الأسس الى ربى عليها الإمام السالكين فى طريق آل العزائم

أختر
05/03/2021
شارك المقالة:

أولاً: المحبة

ذكر الإمام أن الأساس الأول فى طريق آل العزائم هو المحبة، ولا ينال الإنسان المحبة إلا بعد العلم بثلاثة أصول [1]:

  1. العلم بصفات المحبوب.
  2. العلم بأخلاقه.
  3. العلم بما يحبه.
  1. أما العلم بصفات المحبوب فلابد أن ينال من عارف ربانى أمين سر الربربية، عالم بجواهر النفوس وأمراضها وقواها القابلة.
  2. وأما العلم بأخلاق المحبوب فينال بتحصيل سير الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أممهم، ومعرفة حكمة العالم علوا وسفلاً زجعله إمداداً للإنسان بعد إيجاده، وسر صوغ الإنسان بيديه، وجعل نشأته الأولى من طين، وحكمة نفخ الروح فيه، ومعنى سجود الملائكة له وإباء إبليس، ورجوعة إلى الجنة، ومعصيته فيها، ورده منها، حتى إذا تحقق من كل تلك المعانى أمكنه أن يصير مع الله تعالى بالمحبة، فإن من جها أخلاق محبوبه انقلبت المحبة بالبغضاء. وهذا العلم لا يحصل عليه المسلم إلا بصحبة الربانين أهل الخشية من الله تعالى والآداب معه، قال صلى الله عليه وسلم: (العلم بالتعلم) [2].
  1. وأما العلم بما يحبه المحبوب فتحصيله يكون بتلقى معرفة النفس، وبمعرفتها يعرف المسلم ربه ويعرف مراده جل جلاله فى إيجاد الإنسان وأن يكون عبداً لمولاه سبحانه متجملاً له سبحانه بالجمال الذى يحبه هو من عبيده، ولديها يكون ابن وقته، فإذا اقتضى الوقت محبوباً له ومحبوباً لله قهر نفسه على أن تفعل ما يحبه الله مهما ناله من الضرروالبلاء فى سبيل ذلك، وليس من تقرب إلى الله بأكمل القربات بمحب لله، فإن الطاعة يعلمها البار والعاصى، وإنما دليل محبة الله للعبد عما نهى الله عنه، وهذا أمر دقيق جداً، فكم من عابد يوالى عدو الله تعالى أو يفعل ما يكرهه الله مما نهاه عنه ويحتقر هذا العمل.

هذا الأساس وهو المحبة، هو الأصل الذى أسس عليه الدين، ولولاه ما صبر رسول الله فى الدعوه إلى الله، ولا بذل الأنصار والمهاجرون نفوسهم وأموالهم وأوطانهم فى سبيل محبة، ولا صبر عبد على صلاة ولا صيام ولا حج ولا بر ولا صدقة ولا جهاد. ومن لم يذق صافى شراب المحبة وملأ بطاح الأرض وصفاح السماء بالعبادة فإنما هو أجير سوء. وما أثنى الله سبحانه فى كتاب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالأعمال التى أنتجتها المحبة، فلم يقل يصلون ولا يصومون ولا يحجون فى مقام الثناء، ولكنه قال: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)  [3]، وقال: (يحبون من هاجر إليهم)  [4]، وقال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً)  [5].ولقد وردت أحاديث كثيرة فى الثناء على رجال من الصحابة بما قاموا به من الأحوال الدالة على كمال المحبة.

فكل رجل من رجال آل العزائم ينبغى أولاً أن يحصل المحبة. ومتى عقد القلب على قدر حبه من المحبة جذبته العناية إلى الله تعالى فأحبه سبحانه. والمحب كيف يخالف محبوبه؟ فمن فعل مكروهاً أو ترك مندوباً من أحكام الشريعة وادعى أنه سالك فى طريق آل العزائم فدعواه تحتاج إلى حجة. وكثير من الإخوان يدعون المحبة وتلوح عليهم أشرف علامتها حتى يكونوا كالراح والريحان لغيرهم..تعتريهم فترة فلا يزورون المرشد، ويزيدون على ذلك الاعتذار، والعاشق لا يعتذر.

