إحياء ليلة النصف من شعبان من نوافل البر

الامام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم
15/03/2022
شارك المقالة:

- عناية الرسول وصحابته والسلف الصالح بهذه الليلة :

- الأحاديث الواردة فى فضائل هذه الليلة :

- حكم الاجتماع وقت صلاة المغرب وقراءة يس والأدعية :

- حكم صيام يوم نصف شعبان :

- حكم زيارة القبور فى صبيحة ليلة النصف من شعبان

- ما أستحسنه للمسلمين:

 - إحياؤها عند آل العزائم :  

- آداب الاستعداد لليلة :

==================

عناية الرسول وصحابته والسلف الصالح بهذه الليلة :

 أجمع المسلمون جميعاً أن الله خص بفضله أفراداً من عباده  الصالحين ، وأمكنة خاصة وأزمنة خاصة ، فجعل فى الأسبوع يوما وهو يوم الجمعة ، وفى السنة شهر للصيام وأربعة أشهر حرم ، وخص ليلة الإسراء بحبيبه ، فلا حرج على فضله أن يخص ليلة النصف من شعبان فى كل عام بفضيلة استجابة الدعاء وقبول التوبة ممن يتوب والعفو عن كثير من المذنبين  ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ، لا يمنع  هذا الفضل العظيم إنكار من أنكر ، فقد ذكر فضلها الإمام أبو طالب المكى وهو من أئمة السلف الصالح الصادقين  فى الفضل والرواية فى كتابه ( قوت القلوب ) أن ليلة النصف من شعبان كان يعتنى بها أصحاب رسول الله ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ ويجتمعون لصلاة النوافل جماعة ، إحياء لها والتماساً لخيرها ؛ فقد ورد أن فيها ترفع الأعمال وتقدر الأرزاق والآجال ، وقد ورد فيها الدعاء المأثور الذى يلتمس فيه الداعى خفى اللطف فى قدر الله ، ولله تعالى فيها نظرات إلى خلقه  : (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) كما أورد الإمام أبو طالب الملكى أن السلف الصالح رضى الله عنهم كانوا يحيون ليلة النصف من شعبان ، وكانوا يصلون فيها مائة ركعة يأملون فيها الخير .

وقد ورد فى إحيائها أحاديث ، وإن كان سندها لم يبلغ درجة الصحاح فيكون على شرط البخارى أو مسلم إلا أنها فى فضائل الأعمال والأخذ بها حسن ، والأحاديث الواردة فى الفضائل الأَوْلَى للمسلم أن يسلم بها من غير تدقيق فى سندها لأنها ليست أحكاما شرعية ، ولأن أحاديث الفضائل كان يخص بها رسول الله ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أفرادا من أهل الصفة الذين أقبلوا على الله  بالكلية وهم الذين أمر الله حبيبه ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أن يصبر نفسه معهم .

     وإنكار من أنكر على أحاديث الفضائل لأنها لم تثبت عنده بسند يقبله هو بحسب مرتبته , كسند الإمام البخارى ومسلم رضى الله عنهما ، وهذان الإمامان جمعا ما يتعلق بالأحكام التى  يجب أن يلتزم بها كل مسلم وينفذها الخليفة وعماله ، وأما الأحاديث المتعلقة بتزكية النفس وطهارة القلوب ومعاملة علام  الغيوب وعلوم الإيمان والإيقان والإحسان ؛ فحملها رجال  فروا من الكونين إلى الله تعالى ولزموا الصفة إيثارا للعلم والعمل لله على غيرهما أو حفظا لأنفاس رسول الله
﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾  فى الليل والنهار .

الأحاديث الواردة فى فضائل هذه الليلة :

