رسالة الإمام المجدد فى المناسك [5] أركان الحج - الركن الرابع : الحضور بعرفة :

الامام المجدد السيد محمد ماضي أبو العزائم
07/07/2022
شارك المقالة:

(( رسالة الإمام المجدد فى المناسك [5]))

*أركان الحج - الركن الرابع : الحضور بعرفة :

**************************************

قلت: الحضور بعرفة، بدل الوقوف بعرفة، لأن المراد وجود الحاج فوق عرفة سواء أكان جالسا أو مضطجعا أو راكبا أو مارا ما دام أمكنه الوجود على عرفة جزءا من النهار يوم عرفة وجزءا من الليل ليلة الأضحى، والحضور نهارا واجب عن المالكية وفريضة عند أبى حنيفة وبعض الأئمة، والركن عند المالكية الوقوف ليلا، ويكفى الحضور فى أى جزء من أجزءا ليلة عيد الأضحى ولو قبل الفجر بقدر إمساك الصائم ويجب فى هذا الركن الاستقرار فوق الجبل بقدر الجلسة بين السجدتين بعد الغروب لا فرق بين القائم فوق الجبل الجالس والراكع ، فإن نفر عند الغروب مباشرة فعليه دم

ولا يضر الخطأ فى تعيين الليلة، فإن وقفوا فى الليلة الحادية عشرة معتقدين، أنها الليلة العاشرة أجزأهم ذلك، ولا يبطل الحج بترك الوقوف نهارا إذا تعذر، ويجبر بالدم لأنه واجب عند المالكية.

ومن السنة فى يوم عرفة خطبتان بعد الزوال بمسجد عرفة كالجمعة يعلمهم الخطيب بهما ما عليهم من المناسك وذلك فى يوم عرفة قبل أذان الظهر، ثم يصلى الظهر والعصر جمع تقديم وقصر بغير المقيمين بعرفة، ثم ينفرون بعد الصلاة إلى جبل الرحمة على طهارة مستقبلين البيت حال الوقوف ، داعين متضرعين لغروب الشمس ثم يدفعون لدفع الإمام بسكينة ووقار وخشوع لله تعالى ورحمة بأهل الموقف حتى لا تحصل مضرة لزوار الله في بيته.

ثم يجمع فى مزدلفة بين المغرب والعشاء جمع تأخير مع قصر العشاء، ويلتقط منها الجمرات قبل صلاة الصبح لأنه يبيت بها فى ضيافة الله تعالى ويصلى بها الصبح.

وينفر إلى المشعر الحرام ليقف به إلى قرب طلوع الشمس فيسير إلى منى لرمى جمار العقبة، وعند مروره ببطن محسر يسرع.

فإذا رمى الجمار حلق أو قصر و ذبح أو نحر هديه وبذلك يحل الإحلال الأصغر، فلا يحرم عليه إلا الصيد والنساء، وفى قول: والطيب.

ويسرع إلى مكة فيطوف طواف الإفاضة وبه حل له الصيد والنساء والطيب، ويرجع إلى منى فى اليوم الحادى عشر ليقيم بها الأيام الثلاثة المعدودات، ولرمى الجمرات الثلاثة.

مندوبات الوقوف:

========

الأولى وقوف بعد صلاة الظهرين( أي صلاة الظهر والعصر جمع تقديم ) بجبل الرحمة – وهو مكان شرقى عرفه عند القبة المسماة قبة أبينا آدم – وندب الوضوء ، وندب الوقوف مع الناس وندب الركوب أو الوقوف إلا لتعب فيجلس ، وندب صرف الأنفاس فى هذا الوقت والمحل بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى لنيل خيرى الدنيا والآخرة ، لأنها لحظات الإجابة وأنفاس الإقبال من الله على عبيده وتجليه بالغفور التواب المحسن الوهاب.

فإذا غربت الشمس يدفع إلى مزدلفة، ويجمع بين العشاءين جمع تأخير ويصلى العشاء قصرا إلا أهل مزلفة، والأولى صلاة المغرب والعشاء فى هذه الليلة بمزدلفة، وأعادهما من قدمهما قبل مزدلفة ندبا لغير عذر، فيجمعهما المعذور فى أى محل ، كل ذلك لمن وقف مع الناس . ومن انفرد بوقوفه عن الإمام والناس، صلاهما فى وقتهما ووجب النزول بمزذلفة بقدر حط الرحال وصلاة العشاء والأكل والشرب ، ومن لم ينزل فعليه التقرب إلى الله بذبيحة ، وندب البيات بها وارتحاله منها بغلس بعد صلاة الصبح.