ثانياً: المجاهدات

يقول الإمام رضوان الله عليه [6]:

والأساس الثانى هو المجاهدات. والجهاد بذل ما فى الوسع لدفع العدو أو قهره حتى يخضع، وهو الأساس الذى تقوم به الحجة على قوة الإيمان، والركن الذى تتضح به المحجة للسير إلى الفوز بالرضوان، وبدونه كل أعمال المؤمن دعوى تحتاج إلى دليل. الجهاد الكبر الذى لا يصبر عليه إلا آل العزائم من كمل الصديقين.

والسالك بين جيشين عظيمين: جيش الحق وجيش الباطل، والجيشان فى ميدان المنافسة للظفر بالملك، وجيش الباطل فى الإنسان أقوى وأكثر من جيش الحق، فإن ما يجاهد عليه جيش الباطل ليناله محسوس ملائم للنفس وما يجاهد عليه جيش الحق غيب ينال غداً، وما كان محسوساً كان أقوى فى الإغراء والرغبة فيه. لذلك يجب على السالك فى طريق آل العزائم ألا يتهاون فى أمر جهاد العدو صابراً مصابراً مرابطاً، وأن تكون يقظته أتم عند قهر هذا العدو وعند الهدنة، فإن للشيطان والجظ والهوى دسائس خفية قد تظهر فى فضائل ومحاسن.

وقد يلتبس على السالك بحسب دسائس العدو العادة بالعبادة، والطمع بالمحبة، والرياسة بظن تجديد السنة، فيكون هاوياً فى مهاوى الضلال معتقداً أنه من عمال الله، لذلك لزم أن يهتم فى حال المجاهدة بتخليص النوايا والقصود، فقد تكون المجاهدة باباً من أبواب الشيطان لجهل السالك بدسائس النفوس- كما يحصل لمن يحب الخلوة من الغرور- ووسوسة العدو وما يتولد فى قلبه من حب الشهرة والسؤدد بذلك، أو نيل الكشف والمشاهدة وعلم الضمائر واستخدام الأرواح لجلب الخير ودفع الضرر، أو الزهو بالنفس وكرامتها من التدنس بالاجتماع على العامة، وتلك أمراض خفية. أما العلل الباعثة التى يقصدها أهل الغرور، فصاحبها ليس بسالك فى طريقنا هذا.

وأنواع المجاهدات ثلاثة:

(1) مجاهدة الحس والنفس والعقل والجسم فى التسليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسليماً يكون السالك به اشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم فى جميع شئونه.

(2) ثم مراقبة السالك نفسه على نيل الكمالات التى لا تلائمها من مراقبة الله فى كل أحوالها حتى يستحيى أن يعصى الله فى الخلوة.

(3) ثم الرضا عن الله بالقليل من الضروريات، وهذا النوع يجب أن يكون المجاهد فيه محافظاً على أيدى الأئمة الهادين المرشدين فلا يستظهر عليهم، حفظاً على الوسط. وكفى المجاهد شرفاً أن يكون منهم أو معهم، لأن هذا النوع مزالق أقدام السالكين، فقد يتجاوز آدابهم فلا يستطيع فينقلب والعياذ بالله، يقول الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) [7].

ثالثاً: علوم الرسالة الخمسة

وهو أساس شامل لعلوم كثيرة. ولما كان من وظيفة الرسالة أن يقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم بتعليم خمسة أسس لأمته عناها ربنا تعالى بقوله: (كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون)  [8]،

فهذا يعنى أن هناك علوماً خمسة هى:

  1. علم الآيات.
  2. علم تزكية النفوس.
  3. علم الكتاب.
  4. علم الحكمة.
  5. العلم اللدنى.

