الإمامة والخلافة

د/محمود محمد حسانين
22/11/2022
شارك المقالة:

 الإمام في اللغة هو من يأتم به الناس من رئيس أو غيره ، ومنه إمام الصلاة.

والإمام هو الخليفة وقائد الجند ، وهو القرآن للمسلمين ، قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) }سورة يس - الآية 12{ ، والإمام هو الطريق الواسع الواضح وهو العالم المبين كلام الله وكلام رسوله.

ولكن المراد بالإمامة في كلام الله تعالى هو النبوة. وقد أكرم الله الخليل فأقامه إماما للناس إلى عصرنا هذا ، قال تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) }سورة الحج الآية 78{ ، ولا يقتضي هذا عموم رسالته كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بل لأن رسول الله صلى الله عليه وآله هو دعوة أبيه إبراهيم ، ولأنه سمانا المسلمين من قبل ، وأما رسول الله صلى الله عليه وآله فإنه بنص قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) }سورة سبأ الآية 28{ وقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) }سورة الأنبياء - الآية 107{.

وقد تتفق الإمامة والخلافة في المعنى إذا كان المراد من الخليفة هو الإنسان الذي جمله الله تعالى بالعلم والحكمة والعدالة والرحمة ، وكما ذكره الإمام أبو العزائم مبينا أنه قد صاغ الله نفسه من أصفى الجواهر النورانية وجعله وسطا ، وأيده بروح وقوة منه سبحانه ليدفع ظلم الظالمين وكيد الكائدين ، ويكبح جماح النفس الشهوانية والغضبية، ويحفظ الثغور من شرور الأعداء ، ويقيم الحدود لتعيش الأمة في هناء وصفاء ، ويقطع شأفة ما يضر بالقوى النفسانية إذا أبيح في المجتمع كالخمور والمخدرات والمنومات وما يضر بالأجسام ويفني الأموال كلعب الميسر ، وفتح أبواب المناظرات والجدل والتفاخر ، ويمحوا الاختلافات الناتجة في الأمة بسبب الزنادقة والغلاة في الدين ، وأهل الآراء الباطلة والمذاهب المضلة ، ليكون المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له بقية الجسد بالسهر والحمى.

وهذا الخليفة يجب أن يكون مجملا بالخصال التي توجب على الأمة انتخابه ، وهي ست خصال:-

  1. أن يكون حكيما.
  2. أن يكون عالما حافظا للشرائع والسنن والسير التي دبرها السلف الصالح للمجتمع الإسلامي ، محتذيا في أفعاله كلها حذو السلف الصالح.
  3. أن يكون له جولة استنباط فيما لا يحفظ عن السلف شريعة فيه ، ويكون فيما يستنبط ناهجا منهج الأئمة السالفين .
  4. أن يكون له جودة روية وقوة استنباط للحكم الوجودي في الأحداث الزمنية التي لم تقع في عصر السلف ، وأن يتحرى في ذلك ما فيه صلاح الأمة .
  5. أن يكون له مقدرة على الإرشاد بالقول المؤثر الجلي على منهج السلف ، وأن ما استنبط بعدهم على منهجهم .
  6. أن يكون له جلد وثبات بدني ، ليباشر بنفسه أعمال الحرب ، وذلك بأن يكون ملما بالفنون الحربية بكامل أنواعها .

فإذا لم تجد الأمة هذا الرجل المجمل بكل تلك الخصال يجب أن ترجع إلى مبدأ الشورى ، فيقوم خير رجالها بتشكيل مجتمع من الأفراد كل واحد منهم جملة الله بخصله ،  فيكون مجموع الخصال التي تجمل بها أهل الحل والعقد هي الصفات التي إذا جمعت في شخص كان هو الخليفة، وبذلك نجد ن الخليفة في هذا الوقت هو عبارة عن مجموعة من الأفراد يتقلدون أمور المسلمين.

مما سبق يتضح أن الإمام هو بعينه الخليفة ولكن إذا توفرت فيه الشروط.

ولو نظرنا إلى الصحابة الكرام بعد انتقال سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله نجد العجب العجاب في أفعالهم ، فنجد أهل رسول منشغلون بتجهيز سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله ، وفي الجهة الأخرى نجد بعض الصحابة يجتمعون في مكان آخر لاختيار من يقودهم بعد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، ومع أن الحبيب صلى الله عليه وآله صرح لهم بوليهم في غدير خم واختار للأمة الإسلامية من يقودها ، إلا أن الصحابة كان لهم رأي آخر في اختيار قيادتهم من بعده ، ولكن نظرا لإخلاصهم وخوفهم على الدعوة الإسلامية جمع الله شملهم وجمع عليهم المسلمين ووحد كلمتهم ، ولكن إلى وقت معلوم لم يستمر كثيرا حتى تدخلت العصبية في قيادة المسلمين وظهرت الأهواء والفتن ، وكل ذلك لأن الأمة لم تقدم ما قدمه لها سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإلى الآن والأمة تعاني من ذلك.

فإن لم تتوفر الشروط تكون بذلك انفصلت الخلافة عن الإمامة فكانت الإمامة هي كل ما قيل من الخصال الحميدة من أمور الإمامة والخلافة السابقة، فكان الإمام هو المرجع الأصلي بعد سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت الأئمة هي السلسلة الطاهرة التي امتدت من سيدنا إبراهيم الخليل إلى سيدنا ومولانا رسول الله ، ومن بعده صلى الله عليه وآله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

أما الخليفة فقد تغير معناه إلى الأمير وجلالة الملك والسلطان والرئيس وعلى الدنيا السلام.

وننوه إلى أن الإمام الأعظم هو صورة رسول الله صلى الله عليه وآله في كل عصر ، وقد يكون ظاهرا مشهورا أو مستترا ، ولذلك قال الإمام علي عليه السلام: ( اللهم لا تخل الأرض من قائم لك بحجة إما ظاهرا مشهورا ، وإما باطنا مغمورا لأن لا تبطل حجج الله وبيناته).

أما ما يقال من أن هناك أئمة كالإمام الشافعي وابن حنبل ومالك وأبو حنيفة والعز بن عبد السلام وغيرهم فهم كما ذكرنا في البداية كل واحد إمام بمعنى قائد في هذا المجال سواء الفقه أو التفسير أو الحديث أو مجموعهم أو غير ذلك من العلوم ، بعكس الإمام الأعظم الذي هو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو إمام جامع لكل العلوم والحكم ، فلا يسأل عن شيئ إلا وكانت له عنده إجابة وهي مستمدة من جده سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا تعجب يا أخي فهؤلاء الأئمة هم معدن الرسالة ، خلقوا من طينته صلى الله عليه وآله ، رزقوا علم وفهم جدهم صلى الله عليه وآله.

وهنا أتكلم معك عن الإمامة الحقيقية وهي الإمامة العظمى التي هي أصل من أصول الدين ، والتي أشار إليها الإمام أبو العزائم عليه سلام الله في كتابه الطهور المدار على قلوب الأبرار بقوله : أن الإمام هو الصورة الكاملة لرسول الله ، والخليفة القائم لله بالله ، مجدد المنهاج ومقيم الحجة ، ومبين المحجة وهو المراد بقوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28].

وهؤلاء هم الأئمة من أهل البيت، لأن أهل البيت هم المرجع الأصلى بعد النبى ﴿صلى الله عليه وآله﴾ لأحكام الله المنزلة، فهم خزانة علمه ومعرفته، وتراجم وحيه، وأركان توحيده، كما قال ﴿صلى الله عليه وآله﴾: (النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتى أمان لأمتى من الاختلاف) (رواه الطبرانى، والشبراوى، والحاكم، وبن حجر فى الصواعق). وكما قال عنهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (إنما مثل أهل بيتى فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق) (رواه أبو نعيم، والفيروز آبادى، والهيثمى، والطبرانى، والحاكم، والخطيب البغدادى). وكقوله: (وإنما أهل بيتى مثل باب حطة فى بنى إسرائيل من دخله غفر له) (رواه ابن أبى شيبة، والمتقى الهندى، والطبرانى).

وزيادة على وجوب التمسك بأهل البيت يجب على كل مسلم أن يدين بحبهم ومودتهم، قال تعالى: ﴿ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾([1]) ولا شك أنه تعالى لم يفرض حبهم ومودتهم إلا لأنهم أهل الحب والوفاء لطهارتهم من كل ما يبعد عن دار كرامته، وساحة رضاه، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾([2]).

وكما شد الكتاب الناس إلى الذهاب إلى إمامة العترة من أهل البيت شدت السنة كذلك فى قوله صلى الله عليه وآله: (إنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتى أهل بيتى ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض) (أخرجه مسلم، وأحمد، والترمذى، والحاكم، والطبرانى).

وهذا الخطاب يقصد به جميع الأمة، كل جيل وكل عصر، فأمر المصلح الأكبر صلوات الله وسلامه عليه بالتمسك بالثقلين، وهما الكتاب والعترة، لأن بهما الهداية والرشد- عمر الدنيا- ما استمسكت بهما، فلا مناص أن يكون الكتاب خليفة لرسول الله ﴿ صلى الله عليه وآله ﴾، غير أن مداركنا قاصرة عن الوصول إلى هذه الكلية الواسعة فى كتاب الله، فلابد أن يكون له قوم يعرفون مدى ما فيه ويعلمون ما حواه، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ..﴾([3]).

ولو أهمل الرسول ﴿ صلى الله عليه وآله ﴾ الإشارة والإرشاد إلى الراسخين فى العلم وأصحاب التأويل لساغ أن يزعم كل ناطق بضلالة أنه الراسخ فى العلم وصاحب التأويل، فأبان صلوات الله عليه فى هذا الحديث أن عترته هم المقصودون بالثقل الثانى، فالأئمة من أهل البيت هم الكتاب الناطق الكاشفون عن أسرار الكتاب الصامت.

ثم أوضح لنا الإمام أبو العزائم بأن المرشد هو ذلك الإمام أيضا وهذا المرشد ينوع الأفكار ويقوي اليقين الحق ، وتزكوا به النفوس ، وتنشط به الأبدان للعبادة. ومن أكمل صفاته: أن الله يلقي عليه محبة منه فلا يراه مؤمن إلا أحبه ولا منافق إلا هابه ، ولا كافر إلا خاف منه ، فهو صورة رسول الله ، والمرآة التي أشرقت فيها معانيه المحمدية.

وبذلك يمكن القول بأن الإمامة أرقى من الخلافة وبخاصة في عصرنا هذا ، لأنها واضحة جلية.

 

([1]) سورة الشورى آية 23.

([2]) سورة الأحزاب آية 33.

([3]) سورة آل عمران آية 7.