وندب الوقوف بالمشعر الحرام – محل بين مزدلفة ومنى – يقف مستقبلا البيت سائلا الله تعالى المغفرة حامدا شاكرا فاكرا إلى الإسفار، ويسرع السير فى بطن محسر – وهو واد بين المشعر الحرام ومنى – فإذا وصل إلى العقبة وعليها سور من البناء يعينها رمى جمرة العقبة ندبا فى هذا المكان والوقت.

رمى الجمرات واجب:

==========

ويتعين أن يكون بسبع حصيات يلتقطها من المزدلفة للعقبة ويسرع برميها ولو كان راكبا وبتمام رميها حل له كل شيء إلا النساء والصيد، قيل : والطيب،وندب أن يكبر عند رمى كل حصاه وتتابع الرمى من غير فصل وندب لقطها بنفسه من أى أرض إلا جمرة العقبة فمن المزلفة،وجاز أن يلتقطها له غيره.

وبعد العقبة يوم النحر يحلق ويذبح، والحلق واجب ، والنحر واجب ويندب أن يكون عقب العقبة إلى ما قبل زوال الشمس، وصح تقصير الرجل، والمرأة تقصر فقط، ولا يجوز حلق البعض من الرأس، ولا يجزئ تقصير بعض شعر الرجل وإن أجزأ عند بعض المذاهب كمسح جزء من الرأس أو بعضها.

والمالكية لا يصلون العيد بمنى ولا بالمسجد الحرام بل يتوجهون إلى مكة لطواف الإفاضة بعد الحلق والتقصير، وبه حصل الإحلال الأكبر فحلت له زوجته والصيد والطيب، إذا كان قدم سعى الفريضة قبل الوقوف ، فإن لم يكون قدمه تعين أن يسعى بعد ركعتى الطواف، وعند توجهه للسعى يتسلم الحجر الأسعد ويخرج للصفا، وبتمام السعى يحل له كل شيء.

ويرجع إلى منى ليقيم بها الأيام المعدودات ويرمى الجمرات الثلاث، فيبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، وذلك فى اليوم الحادى عشر، ويرمى فى اليوم الثانى عشر والثالث عشر ، فيكون ما رماه من الأحجار سبعين حجرا، ثلاثة أيام يرمى كل جمرة بسبع حصيات يكبر عند رمى كل حصاة ويرميها بنفسه.

الوقوف حال الرمي:

==========

ليس من السنة الوقوف عند رمى جمرة العقبة بل يرميها مسرعا، ومضى إلى المناسك الأخرى من حلق وذبح وطواف، ويقف عند الجمرتين الأولى والوسطى بقدر ما يقرأ سورة البقرة، يكبر عند رمى كل حصاة وهو السنة ، ولا شيء عليه عند الأئمة إن ترك التكبير إلا الثوري، وقال : يطعم فإن جبر بدم فأحب إليّ.

ويقف عند الجمرتين بعد العقبة بقدر سورة البقرة مكبرا مسبحا حامدا داعيا الله بما شاء.

عن مالك بن أنس قال : إنه بلغه أن عمر بن الخطاب كان يقف عند الجمرتين الأوليين وقوفا طويلا حتى يمل القائم.

وعن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقف عند الجمرتين الأوليين يكبر الله ويسبحه ويحمده ويدعو الله سبحانه وتعالى ولا يقف عند جمرة العقبة.

وعن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يكبر عند رمى الجمرة كلما رمى حصاة، والسنة المشى فى رمى الجمار فى اليوم الثانى والثالث.

المشى فى الجمار:

=========

فيمشون ذاهبين وراجعين ، إلا جمرة العقبة فى يوم النحر. والجمرة الأولى فى الاصطلاح هى ما تلى منى فيبدأ بها الإنسان فى كل يوم ويختم بالعقبة ، وإنما بدئ بالعقبة فى يوم النحر لأنها تلى بطن محسر،وجاز الركوب فى رمى الجمرات لمريض أو ضعيف، فقد رماها معاوية رضى الله عنه راكبا. وقد اختصت جمرة العقبة بأمور أربعة: بكونها يوم النحر، وأن لا يوقف عندها، ويرميها ضحى ، وترمى من أسفلها ندبا. ولا يعيد من رمى أو سعى بين الصفا والمروة غير متوضئ ولكن لا يتعمد ذلك.