ولما كان العلماء ورثة الأنبياء كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء العلماء كثيرون فى كل عصر، وكل يرث على قدر ماعونه من الأنبياء والرسل فإن الوارث الفرد الكامل-شأنه شأن أئمة العصور التى سبقته- يجب أن تكون وراثته من المصطفى صلى الله عليه وسلم بالذات، لأنه الرسول الخاتم للأمة،وهى الوراثة الكامله لهذه العلوم الخمسة.فإن تحققت فيه بالكامل، فهو الفرد الوارث الجامع لجميع أنواع الوراثة، وهو إمام العصر، وهو قرة عين المؤمنين وكعبة أرواح السالكين وطريق رب العالمين، ورؤيته عين المزيد وعين اليقين وحقه. إن النبوة مقام، والرسالة وظيفة، وإن الوراثة هى حمل أمانة الوظيفة.

 

وقد طلب الإمام من من مريديه والمنتسبين لطريق آ ل العزائم ضرورة تعلم هذه العلوم.

وهنا يتحتم علينا أن نقف قليلاً لنوجز وبقدر الإمكان فى شرح علوم الرسالة الخمسة التى يرثها الوارث الفرد الكامل من رسول الله صلى الله عليه وسلم،  ومنهج الإمام التربوى فيها:

  1. علم الآيات:

وهذا هو العلم الأول الذى ربى الإمام تلاميذه عليه. وقد بين الإمام أن هذا العلم لا يعنى آيات وسور القرآن الكريم، ولكنه يعنى: آيات الكيان، وآيات الإنسان، ففى آيات الكيان يقول عز وجل: (إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون  فى خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار)  [9]، (وكأين من آية فى السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)  [10]، وفى آيات الإنسان يقول تعالى: ( فلينظر الإنسان مما خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب)  [11]، ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى)  [12](ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم تنتشرون) [13] . ودفعاً للتخبط الفكرى أو الشطط الفلسفى أو الإنكار الترددى فقد ربط الخالق سبحانه مظاهر بعث الأكوان ببعث الإنسان فيقول: (يا أيها الناس إن كنتم فى ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر فى الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى ارذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئاً وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شىء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من فى القبور)  [14].

والإمام أبو العزائم يلفتنا إلى ما فى الآيات من ذكر ثم فكر ثم شهود، ويتكلم بإسهاب عن: آيات السماع، آيات العقل آيات الفكر، آيات الفقه، آيات التدبر، والآيات الخاصة بأولى الألباب، وبأولى الأبصار، وبأولى النهى، آيات وآيات يعجز العقل عن حصرها. كل هذا سواء فى دروسه أو فى كتبه، والضنائن بثه فى مواجيده، وهذه المواجيد التى تبين الآيات تكون منهجاً كاملاً من مناهج علم الإمام، وفسر آيات الآفاق والأنفس عندما جاء ذكرها عند تفسيره للقرآن الكريم- وكم فى الكتاب منها- تفسيراً عصرياً كاملاً، كل هذا ليدرب المسلم والمؤمن والمحسن والموقن وكل حسب مقامه، وليدرب المريد والسالك والواصل، وكل على قدر ما عونه، ورسم له الطريق ليسير على أرض الطاعة وعلى أرض العبادة متزوداً بزاد المتقين ومراقباً عظمة الرب جل جلاله ليشهد الأثار المحيطة به بعينى القدرة والحكمة فينتقل من رؤية أثر إلى رؤية الآية التى بثها الله فى هذا الأثر، فعين الرأس واقعة على الأثر وتراه أثراً وعين القلب تشهد بجوار ذلك الآية فى الأثر. وبإشراق نور الآية فى الأثر ينتقل العبد إلى أنوار التجليات ثم إلى الأسماء والصفات ثم إلى أنوار مجلى الذات. ويطلب الإمام من السالك أن يطلب الخبير الذى يكشف له الغطاء عن الآيات التى أودعها الله فى الافاق وفى الأنفس (وفى الأرض آيات للموقنين وفى أنفسكم أفلا تبصرون)  [15]، ويبين الإمام أن قول الله سبحانه وتعالى: (واذكر ربك فى نفسك)[16]  يقصد ربنا به أن يكون الذكر فى مملكة النفس التى جعله الله بها إنساناً، لا فى السر، فينكشف الغطاء عما بالإنسان من أسرار باريه، حتى يعرف نفسه فيعرف ربه. وإذا ما تراءات فى الإنسان أسرار ربه التى أودعها فيه وأشرقت عليه أنوار باريه ذكر ربه فى نفسه، هنا يتحقق الذكر الحقيقى فى الآفاق وبعدها فى النفس، وبهما يكون الذكر الأكبر.

