كلمة السيد محمد علاء الدين ماضى أبو العزائم فى مؤتمر رسالة الاسلام لأمريكا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين.. والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله الطيبين الطاهرين.. وبعد:
السادة الحضور الكرام:
إن الإسلام دين عالمى، ودعوته جاءت شاملة من ناحية المكان، أى: أنها لكل الناس فى أى بقعة من بقاع الأرض، وشاملة من ناحية الزمان، أى: أنها لأجيال البشرية منذ مطلع الإسلام إلى يوم الدين، ولكى تتحقق هذه العالمية فلابد أن يحافظ الإسلام على أمن واستقرار المجتمعات الإنسانية، واستغلال أى فرصة لوقف العداء مع الآخر، كما حدث فى صلح الحديبية فى العام الهجرى السادس، والذى يقضى بهدنة بين المسلمين وقريش مدتها عشر سنوات، فكانت فرصة عظيمة للتفرغ للدعوة، وخلال عامين دخل فى دين الله تعالى أضعاف من دخل طوال التسعة عشر عامًا السابقة من عمر البعثة المحمدية.
انتشر الإسلام بالحوار والحجة لا العنف والتوتر، ومن مفهوم الإسلام للعلاقات بين البشر، ذلك المفهوم الذى يعترف دائمًا بالآخر، بل ويؤمن بما يؤمن به الآخر، فليس للإسلام مشكلة مع أتباع موسى عليه السلام لأنه يؤمن بسيدنا موسى والتوراة، وليس للإسلام إشكال مع أتباع المسيح عليه السلام لأنه يؤمن بالسيد المسيح وبالإنجيل، بل وحدد الإسلام للانفتاح والعالمية شروطًا.. منها:
أولاً: أن يقوم الانفتاح والتواصل على الحوار لا على الإلغاء أو الاحتواء، وكذلك موضوعية الحوار الذى لا ينبغى أن ينطلق من أفكار مسبقة، أو من موقع استعلاء واستكبار، قال تعالى: )وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِى ضَلاَلٍ مُّبِينٍ( (سبأ: 24).
ثانيًا: اعتماد مبدأ الحرية فى الفكر والرأى، كما قال تعالى: )لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ( (البقرة: 256).
ثالثًا: روعة الأدب فى الحوار مع الآخرين، قال تعالى: )وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ( (العنكبوت: 46).
رابعًا: الحوار الإسلامى ليس فيه كذب ولا خداع ولا تلفيق، قال تعالى: )وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً( (الإسراء: 36).
خامسًا: تأكيد الإسلام لهوية كل شعب، حيث يتم الاعتراف بلغته التى تمثل أحد أهم أركان هويته.
سادسًا: احترام الثوابت العقدية وعدم التعرض لها بالاستخفاف والاستهزاء، قال تعالى: )وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ( (النساء: 140).
هذه الشروط والحدود التى وضعها الإسلام لعالميته وعلاقته بالآخر هى مقدمة طبيعية للدخول إلى موضوع المؤتمر الذى نحن بصدده وهو (رسالة الأمة الإسلامية لأمريكا) ردًّا على الخطاب التاريخى للرئيس الأمريكى باراك حسين أوباما، والذى نرى فيه الكثير من الإيجابيات والقليل من السلبيات، وقد آثرنا التركيز على تفعيل هذه الإيجابيات.
لقد احتوى الخطاب الذى اتصف بالحكمة والتوازن والشمول لمعظم القضايا التى تشغل بال المسلمين من أقصى الأرض إلى أقصاها، والذى حاول فيه الرئيس أوباما أن يضمد جراح أخطاء كثيرة اقترفت فى حق المسلمين، حين جنح سابقه إلى المبالغة فى العنف بدلاً من أن يمد يد السلام، بينما اختار أوباما أن يمدها بعقل راجح ونفس مطمئنة على ستة محاور:
وقبل الدخول فى هذه المحاور أود أن أسجل ملحوظة هامة وهى أننى عشت فترة من حياتى فى الولايات المتحدة الأمريكية، وتعاملت عن قرب مع الشعب الأمريكى فوجدته شعبًا طيبًا محبًّا للسلام، بينما بعض الحكومات الأمريكية هى التى وَلَّدَت العداء بين أمريكا والمسلمين، لذلك فإن ما طرحه الرئيس أوباما هو تعبير صادق عن طبيعة الشعب الأمريكى كما أعرفه، والآن إلى المحاور الستة التى بنى عليها الخطاب الأمريكى للمسلمين.
المحور الأول: الاحترام المتبادل والمصلحة المتبادلة بين أمريكا والإسلام، والعمل على ترسيخ مبادئ العدل والتقدم والتسامح وكرامة البشر أجمعين، وأن علينا حل مشاكلنا فى إطار المشاركة، وعلينا أن نتشارك فى التقدم.
المحور الثانى: أن الحضارة مدينة للإسلام، وأن الإسلام فيه صروح كالأزهر حملت شعلة العلم لعقود طويلة ممهدة الطريق لعصرى النهضة الأوروبية والتنوير (ونحن نتفق مع الرئيس أوباما فى المحورين الأوليين).
المحور الثالث: التوتر والعنف، وحدده فى العراق وأفغانستان، وبين الفلسطينيين والصهاينة، والسلاح النووى الإيرانى، وطالب الرئيس أوباما بمواجهة التشدد العنيف بكل أشكاله، ونحن نؤيده، ونطالبه بتعميم ذلك على جميع المضطهدين وخصوصًا الأقليات المسلمة وغير المسلمة فى العديد من دول العالم.
وطالب الرئيس أوباما بأن تكون القدس للأديان الثلاثة دون تفصيل لآليات القيادة فيها، واستشهد على ذلك بصلاة سيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد مشاركة فى بيت المقدس ليلة الإسراء، ونضيف لسيادته أن الإمامة كانت لسيدنا ومولانا محمد ، وهذه الإمامة تعنى أن الحكم على المدينة يكون للمسلمين، وهذا ما حدث طوال التاريخ الإسلامى إلا فترات قليلة، وقد نعم اليهود والنصارى بكل الأمن والسلام فى ظل القيادة الإسلامية للمدينة.
وطالب الرئيس أوباما بإخلاء العالم من الأسلحة النووية، ونحن نؤيده فى ذلك لأن أخلاق الإسلام فى الحروب تمنع استخدام هذا السلاح.
المحور الرابع: الديمقراطية، وقد أكد الرئيس أوباما على أنه لا تستطيع دولة ولا ينبغى لها أن تفرض نظامًا للحكم على دولة أخرى، وأن الشعوب هى التى تطبق الديمقراطية فى بلادها وفق مصلحتها، ونحن نؤيده فى ذلك، ونؤكد له أن الديمقراطية والحرية فى بلدنا ننعم بهما الآن وبصورة غير مسبوقة فى ظل القيادة الحكيمة للسيد الرئيس محمد حسنى مبارك.
المحور الخامس: الحريات الدينية، ونحن نتفق فى كل ما جاء على لسان الرئيس أوباما فيها، ونؤكد له أن الأقباط المسيحيين فى مصر ليسوا أقلية مضطهدة وإنما هم من نسيج هذا الوطن, لهم ما لنا وعليهم ما علينا.
المحور السادس: حقوق المرأة والتطور والفرص الاقتصادية، ونحن لا نختلف فى شىء مما قاله الرئيس أوباما لأن الإسلام أمرنا به، وإن كان هناك تقصير فى التطبيق من جانب بعض المسلمين، فالعيب فيهم وليس فى الإسلام.
وختامًا نقول:
إن لقاء الإسلام اليوم مع كل تقدم علمى فى الغرب، وكل حضارة ورقى ليعنى أنه هو الغاية، وهو الهدف، وهو المآل والملجأ، وعنده الحل والربط، ويجب أن يشارك فى قيادة العالم، لأنه نظام متكامل صالح لكل زمان ومكان.. وكل صيحات العقلاء والحكماء فى الأرض تلتقى مع ما شرعه الإسلام من نظم وقوانين، لأنه هو القادر اليوم على المشاركة الحقيقية فى نجاة العالم من الأزمات الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية، وإعادة كرامة الإنسان المهدرة فوق سطح الأرض.. فهل تعى الإنسانية ذلك قبل فوات الأوان؟
إننى أطالب أخى فى الإنسانية أن يمد يده إلينا لنتعاون على البر والتقوى، ولننقذ الإنسانية من وهدتها، ولنعيد للأخلاق العليا قداستها، فقد جاءت أيام الله الطيبة المباركة، وأظلنا عصر مؤيد ظافر.. مهد الطريق لرسالة الحق والخير والإيمان، لرسالة الطهر والأخلاق والكمال، لرسالة التصوف التى لم يخرج من عباءتها متطرف ولا إرهابى ولا متآمر على حاكم، ولا قاتل أو مكفِّر، أو مستحل للعرض والمال والدم.
إنها رسالة الذين )رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ) (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا(.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
شيخ الطريقة العزمية
السيد محمد علاء الدين ماضى أبو العزائم
|