وقت رمى الجمرتين الأوليين:

==============

وقتها بعد الزوال من اليوم الحادى عشر ، فمن رمى قبل الزوال أعاد. ويستحب أن يكون الرمى قبل صلاة الظهر وهذا بإجماع الأئمة رضوان الله عليهم ، وعلى من تجمل بهديهم واقتفى أثرهم وسارع للتشبه بهم.

إشارا الوقوف:

=======

قبل أن نشرح إشارات الوقوف ، نبين أحوال المسافرين إلى الله تعالى هجرة إلى البيت لمشاهدة ربه جل وعلا وفهم رموز الحج.

يبدأ المسافر من بيته إلى الحج بأن يسافر أولا من معاصيه ومخالفاته للشريعة إلى الطاعات والخضوع لسلطان الشرع، حتى يكون كما قال الله تعالى : ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾( التحريم ٦ ).

فإذا تحقق سفره من المعصية إلى الطاعة، ومن المخالفة إلى التسليم للشرع أشبه عالم الملكوت، فكوشف بأسرارها، لديها ينتقل فى كل مرحة يقطعها من الأرض إلى مقام من مقامات القرب، فينتقل من التوبة مثلا إلى الخوف، فالرجاء، فالحب ، فالجمع، فالفرق، فالسكر فالصحو ، فالغيبة، فالحضور، حتى يحل فى مقام الفناء.

فيحرم تجريدا من نفسه ومن الدنيا والآخرة، كما أحرم بتجريده من المحيط والمخيط والنساء والصيد والطيب، فإذا لم يتخل عن دواعى بشريته ومقتضيات نفسه البهيمية والشهوانية ولوزام هواه وحظه الإبليسى – كما تجرد من المحيط والمخيط – فليس بمحرم، ولكنه مقلد جاهل بحكمة أحكام الله، ولا يكون محرما حقا إلا إذا تجرد من كل تلك المعاني.

فإذا صح إحرامه زكت نفسه فجانست العالم الأعلى قربا من الله تعالى، فجمله الله تعالى بالجمال الموسوى ، ومنحه سمعا يسمع به من الله يسمع به من الله ، فيسمع دعاء الله إياه إلى دار سلامه وبيت مواجهته، ليقف على أعراف المعرفة، وعرفة الشوق إلى الله تعالى، فيقول وجدا لا تواجدا: ﴿لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) فيشهد عند التلبية مشاهد المستجيب لله الحاضر معه، فيقوى وجده وينمو شوقه ويفر للقرب، ويقهره حاله فيكرر التلبية مشاهدا مستجيبا لله ومجيبا.

فإذا استجاب الحاج لله سامعا بالله تعالى، مبصرا بالله تعالى وصل إلى عرفات المعرفة، فوقف على طور المناجاة وقفة حضور مع الله وغيبة عما سواه فقربه وأدناه، وتنزل له جل جلاله وناجاه بعد زوال شمس الكون وإشراق شمس المكون، فحصر مع الله وذكر ، ولبس حلة العبودية وشكر، وابتهل متضرعا وخشع قلبه خانعا. فآنسه الله على بساط منادمته، وأطلق لسانه بالدعاء، وعمر قلبه بالرضا، فكان وهو فوق عرفات كأنه على طور سينا المناجاة، ممنوحا هيمان الشوق إلى رؤية ربه، وكان بين جواذب شهوده فى بيته الذى هو مول وجهه إليه فى وقفته ، وبين نار الاصطلام إلى دار السلام.

ثم يندفع بعد غروب شمس أفقه المبين بشروق شمس أفقه الأعلى ، فارا إلى ربه حسا ومعنى، فوصل إلى مزدلفة الزلفى، ونازعته نفسه إلى حظه وهواه فأفرد وجه ربه بالقصد دون غيره، وكانت الزلفى عنده أن يقصد الله وحده، ومن وصل إلى مزدلفة فلم يفز بالزلفى فهو بالمنزل السفلى، ومن صلى بها المغرب والعشاء جمعا وقصرا رفعه الله قدرا ففاز بالجمعية الكبريائية الخاصة مع الله والله معه، وسارع فى وقت تنزل الحق جل جلاله سحرا، فجمع حصى جمرة العقبة ليرمى من قلبه نسبه وحسبه، ويتجرد من محيط الأسوار ومخيط الرسوم الهيكلية، ولديها ينفجر فجر نور الحقائق فيصلى صلاة الصبح بقلب المخلص الصادق.