إن علم الآيات علم عزيز، إذا تدرب عليه السالك تغير حاله من سىء إلى حسن ومن حسن إلى أحسن وهكذا. ومن سار فى درب هذا العلم فإنه لا يغيب عن مولاه نفساً، وكيف يغيب؟ وهو إذا نظر إلى الماء ذكر الحى، وإذا نظر إلى السماء ذكر الرافع، لأن المرفوع قد اختفى رغم وقوع عين الرأس عليه لتظهر أنوار الرافع، وإذا نظر إلى الأرض

ذكر الباسط ، وإذا نظر إلى سريع يسرع كقطار أو طائرة أو أى لون من ألوان السرعة ذكر السريع، وإذا نظر إلى الجبال ذكر القوى المتين، وإذا نظر إلى حاكم يحكم ذكر الحكم الحاكم العدل، وإذا نظر إلى إنسان ذكر السميع والبصير والمتكلم، وإذا نظر إلى عالم ذكر العالم والعليم والحكيم، وإذا وقعت عينه على أى كائن تغيب المبانى وتسطع المعانى، والإمام يقول:

وإن نظرت عينى إلى أى كائن        تغيب المبانى والمعانى سواطع

لأن المعانى الشمس والكل أنجم       إذا أشرقت فالنجم بالشمس طالع

    1. علم تزكية النفوس:

وهذه هى المرتبة الثانية فى منهج الإمام لعلوم الرسالة الخمسة بعد تعلم علم الآيات ثم التدريب العملى عليها، والإمام يقول: (إذا زكت النفوس أشرقت عليها شموس القدوس، وتزكية النفوس قبل تلقى الدروس) . والنفس إذا تزكت زكت، وإذا زكت أفلحت، والفلاح هو الفوز بجميع المقاصد الدنيوية والأخروية، قال تعالى: (قد أفلح من تزكى)  [17]، وقال سبحانه: (قد أفلح من زكاها) [18].

لقد تكلم الكثير والكثير من العلماء بالله فى عصورهم عن النفس وأمراضها وطرق تزكيتها، وذلك من باب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عاد من غزوة من غزواته وقال: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر: جهاد النفس)  [19].وقد سار الإمام على نهج من قبله، ولكنه بسط الأمر على أهل عصره واختصر لهم الطريق. وما من كتاب من كتبه إلا وتكلم فيه عن النفوس وتزكيتها، وفى كل كتاب لون مخالف لما سبقه، وأفرد لذلك المقالات العديدة التى تحث على ذلك، ولم يترك مريد الحق بدون أن يوجد له العلاج وفى دائرة التحصين بحصون الأمن والأمان، ووضع مفاهيم جديده لهذا العلم متمثلة فى كتاب: (محكمة الصلح الكبرى) ، تلك الجامعة الكبيرة والحديثة التى تمثل منهج الإمام التربوى فى علوم النفس، وتوج هذا العمل بمناهج السير والسلوك التى بثها فى مواجيده المتعددة، وهى ما تعرف بمواجيد السير والسلوك.

