك:
أما مصابرة الأعداء فتختلف باختلاف نوع العدو، فإن كان العدو الذى عاديتَه لنفسك من إخوتك، فيجب أن تتأدب بآداب الله تعالى فى قوله: ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) "الكهف:28".
وإن كنتَ عاديتَه فى الله تعالى لبدعة، أو لإظهار شرٍّ وفسوق، فتأدب بآداب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فى قوله: ( آلدِّينُ آلنَّصِيحَةُ ) والحديث مشهور.
وإن كان بغضك للقوم لما تناله منهم من العناء والتعب فى إصلاحهم، فتدبر فى قوله تعالى: ( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) "الحشر:9".
3- المصابرة مع أعداء الله ورسوله:
أما المصابرة مع أعداء الله وأعداء رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقد بيَّنها اللهُ تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم بيانا لا يحتاج إلى تأويل وتفسير، قال تعالى: ( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) "هود:113"
وقال سبحانه: ( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ) "آل عمران:28"
وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ) "الممتحنة:1"
وقال سبحانه: ( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) "المائدة:52".
ومصابرة هؤلاء يجب أن تراعى فيها الحكمة التى لا تخرج المسلم عن الإِسلام، ولا توقعه فى الحرج المضر بالأمة، والواجب على المسلمين فى وقت المصابرة أن يكونوا يداً واحدة على مَن صابروه مِن أميرهم لحقيرهم، خوفا من أن تفتح التفرقة بابا يدخل منه العدو على جماعتهم، وكل مسلم تُسلب الرحمة من قلبه ويعادى إخوته الذين هم أعضاؤه؛ مخطىء وإن أصاب؛ ومسىء وإن أحسن؛ ومضر وإن نفع.
ومتى صابر المسلمون أعداء الله تعالى منحهم الله جميعا الخير، إما بالشهادة والسعادة فى الآخرة، وإما بالتمكين فى الأرض بالحق، والعلو فيها به سبحانه، والأجر العظيم يوم القيامة.
وختاما؛ فإننا مَدعُوُّون للعمل بتلك المعاني لنكون صورا للقدوة الحسنة، فأهل الطريق هم أولى الناس بالعمل بطاعة الله تعالى بقدر الاستطاعة، واجتناب نهيه، مع التوكل عليه سبحانه، وحمل أمانة الدعوة إلى الله تعالى بالعمل قبل القول تحقيقا لقوله تعالى: ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ) "يوسف:108"،
ومع انتظامنا في صحبة خليفة الإمام المجدِّد على نهج المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم تعود للأمة صور أهل الطريق الذين وصفهم الإمام المجدد أبو العزائم بقوله: "أهل الطريق: كانوا أئمة للأمراء، وسادة للخلفاء، لأنهم خافوا الله؛ فأخاف منهم كل شيء، وأقبلوا على الله؛ فأقبل بقلوب الخلق عليهم، وجمَّلوا سرائرَهم لله؛ فجمَّل علانيتهم لعباده".
نسأل الله تعالى بفضله خيري الدنيا والآخرة، والصلاة والسلام على الصراط المستقيم بين الحق والخلق، والحصن الحصين لكل موجود، والرحمة العظمى لجميع العالم، وآله وسلم.
قنديل عبد الهادي
|