ويدفع مسارعا ليقتحم العقبة، متبرئا من نسبة جوارحه المجترحة إليه فيرمى جمرة العقبة ويرمى مع كل حصاة جارحة من السبعة، وهى السمع والبصر والشم والذوق واللمس والبطن والفرج.

فإذا رماها قفلت أبواب النيران وفتح أبواب الجنة ، فدعاه ربه لزيارته ، فأسرع إلى إزالة أخلاقه البشرية بحلق رأسه ، ونحر نفسه الأمارة بالسوء بنحر هديه، فكان كما قال تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِى بِهِ فِي

النَّاسِ ﴾( الأنعام ١٢٢ ).

فلما صار حيا بحى يسعى نوره أمامه وعن يمينه، ويسمع ربه يدعوه إليه، ففر إلى الكعبة مسارعا فطاف تشبيها بالحافين حول عرش الرحمن بالكعبة المطهرة، فلحظ سره وأقبل عليه وأكرمه بكل شوط من السبع بمواجهته عند الحجر الأسعد روحا وجسما، فقبل الحجر بفمه الحسي، وشهد اليمنى بنفخته القدسية فدعا وابتهل ، ثم طاف الثانى فتنزل له سبحانه عند الركن اليمانى فانجذب قلبه شوقا إلى مولاه، فمس الركن الثانى متقربا ودعا موقنا بالإجابة، وأتم سبعة على هذا النمط ، فما أن، أتم طوافه واجهه ربه مواجهة المحسن المتفضل غافر الذنب وقابل التوب.

فلما أن واجهه سبحانه بعد تمام سبعة، أحب أن تكون تلك المواجهة وهو قائم يصلى فى مقام الخليل فصلى ركعتين انمحى بها البين من البين حتى وقعت العين على العين فى حصون التنزيه.

فاشتاق إلى المؤانسة فى مقام الصفا، فقبل الحجر وسارع مهرولا حتى صعد فوق الصفا، فتنزل له ربه فابتهل ودعا ونزل ساعيا، حتى إذا وصل إلى وسط الوادى اشتد به الهيام فهرول هرولة المشتاق، فلما جاوز الوادى حصلت له السكينة فسعى سعى المؤدب، حتى وصل إلى المروة وصعد بعناية الله مرتفعا ودعا ربه متضعا، فبسط له بساط الأنس ودعاه إلى الصفا بعد الوفا، فرجع مسرعا حتى بلغ مقام الصفا فزال الجفا وحل الوفا، وأتم سعيه بين الصفا والمروة فأكرمه مولاه وبنزاهة ناجاه.

وأمره بالعود إلى دار ضيافته إلى منى بلوغ المنى ونيل الهنا، فرجع فى روض الإطلاق وحلة الإحلال، وصار الحق جل جلاله معالم بين عينيه، لا يغيب إذا غاب الغافلون، ولا يجب إذا حجب الجاهلون ، متنعما فى روض المشاهدة مدة الأيام المعدودات بعد المجاهدة مدة الأيام المعلومات، فلما دخل رياض الضيافة بمنى زال العنا، واضمحلت الدنيا فى عينيه وترك أمانيه الباطلة.

وقام فى اليوم الثانى فرمى الجمرات بعد صلاة الظهر ودعا الله فى الجمرة الأولى والثانية وختم بالثالثة.

فى اليوم الثالث من يوم الأضحى تقرب إلى الله بما يحبه جل جلاله ، ورمى الجمرات بعد الظهر داعيا تائبا منيبا مستغفرا فى غيبة عن الدنيا ومقتضياتها، فكشف عنه الحجاب فعلم أن الكون كله بيت الله تعالى، وتحقق أن قلبه هو بيت الله المعمور بآثاره العلية وأنواره الربانية، وهو البيت الذى لا يفارقه وإن فارقه بيت مكة.

فأسرع إلى البيت مودعا معتقدا أن ربه معه حيث ولى وجهه، ورجع إلى أهله بالمغفرة والمثوبة ، حاضرا مع به لا يغيب، مراقبا عظمته وجلاله لا يغيب،وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

من كتاب 

هداية السالك إلى علم المناسك 

للإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم