بناء البيت الإسلامي (6) :الحياة الزوجية تقوم على الرفق وحسن المعاشرة!!

تاريح النشر: 30/06/2021


 

شرع الله الزواج فى الإسلام لغايات نبيلة ولأهداف سامية منها:

الحفاظ على النسب بين الناس، والحفاظ على النسل الإنسانى، ولترشيد وإشباع الغرائز والميول الشرعية، وأمان للمجتمعات من الضياع السلوكى، والانحلال الخلقى، وتنمية روح المحبة وغرس أصول الألفة، وتزكية العواطف الأبوية النبيلة وسعادة الأمومة ورعاية الأولاد.

ولذا جعله الله تعالى سنة الأنبياء والمرسلين، فقال تعالى: )وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً( (الرعد: 38).

وجعله مبعث وحدة البشرية والمساواة فى الإنسانية، ونمو أصولها وانسجام فروعها، فقال تعال: )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً( (النساء:1).

وهو أيضًا عنوان تمدن وتحضر، وأساس كل تعاون وتقدم، على عكس العلاقات غير المشروعة فإنها عنوان تخلف ورجعية، وبدائية وهمجية، وجاهلية جهلاء.

والزواج فى الإسلام قائم على أساس متين من التراضى أو الإيجاب والقبول المقترن بالشهود، وفى ظل من رقابة الشرع وإقراره، فليس كل تراض معتبر شرعاً، وإنما التراضى القائم على نظام معين هو المقبول الذى يقره الشرع، ولا قيمة لتراض مخالف نظام الشرع فى كل العقود.

لذا ارتضى الشرع نظامًا معينًا ووحيداً للزواج، وهدم كل ما عداه، وألغى وأبطل كل ما سواه.

حقوق الزوجة

– الرفق وحسن المعاشرة :

قال تعالى: )فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً( (النساء: 34)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وألطفهم بأهله) [رواه الترمذى والنسائى والحاكم]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (خيركم خيركم لنسائه وأنا خيركم لنسائي) [رواه النسائى والترمذى].

عليك أيهـا الزوج أن تتجمـل بالأخلاق

الحميدة وبحسن القيام على زوجتك فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم مالا يطيقون,  والله الله فى النساء فإنهن عوان فى أيديكم – يعنى أسرى – أخذتموهن بعهد الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) [رواه النسائى وابن ماجه]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعثمان بن مظعون رضى الله عنه: (‏إن لأهلك عليك حقَّا، ولعينك عليك حقَّا).

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يمزح مع أزواجه , ويقاربهن فى عقولهن فى المعاملة والأخلاق, وقال لقمان الحكيم: العاقل فى بيته ومع أهله كالصبى , فإذا كان فى القوم وجد رجلاً, وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يبغض الجعظرى الجواظ) قيل: هو الشديد على أهله , المتكبر فى نفسه. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يسابق السيدة عائشة في العدو فسبقته يومًا وسبقها في بعض الأيام فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (هذه بتلك) [رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه]. وفي الخبر أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم من أفكه الناس مع نسائه [رواه البزار والطبرانى] وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عاشوراء..

فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أتحبين أن تري لعبهم، قالت: قلت: نعم، فأرسل إليهم فجاءوا، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين البابين فوضع كفَّه على الباب ومد يده، ووضعت ذقني على يده وجعلوا يلعبون وأنظر، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: حسبك، وأقول: اسكت، مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: يا عائشة حسبك، فقلت: نعم، فأشار إليهم فانصرفوا) [رواه النسائى فى الكبرى].

واحذر أيها الزوج أن تتبسط في الدعابة والموافقة باتباع هواها إلى حد يفسد خلقها ويسقط بالكلية هيبتك عندها، بل عليك أن ترعى الاعتدال فيه، حتى لا تصبح عبدًا لزوجتك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تعس عبد الزوجة).

- الصبر على الزوجة واحتمال الأذى منها:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تسقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإذا ذهبت تقيمها كرستها، وكسرها طلاقها) [رواه البخارى والترمذى]..

اعلم أيها الزوج أنه ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها، والحلم عند طيشها وغضبها، فقد جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه يشكو إليه خُلق زوجته، فوقف ببابه ينتظره، فسمع امرأته تستطيل عليه بلسانها، وهو ساكت لا يرد عليها، فانصرف الرجل قائلاً: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فكيف حالي ؟ فخرج عمر فرآه موليًا فناداه: ما حاجتك يا أخي ؟ فقال: يا أمير المؤمنين جئت أشكو إليك خُلق زوجتي واستطالتها عليَّ، فسمعتُ زوجتك كذلك، فرجعتُ وقلتُ: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالى؟

فقال عمر: تحملتها لحقوق لها عليَّ، فإنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، غسَّالة لثيابي، مرضعة لأولادي، وليس ذلك بواجب عليها، وسكن قلبي بها عن الحرام، فأنا أتحملها لذلك. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي. قال: فتحملها يا أخي فإنما هي مدة يسيرة.

ودار حوار بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين السيدة عائشة رضى الله عنها فقال لها: (إنى لأعلم إذا كنت عنى راضية وإذا كنت عنى غضبى) فقالت: من أين تعرف ذلك ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كنت عنى راضية تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت عنى غضبى قلتِ: لا ورب إبراهيم) قالت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك) [رواه البخارى ومسلم]. ودفعت إحدى نسائه صلى الله عليه وآله وسلم فى صدره فزجرتها أمها , فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (دعيها فإنهن يصنعن أكثر من هذا)، وجرى بينه صلى الله عليه وآله وسلم وبين عائشة رضى الله عنها كلام , حتى أدخل أبا بكر رضى الله عنه بينهما حكمًا واستشهده, فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تتكلمين أو أتكلم ؟ قالت: بل تكلم أنت ولكن لا تقل إلا حقًّا) فلطمها أبو بكر رضى الله عنه حتى دمى فوها وقال: (أى عدوة نفسها , أو يقول غير الحق ؟ بل أنت  وأبوك تقولان  الباطل ولا يقول رسول الله  إلا حقًّا) نصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغضبًا له , حتى  استجارت بالنبى صلى الله عليه وآله وسلم ووقفت خلف ظهره , فقال له النبى صلى الله عليه وآله وسلم: (لَمْ نَدْعُكَ لهذَا,  وَلَمْ نُرِدْ هَذَا مِنك) [رواه الطبرانى فى الأوسط، والخطيب فى التاريخ]، وقالت له مرة فى كلام: أنت الذى تزعم أنك نبى , فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حلمًا وكرمًا.

فلنا فى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، فيجب على الرجل أن يصبر وأن يتحمل منها الأذى فإنك مع كل هذا تحتاج إليها وتحتاج هى إليك قال تعالى: )هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ( (البقرة: 187). 

وفى هذا السياق ما يدل على احتياج كل واحد إلى الآخر , من حيث الحفظ من العنت والفحش وغيرها، ووصف سبحانه البيت بالسكن فقال: )وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً( (النحل: 80)، وخصص سبحانه ذلك السكن فقال: )وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً( (الروم: 21).

- تحرى الكسب الحلال:

 احذر أيها الزوج  أن تبيع آخرتك بدنياك فتجمع مالاً من غير أن تتحرى أهو من الحلال أم من الحرام، فكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، فلا تطعمها إلا الحلال الطيب، فإن صبرت معك على البر والتقوى أمسكتها , وإن حملتك على الإثم والعدوان فارقتها, قال تعالى: )وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ( (النساء: 130)، ويقال: أول من يتعلق بالرجل يوم القيامة زوجته وولده , فيوقفونه بين يدى الله عز وجل , فيقولون: يا ربنا خذ لنا حقنا من هذا فإنه ما علمنا ما نجهل , وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم , قال: فيقتص لهم منه. وفى خبر: (إن العبد ليوقف للميزان وله من الحسنات أمثال الجبال , فيسأل عن رعاية عياله والقيام  بهم , وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه , حتى تستفرغ تلك المطالبات جميع أعماله , فلا يبقى له حسنة, فتنادى الملائكة: هذا الذى أكل عياله حسناته فى الدنيا , وارتهن  اليوم بأعماله).. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته, والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم).