بسط الإمام الأمر، وأراد أن يختصر الكلام الصعب، وكذلك أن يخرج من دائرة الفلسفات التى لاتغنى ولا تسمن من جوع، فشرح للمريد النفس وتطورها وترديها ليكون على بينة من الأمر، فبين الإنسان مثنوى من حيث تركيبه، فهو مكون من: جسم ظاهر بجوارح، وحقيقة باطنة وهى ماتسمى بالحقيقة الروحانية. والحقيقة الروحانية أيضاً لها ظاهر وباطن، وهى ما يطلق عليها بالنفس، إذ أن المثنوية لا تفارق الإنسان حتى ولو كان فى الجنة حتى ينفرد الله بالأحدية.

والجسم وهو الظاهر، مدته محدودة فى الدنيا، وعند نداء الحقيقة الروحانية للخروج من الدنيا فإنها تترك الجسم وتعود. وقد يسر الله لعباده هذا الفهم فى الدنيا عن طريق الرؤيا، فعند الإستغراق فى النوم يبقى الهيكل أو الجسم فى مكانه وتنطلق الحقيقة وتتجول، فلا تتقيد بالجسم، بل تكون فى حالة إطلاق كامل ومبهر، فقد تتواجد فى أماكن مختلفة وبعيدة عن بعضها فى لحظات، وقد تطير فى الهواء، وقد تمشى على الماء، وقد تلتقى بالأحياء والأموات، وقد يكون من تلتقى بهم نائمين أو أيقاظاً، فهذا كله لا يختلف، والله سبحانه يقول: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى غلى أجل مسمى) [20]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عند نومه ويعلمنا أن ندعوا بهذا الدعاء قبل النوم: (باسمك ربى وضعت جنبى (عن النوم) وبك أرفعه(عند الاستيقاظ) ، إن امسكت نفسى (أى أمتها أثناء النوم) فارحمها (أى البرزخ) وإن أرسلتها (أى أعدتها إلى هيكلها ليستيقظ)

فاحفظها (فى الدنيا) بما تحفظ به عبادك الصالحين)  [21].

ويبين الإمام أن الحقيقة الروحانية كانت قبل خلق جسم آدم فى عالم الإطلاق سابحة فى الملأ الأعلى. وقد شاهدت هذه الحقيقة جمال ربها وسمعت لذيذ كلامه فى يوم ألست بربكم أو يوم الذر، فقد تجلى لها الحق، فشهدت وسمعت، وعوهدت ووثقت وقالت: (بلى شهدنا) مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: (وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهور ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما اشرك أباؤنا من قبل) [22] إلى آخر الآية. ولما أراد الله إبراز كل حقيقة بحسب ظهورها على مسرح الحياة الدنيا لازمت كل حقيقةروحانية هيكلها فى عالم الأرحام واستترت به، فاصبح الهيكل برقعاً وستاراً لها، وهذا اليوم هو ما يعبر عنه بيوم بطن الأم من ضمن أيام الله (وذكرهم بأيام الله)  [23].ويبين الإمام أن النفس ظلت (وهى اللطيفة النورانية الربانية) فى صفائها وفى طهرها، إذ أن أصلها صفاء فى صفاء وطهر فى طهر، إلى أن اتصلت بالعنصر الترابى. وبعد أن امتزجت به اختلف أمرها، فقد تهادت من عليائها ونزلت إلى أرض المادةواتصلت بالهيكل المادى ظلمانى بطبيعته ويميل إلى أسفل، فما هو من الأرض فهو أرض، فحجب الهيكل الحقيقة الروحانية بظلمته، والله بحانه وتعالى يقول: (لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجرٌ غير ممنون)  [24].