     والأولى أن نحيى تلك الليلة وأن نحسن الظن بحملة الحديث ورواته ونطمع أن ننال الخير الذى ورد عن السيدة عائشة رضى  الله عنها قالت : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم﴾ : (ينزل الله تعالى ليلة  النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعرغنم بنى كلب)[أخرجه الترمذى] . وقال ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ : (إن الله  يغفر لجميع المسلمين فى تلك الليلة إلا الكاهن والساحر ومدمن  الخمر وعاق والديه والمصر على الزنا)[السراج المنير للخطيب] وقال ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ : (من صلى فى هذه الليلة مائة ركعة أرسل الله تعالى إليه مائة ملك : ثلاثين يبشرونه بالجنة ، وثلاثين يؤمنونه من عذاب النار ، وثلاثين يدفعون عنه آفات الدنيا ، وعشرة يدفعون عنه مكائد الشيطان)[مفاتيح الغيب للرازى] ، وروى ابن ماجه عن سيدنا على بن أبى طالب عليه السلام عن النبى ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أنه قال : ( إذا كانت ليلة النصف من  شعبان ، فقوموا ليلها وصوموا نهارها ، فإن الله تعالى ينزل فيها  لغروب الشمس إلى سماء الدنيا فيقول :" ألا من مستغفر فأغفر له ؟ ألا من مسترزق فأرزقه ؟ ألا من مقبل فأعافيه ؟ألا من كذا ألا من كذا حتى مطلع الفجر )[سنن ابن ماجة] . وعن عائشة رضى  الله عنها قالت : قام رسول الله  ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ من الليل فصلى فأطال السجود حتى ظننته قد قبض ، فلما رأيت ذلك قمت حتى حركت إصبعه فتحرك ، فرجعت فسمعته يقول فى سجوده : (أعوذ بعفوك من عقابك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بك منك إليك، لا أحصى ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك)  فلما رفع رأسه من السجود وفرغ من صلاته قال : " يا عائشة - أو يا حميراء-  ، أظننت أن النبى ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ قد خاس بك ؟ " قلت : لا والله يا رسول الله ، ولكننى ظننت أنك قبضت لطول سجودك .  فقال : أتدرين أى ليلة هذه ؟ قالت : الله ورسوله أعلم ، قال : هذه ليلة النصف من شعبان ، إن الله يطلع على عباده فى ليلة النصف من شعبان فيغفر للمستغفرين ويرحم المسترحمين ويؤخر أهل الحقد كما هم"[رواه البيهقى]  ، كما روى عن ابن ماجه فى صحيحه عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه عن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ أنه قال :" إن الله تعالى ليطلع فى ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا مشرك مشاحن " .

وآل العزائم يحيون تلك الليلة اقتداء بعمل السلف الصالح بإجماع الأمة فى مشارق الأرض ومغاربها على إحيائها ، ولم يشذ منهم إلا أهل الإنكار الذين تثقل عليهم الأعمال الفاضلة .

حكم الاجتماع وقت صلاة المغرب وقراءة يس والأدعية :

أما اجتماع الناس فى ليلة النصف من شعبان فى المساجد وقت صلاة المغرب ، وما يقومون به من الصلاة وقراءة (يس) والأدعية ، فبدعة محدثة لا بأس بها ، لأن الدعاء سنة ، والاجتماع للصلاة والدعاء مشروع عند المقتضيات كالاستقاء والخسوف والكسوف ، فإذا اعتقد الناس أن الليلة المباركة هى ليلة النصف من شعبان كما بين ذلك بعض المفسرين ، فالاجتماع حسن مرغوب فيه . وعلى قول من يقول إن الليلة هى ليلة القدر ، فالاجتماع فى هذه الليلة يكون لذكر الله .

حكم صيام يوم نصف شعبان :

     وصيام يوم النصف من شعبان لغير معتاده ، إن قصد به  التقرب إلى الله تعالى ، أو التشبه ببعض الصالحين ، فهو مباح وإن نوى به السنة فهو مكروه . اللهم إلا إذا ثبت بطريق صحيح أن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ صامه . وللمسلم الخيار فى صيام أى يوم إلا يوم الشك ويوم العيدين .

حكم زيارة القبور فى صبيحة ليلة النصف من شعبان :

     أما زيارة القبور فى صبيحة ليلة النصف من شعبان ، فلا أعلمه من السنة ، إلا أن الذى أعلمه أن رسول الله ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾  كان يزور بقيع الغرقد حيث قبور الصحابة ليلا منفردا ، ونهارا فى بعض أصحابه ،  وكان يقف ويسلم ويدعو لهم ، فزيارة القبور فى صبيحة نصف شعبان بعينها بدعة حسنة ، وكونهم يخرجون مجتمعين سنة لأن رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾  فعله ، ورفع الأصوات عند التوجه لزيارة القبور بدعة لا أعلم أنها حسنة .

ما أستحسنه للمسلمين:

     من هذا أستحسن للمسلمين عامة ولإخواننا آل العزائم فى كل أنحاء البلاد ، أن يجعلوا لليلة النصف من شعبان قسطا وافرا من الإقبال على الله والمسارعة لإحيائها ، فيصومون نهارها ويقومون ليلها اقتداء بهدى السلف الصالح ويكثرون فيها التبتل والتضرع والقنوت لله تعالى .

وعندى أن من الخير فى هذه الليلة صلة الرحم وبر الوالدين ، والإحسان إلى الجيران ، والعفو عمن آذى ، وطلب العفو من المظلوم ، والتقرب إلى الله ببذل فضل المال إلى الفقراء ، حتى يكون تقرب إلى الله بماله ونفسه ، وبذل فى سبيل الله ما يبخل به غيره ، وبذلك أبشره بأنه صار ممن يحبهم الله تعالى بدليل قوله  ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾ :"ولا يزال عبدى يتقرب إلىّ بالنوافل حتى أحبه....."