- النفقة:

احذر أيها الزوج من البخل، فإن البخل يبلد المشاعر، وعليك بالكرم فى المأكل والمشرب والملبس، وقد سئل صلى الله عليه وآله وسلم: ماحق المرأة على الرجل ؟ قال:  (يطعمها إذا طعم , ويكسوها إذا اكتسى , ولا يقبح الوجه، ولا يهجر إلا فى البيت)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خيركم خيركم لأهله) [رواه الطبرانى فى الكبير]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك.) [رواه أحمد ومسلم وابن ماجه]، وعليك الاعتدال في النفقة فلا تقتر عليهن في الإنفاق ولا تسرف بل ينبغى أن تقتصد، قال تعالى: )وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ( (الأعراف: 31)، وقال تعالى: )إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً( (الإسراء: 27).

- حق النسب :

يثبت للأولاد من الزوج حق النسب بمجرد وجود الزواج فى الظاهر، لما رواه الجماعة إلا أبا داود عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر).

- التعليم:

ينبغى على الزوج أن يقوم بتعليم زوجته أحكام الطهارة والحيض والنفاس والصلاة والصيام، وإن لم يفعل فليس له منعها من الخروج وسؤال العلماء.

الحقوق المشتركة بين الزوجين

كل ما ذكر يعد من الحقوق المشتركة بين الزوجين، لكن نضيف حقوقاً أخرى كما يلى:

1- حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر: على النحو المأذون فيه شرعاً، ما لم يمنع منه مانع.

2- حرمة المصاهرة: تثبت حرمة الزوجة على أصول الزوج وفروعه، وحرمة أصول الزوجة وفروعها على الزوج، إما بنفس العقد أو بعد الدخول، والقاعدة فى ذلك: (العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات).

3- حق الإرث بين الزوجين: يثبت التوارث بين الزوجين، فيرث أحدهما الآخر بالموت، فإذا مات أحد الزوجين أثناء الزوجية أو فى العدة من طلاق رجعى بالاتفاق، أو من طلاق بائن فى مرض الموت عند الجمهور غير الشافعية، ولو بعد العدة عند المالكية والحنابلة، لقوله تعالى: )وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ..( إلى قوله تعالى: )مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ( (النساء: 12).

4- يطلب من كلا الزوجين أن يحسن خلقه لصاحبه، وأن يرفق به ويتحمل أذاه وسوء طباعه: لقوله تعالى: ) فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً( (النساء: 19)، قال ابن عباس: ربما رزق ولداً، فجعل فيه خيراً كثيراً. وأخرج مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً، رضى منها خلقاً آخر) أى: لا يبغضها.

أيها الزوج والزوجة:

عليكما أن تتعاملا بما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم كى تكتمل الحياة الزوجية وينمو الحب والوفاء والمودة والرحمة، فإن الإنسان منا يحيا مرة واحدة، فعلينا أن نحظى بهذه الحياة لكى نبنى بيتًا سعيدًا ثم مجتمعًا سعيدًا ثم حضارة ومجًدا، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول من صنع الحضارة، فنمى المجد الإسلامى، وانتشر النور بما أقامه الله فيه من الإخلاص لذاته، والصدق فى معاملته، والعمل بسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم.

وإذا عرف كل منكما ما عليه من واجبات فأداها، وما له من حقوق فأخذها، والتزم كل منكما بآداب الزوجية، وما يجب على الزوج لزوجته، وعلى الزوجة لزوجها، صفت حياتكما، وعاش الزوج مقبلاَ على الله مستريحاً من شر زوجته، وعاشت الزوجة مقبلة على الله فى راحة من عناء زوجها.. وكانت الأسرة السعيدة كما أرادها الإسلام.

 


المقالات الأكثر مشاهدة

المقالات الجديدة