لذنب تفتقر به إلى عفو الله تعالى خير من طاعة تفتخر بها على عباده

تاريح النشر: 08/07/2021


 

لقد أمرالله سبحانه وتعالى بطاعته وجعل الطاعة سببا للفوز برضاه وجنته وسببا فى مرافقة الأنبياء والصديقين والشهداء فقال : " وَمَنْ يُطِعِ اللَهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا " ، وقال تعالى : " وَمَنْ يُطِعِ اللَهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ " .

ونهى ربنا عن المعصية والذنوب ، وجعل المعصية سببا في الوقوع في غضبه وسخطه وفي التعرض للعذاب في الآخرة وجعلها علامة على الضلال المبين فقال ربنا : " وَمَنْ يَعْصِ اللَهَ وَرَسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا " .

وجعل ربنا القلب هو الأساس ، وهو الذي عليه التعويل في القرب إليه سبحانه فقال : "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" . وقال صلى الله عليه وسلم : " إن الله  لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " ، وقال أيضا : " ألا وإن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " . وعلى هذا فإن معاصي القلب أكثر خطورة وأعظم ذنبا من معاصي الجوارح ، كما أن معاصي الجوارح مظهرة لأمراض في القلب يجب علاجها ، لذا فإنه بسلامة القلب تكون سلامة الجوارح .

والإمام أبو العزائم رضي الله عنه فى هذه الحكمة يشير إلى أثر من آثار كل من الطاعة والمعصية والذي بسببه قد تكون المعصية أفضل من الطاعة ، وليس فضلها لكونها معصية بل للأثر الناشئ عنها .

إذن فالإمام رضي الله عنه لا يقول بأن المعصية مطلقا أفضل من الطاعة ، بل المعصية التي ينشأ عنها افتقار وذل إلى الله تعالى خير من الطاعة التي ينشأ عنها العز أو الاستكبار أو الافتخار على الله تعالى وعلى عباده .

وتقرير ذلك أن الذل والافتقار هما من أوصاف العبودية . فالتحقق بهما مقتضٍ للوصول إلى حضرة الرب تعالى والعز والاستكبار من أوصاف الربوبية ، فالتحقق بهما مقتضٍ للخذلان وعدم القبول ... ولذلك فإن المعصية التي ينشأ عنها الذل والافتقار خير من الطاعة التي ينشأ عنها العز والاستكبار والافتخار . فإن الأولى توصلك إلى الله مع كونها معصية ، والثانية تبعدك عن الله مع كونها طاعة .

وقد بين الإمام رضي الله عنه هذا المعنى في حكمة أخرى فقال : معصية تفقرني إليك خير من طاعة توجب الفخر عليك .

وقال أيضا رضي الله عنه : " ذنب أفتقر به أحب إلىّ من طاعة أعجب بها " .

إذاً فتفضيل الذنب على الطاعة مقيد بكونه يؤدي إلى افتقار العبد وذله وخضوعه لمولاه . ونقصان الطاعة وكونها مفضولة على المعصية مقيدة بكونها تؤدي إلى افتخار العبد وتكبره وإعجابه بنفسه .

ولا شك أن هذا المعنى موافق للعقيدة الحقة وأصول الدين الإسلامي . فكل ما يقربك من مولاك هو أفضل مما يبعدك عنه حتى ولو كانت التي تقربك هي المعصية ، ولذلك يقول رضي الله عنه في حكمة من حكمه : " كل نعمة أبعدتك عن الله فهي نقمة، وكل نقمة قربتك إلى الله فهي نعمة " .... فتأمل .

فقوله رضي الله عنه : " لذنب تفتقر به ( أي بسببه ، فالباء للسببية ، ويصح أن تكون الباء للملابسة ، أي الذنب الذي يلابسه ويجامعه افتقار إلى عفو الله ) خير من طاعة تفتخر بها على عباده " ، و " خير " أفعل تفضيل أصلها " أخير " على وزن "أفعل" لكن حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال .... ، " خير من طاعة تفتخر بها  ( أي بسببها ، فالباء للسببية أو للملابسة كما مر ) على عباد الله " .

واللام في قوله " لذنب " واقعة في جواب قسم محذوف والتقدير " والله لذنب ... إلخ" والحاصل أن الذنب الذي يكون سببا فى افتقارك إلى عفو الله ومغفرته ويكون سببا في توبتك توبة نصوحا ويكون  سببا فى ...... بصفات العبودية لله تعالى خير من الطاعة التي تكون سببا في افتخارك وتكبرك على عباد الله ، وإعجابك بنفسك حتى تنازع الله في صفات الربوبية وهو القائل : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري     


المقالات الأكثر مشاهدة

المقالات الجديدة