بناء البيت الإسلامي (15)

تاريح النشر: 02/10/2021


 

من المفترض أن المصاهرة تؤدي إلى تقوية الروابط العائلية، ولكن للأسف تسقط أقنعة من على وجوه لا نراها إلا بعد الزواج، وصدق رسول الله  - صلى الله عليه وآله وسلم - حين قال: (الناس معادن) [البخارى].

 فكثير من بيوت الزوجية لا تخلو من تدخلات الأهل في شئون أبنائهم المتزوجين، مما قد يؤدي إلى ضعف الروابط الأسرية، بل قد يصل الأمر إلى صراعات بين الزوج وأهل زوجته، أو بين الزوجة وأهل زوجها، وتدب الخلافات بين الزوجين بسبب ذلك.

 وكلُّ من الزوجين يعتقد أن أهله أصوب رأيًا وأصدق مشورةً، فينقاد كل منهما إلى رأي أهله والأخذ بمشورتهم تعصبًا، وكثير من الأُسَر لا تراعي أن تكون النصائح والإرشادات والمواقف لتحقيق استقرار الأسرة الجديدة والحرص على استمرارها، بل يغلب عليها حب السيطرة ونفوذ الكلمة والأنانية والتسلط؛ حقًّا كان ذلك أو باطلاً.

علاقة أهل الزوج بالزوجة:

 هناك بعض السلوكيات التي لا تعجب الزوجة من أم زوجها مثل النقد الدائم، والتقليل من قيمة ما تقوم به الزوجة من أعمال، فما سبب ذلك السلوك تجاه زوجة الابن؟، أهو غيرة الأم من زوجة ابنها واعتقادها أن زوجة ابنها اختطفته منها واستحوذت عليه؟!.

 وفى هذه الحالة يكون السؤال:

ماذا يفعل الزوج تجاه كلٍّ من زوجته وأمه؟، أيقف مع زوجته ضد أمه فيدخل في دائرة العقوق؟، أم يقف مع أمه ضد زوجته فيخسر احترام زوجته له؟.

 والحكمة أن يتحلى الزوج بالكياسة والذكاء فيرضي أمه ويطيِّب خاطرَها حتى وإن كانت مخطئة، فإن الأم لا تدوم له ولا تعوَّض ، وفي نفس الوقت لا يهمل زوجته، بل يرضيها هي الأخرى ويمتص غضبها في جو هادئ يحيطه بدفء حنانه وطيب كلامه وسعة صدره، ويذكر لها بأسلوب مهذب أن أمه امرأة كبيرة ولها حقوق عليه، وعليها أن تصبر على أمه، فتلك الزوجة قد تكون في يوم من الأيام في نفس الموقف، وعلى الزوج أيضًا أن يُشعِر زوجته أنها أحب الناس إلى قلبه، وأن يدخل الثقة والطمأنينة في قلبها، وأن حبه لأمه واحترامه لها لا يتناقض مع حبه لزوجته وتقديره لها، وأن يحرص الزوج على أن تتعقل زوجته الأمر، وتكون بذلك قريرة العين راضية النفس.

ومن الخير للجميع أن تعامل الزوجةُ أمَّ زوجها كما تعامل أمَّها، وأن تشملها بحبها واحترامها، وأن تصبر على سوء طبعها أو جفوة معاملتها إن كانت كذلك، وعليها امتصاص غضبها، وتحمل لومها وتقريعها إن صدر منها، ويستحب منها أن تثني على ما يصدر من أم الزوج من مشاركة لها في عمل من الأعمال أو موقف من المــواقف، وأن لا تقبِّح كلامًا أو تصرفًا صدر منها، وأن تجتهد أن تجد لها عذرًا في كل ما يصدر منها مما لا يشين دينًا أو خُلُقًا، وعلى الزوجة أن تتطوع بالمساعدة والمعاونة لأم زوجها بما يشعرها أنها حريصة على راحتها وكسب رضائها.

ولا مانع من استشارتها في بعض ما يخصها من ملبس وغيره، وبين الحين والحين يَجْمُل أن تهدي الزوجة إلى أم زوجها بعض الهدايا التي تعبر عن حبها لها، وجميل عنايتها بها، وحرصها على كسب ودها.

كما أن على الزوجة أن تشغل نفسها بما تتجمل به من الآداب الواجبة عليها، مما بينه الإمام أبو العزائم في كتابه: "الإسلام نسب" فتتعلم كيف تطيع زوجها، وكيف تحفظ عرضها، وكيف تعاشر أقارب زوجها، وكيف تتصرف فى المملكة التى صارت رئيستها، ما يجعل زوجها منشرح الصدر منها، وتتعلم آداب المجالسة مع أقارب زوجها وغيرها من النساء.

ولا شك أن شغلها بذلك وحسن قيامها به سيساهم إلى حد بعيد في تحسين صورتها في عين أم زوجها وتحقيق رضاها عنها، وهذا بالقطع سيضفي نوعًا من الهدوء والسكينة في منزل الزوجية مما يجعل الزوج أكثر حبًّا لزوجته وسكونًا إليها.

وعلى المرأة أن تعلم أن كثيرًا مما أُشيع بين الناس من إلصاق الصفات الرديئة بأم الزوج ليس صحيحًا، فالناس تختلف طباعهم وأخلاقهم أزواجًا كانوا أو أمهات أزواج، كما يجب الحذر الشديد مما تعرضه وسائل الإعلام التي يديرها العلمانيون، ويهدفون فيها إلى إفساد الأخلاق والقيم.