 إحياؤها عند آل العزائم :  

      يصومون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر لأجلها استعدادا لها ويدعون بهذا الدعاء عقب كل صلاة :

    ( اللهم لك الحمد ولك الشكر ،  كما تحب وترضى ، لا أحصى ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، أسألك أن تصلى وتسلم وتبارك على ذات حبيبك ومصطفاك ، سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه . لا إله إلا الله الحليم الكريم ، أسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار ، لا تدع لى ولا لأحد من إخوانى ذنبا إلا غفرته ، ولا همًّا إلا فرجته ، ولا حاجة هى لك رضا إلا قضيتها ويسرتها برحمتك يا أرحم الراحمين) .

     ولمناسبة الحالة الحاضرة يتعين على كل مسلم فى هذه الأيام المباركة أن يتوجه إلى الله بكليته فى أن يهلك الكافرين أجمعين ، وفى أن يؤيد المسلمين بنصره المبين ، وأن يجدد السنة ويعلى الكلمة ، كل ذلك بعد أن يتوب إلى الله تعالى من البدع المضلة والمخالفات لرسول الله ﴿ صلى الله عليه وآله وسلم﴾  وبعد الدعاء يقرأ ( آمَنَ الرَّسُولُ )  ([1])  إلى آخر السورة عشر مرات ، وفى كل مرة يكرر : ( أنْتَ مَوْلاَنا فاْنصرْنَا على الْقَوْمِ الْكَافرينَ) ([2]) مائة مرة ، ثم يصلى على رسول الله ﴿صلى الله عليه وآله وسلم﴾ .

      وأن يصلوا بعد المغرب ست ركعات يتلون بين كل ركعتين هذا الدعاء:

(لبيك وسعديك والخير كله بيديك لا إله إلا أنت لك الحمد ولك الشكر حتى ترضى . أسألك يا منزل القرآن فى ليلة الفرقان ، يا قابل التوب وغافر الذنب يا من سبقت رحمتك غضبك ووسعت كل شىء ، أسألك أن تجعلنى يا إلهى ممن سبقت لهم حسناك وقدّرْت لهم عنايتك . إلهى  إلهى  إلهى ، اجعلنى ممن غفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم ووسعت لهم أرزاقهم . إلهى  إلهى  إلهى ، أسعدنى ، بإحسانك وفرحنى بفضلك ورحمتك وأعزنى بعنايتك . وفّ يا إلهى دينى ، وأصلح لى ذريتى واجعلنى باراً بوالدى ، وصّالاً لرحمى ، رحمة لأهلى وإخوانى وأولادى وجيرانى ، واحفظنى يا إلهى من المعصية وأسبابها ، ومن الأمراض ومن شر الأشرار ومن كيد الفجار ، وأهلك أعدائى وادفع عنى شرورهم ، وكن لى ومعى لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين ، يا حى يا قيوم يا باسط يا ودود يا معطى يا وهاب . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) .

     وأن يقول فى جوف الليل : ( اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علىّ وأبوء بذنبى فاغفر لى ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )..

     فإذا غربت شمس ليلتها أسرعوا إلى صلاة المغرب ، وبعدها وجهوا القلوب والوجوه إلى علام الغيوب مبتهلين متقربين إليه سبحانه بصلاة ست ركعات التى هى صلاة الأوابين فى كل ليلة فيسألون الله بين كل ركعتين بالدعاء الذى سيأتى بعد ، ثم يصلون ركعتين صلاة التسابيح إن أمكن قبل العشاء والا فبعد صلاتها ، ثم يشرح المرشد الآيات فى ( حم )  ثم يجتمع الإخوان فى الزاوية العامة لمن يتمكن ، أو الزاوية الخاصة فى البلاد لذكر الله تعالى . وبعد الذكر يتضرعون ويتملقون بين يدى الله تعالى يسألونه سبحانه ما هم فى حاجة إليه من الدين والدنيا والآخرة ، ثم يقول كل واحد للصلاة والدعاء فى جوف الليل حتى يطلع الفجر .

وفى الزاوية الجامعة يتفضل الله تعالى على خواص الإخوان بالحضور التمثيلى للفهم التفصيلى من : ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ([3]) وهو المشهد الخاص بالفرد القائم بالحى القيوم قال الله تعالى : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا([4]) .

آداب الاستعداد لليلة :

-1 التوبة                                -2 العفو عمن بينك وبينه خصومه

3- المسارعة لبر الوالدين وصلة الرحم وإكرام الجار .

4 التوبة من حب أهل المعاصى من المسلمين والكفار ومن البدع والضلالات ومن موالاة غير المؤمنين ليقف بين يدى الله طاهرا مقبولا.

5 أن يوسع على أهله وأولاده فيها .

6 أن يكثر من الدعاء بقوله ( يا غفور يا رحيم يا تواب يا كريم يا الله).

 

(1) سورة البقرة آية 285 .

(2)سورة  البقرة آية 286

(1) سورة الدخان . آية 4

(2) سورة البقرة آية 148 .