 وعلى الزوجة أن تسعى فتحمل أقوال أم الزوج وأفعالها على أحسن الوجوه، وأن تحسن بها الاعتقاد، وأن تعمل بمقتضى قول الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ( (الحجرات:12).

وعلى الزوجة أن تحث زوجها على البِر بوالديه، وحسن معاملة أهله، ودوام زيارتهم، والمبادرة إلى صلتهم، والوقوف بجانبهم في الملمات، والمعونة عند الحاجات، فذلك مما يغمرها بحبهم، والأهم من ذلك أن فيه مرضاة لله سبحانه، وقد يأتي اليوم الذي تحس فيه أنها بذلك العمل الصالح قد أحسنت لنفسها، قال الله تعالى: )مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا( (فصلت:46).

علاقة أهل الزوجة بالزوج:

 لا شك أن كل أمّ تريد لابنتها أن تعيش حياة زوجية سعيدة مستقلة لا يشاركها فيها أحد، والأم هي المدرسة التي تتعلم منها ابنتها، والمرجع الذي ترجع إليه في كثير من شئون حياتها، وتعمل بوصاياها خاصة في بداية الحياة الزوجية، وفي ذلك ما يوجب على الأم الحرص على توخي الحكمة والاتصاف بسداد الرأي، وأن تغذي ابنتها بمثل ذلك لتعينها على خوض غمار حياتها الزوجية، متحلية بالشعور بالمسئولية، وإدراك قيمة بيت الزوجية، وشدة الحرص على المحافظة عليه.

كما أن من الحكمة أن تعامل أسرة الزوجة زوجَ ابنتهم على أنه واحد من تلك الأسرة، وأن تحيطه بمزيد الاهتمام، وتعيره شديد الاحترام، وتشعره بحسن التقدير، فهو زوج ابنتهم وراعيها، وقد استودعوها أمانة عنده، وشريكة لحياته، ومؤازِرة له ومعينة، فعليهم أن يعلِّموها حسنَ القيام بواجبه، ويرشدوها كيف تصون عرضه وماله، وتطيع أمره، تسره إن نظر إليها، وتحفظه إن غاب عنها.

وإياك أيتها الأم التدخل في شئون ابنتك المتزوجة إلا بالقدر الذي يساعد على دفء المودة، وإصلاح الأمر، ولتكوني حكيمة، وأعيني ابنتك أن تكون لزوجها أرضًا حتى يكون لها سماء، ولا يسمع إلا حسنًا، ولا ينظر إلا جميلاً، وهذا أفضل من أن تأخذك العزة بالإثم فتدسي أنفك في صغير الأمر وكبيره من شئون ابنتك، فتفسدين ما يعجز الناس عن إصلاحه، وتهدمين بيتًا يحب الله أن يبنى على المودة والرحمة، فتحولينه بسوء تصرفك إلى عداوة ونقمة، وتتسببين في تعاسة مَن هي مِن أحب الناس إليك.

 والزوجة العاقلة تحرص على أن تسمع من أمها ما يفيد استقرار حياتها الزوجية، وتترك ما يعكر صفو تلك الحياة، فليس كلام الناس قرآنًا يُتلى أو سنة واجبة الاتباع، فخذي من أمك واتركي بقدر ما يتلاءم مع سعادتك وزوجك ، فلنأخذ ما يطيب، ولنترك ما يعيب.

 وعلى الزوجة أن تتعامل مع زوجها بعيدًا عن تدخلات الأهل، إلا فى حالة تعثر الحياة بينهما كما قال تعالى: )وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً( (لنساء:35).

نصيحة لأم الزوجة:

 أيتها الأم؛ لا ننكر فضلك في تربيتك وحسن تعليمك لابنتك، لكنها أصبحت الآن في بيت من اختارتهم هي، وأصبحت عصمتها فى يد زوجها، فلا تحاولى أن تتدخلي في شئونها هي وزوجها، ارقبيهم من بعيد، تحسسي أخبارهم، هل هم سعداء أم لا؟ لا تبادري بالنصيحة إلا إذا رأيتِ ابنتَك ستخرج عن القيم والعرف والتقاليد الحسنة، ولا تُجَرِّئيها على زوجها، بل انصحيها بطاعته واحترامه، وعرِّفيها أن زوجها جنتها ونارها، ولا تحاولي أن تبعدي زوج ابنتك عن أهله، ولا أن تلقي العداوة بينه وبينهم، ولا تساعدي ابنتك على ذلك، أتحبين أن يعاملك ابنك مثلما تحبين أن يعامل زوج ابنتك أهله؟ يجب أن تتحلي بقول سيدنا رسول الله  - صلى الله عليه وآله وسلم -: (لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ لنفسِه).

نصيحة لأم الزوج:

 تذكري أيتها الأم أن زوجة ابنك تركت بيت أهلها وانتقلت إلى بيت ابنك، والمطلوب منك أن تعامليها كأم ثانية لها، وأن تعطفي عليها، وتتعاملي معها كما تتعاملين مع بناتك، واعلمي أن سعادة زوجة ابنك تصب أولاً وأخيرًا فى سعادة ابنك، والعكس صحيح، ألا تتمنين سعادة ابنك فلذة كبدك؟ فأين حبك له لو عاديتِ زوجته وحبيبته التى اختارها لنفسه، واعلمي أن تشتيت همِّ ابنك بسبب زوجته أشد من ألم الجسم، فقومي بما عليك تجاه زوجة ابنك كي يعيش حياة سعيدة.

وإلى اللقاء فى العدد القادم إن شاء الله.


المقالات الأكثر مشاهدة

المقالات الجديدة