ويوضح الإمام أنه بطول المدة، نسيت الحقيقة الروحانية عالمها الروحانى باختلاطها بالمادة والتراب فاحتاجت لمذكر، وهذا هو سر إرسال الرسل وبعث الأنبياء، قال تعالى لحبيبة المصطفى صلى الله عليه وسلم: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)  [25]، وقال جل شأنه: (سيذكر من يخشى)  [26]، وقال تعالى: (وذكرهم بأيام الله إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور)  [27] . وعندما يذكر المذكر تتذكر الحقيقة الروحانية عالمها الروحى، وتتذكر يوم ألست بما فيه من عهود ومواثيق، وما فيه من جمال وجلال وكمال، وما كانت عليه الحقائق من صفاء وطهر وعفاف.

ولما كانت كل نفس فى الحياة الدنيا ستعود لأصلها فى يوم البرزخ وترجع إلى العالم التى قدمت منه والذى سترجع إليه (إنا لله وإنا إليه راجعون) [28] (وإليه يرجع الأمر كله)  [29] (وإلى الله ترجع الأمور) [30] (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه)  [31] (كما بدأكم تعودون)[32] ( كما بدأنا أول خلق نعيده...) ، وأول خلق فى الوجود هو المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأول خلق فى الإنسان هو حقيقته الروحانية (...وعداً علينا إنا كنا فاعلين) [33]..واحتاج الإنسان للمذكر فى الحياة الدنيا،واحتاجت النفس لداع يدعوها للإيمان، فهى مؤمنة أصلاً ولكنها نسيت عهدها وميثاقها بسبب ملابستها لهذا الهيكل الطينى والذى له مستلزمات ومتطلبات تختلف بالكلية عما تحتاجه الحقيقة الروحانية، ليبين لها طريق المجاهدة حتى تصفو وتعود إلى أصل فطرتها النرانية الصفائية وهى هنا فى الدنيا، بعد أن أتاها ما عكر صفوها.

والنفس واحدة وقواها كثيرة، ولكن كل صفة من صفاتها تاخذ معان كثيرة، والمطلوب ان تكون هذه القوى فى دائرة الخير. وهذه الصفات غير تنوع النفوس إلى نفس أمارة ولوامة ومطمئنة وراضية ومرضية. ومثال ذلك أن إنساناً دخل المدرسة الابتدائية وحصل على شهادتها فزادت معلوماته وتغيرت الصور الداخلية فيه حسب المعلومات التى وصل إليها، وهو واحد. ثم ترقى هذا الإنسان معنوياً بحصوله على الشهادة الإعداية، وزاد ترقيه عندما أنهى المرحلة الثانوية، وازداد ذلك بحصوله على البكالوريوس أو الليسانس، ثم الماجستير والدكتوراه. إن الحقائق التى ترقت فى هذا الإنسان داخلية وليست خارجية، وقد أصبحت هذه القيم المعنوية العليا مجالاً فى ارتقاء حقيقته الباطنة.وقد تكون هذه القيم المعنوية من علوم ظاهر الحياة الدنيا التى يشترك فيها المسلم وغير المسلم، وقد تكون بالإضافة لهذه العلوم علوم أهل الله وهى علوم الكتاب والسنه، وبعض العلوم الخاصة ولكنها

خاصة المخصوصين لا يكرم بها إلا الصفوة من عباد الله ولا يذوق أذواقهم فيما علموه إلا من هو منهم من أهل الإستجابة.

(1) فالنفس التى تميل إلى القهر وحب الإنتقام وحب الغلبة هى النفس السبعية.فإذا ظهرت هذه الرعونات على النفس

فتكون النفس المتصفة بالصفات السبعية هى المستولية والمستعلية على الصفات الأخرى بالرغم من وجودها.

(2)نفس تميل إلى الحرص والبخل والشح يقال: إنها نفس نباتية.

(3)إذا زادت على ذلك تصبح نفساً بهيمية وهى حب الشح وحب البخل والادخار المزرى.

فالصفات تختلف من حال إلى حال فتكون نفساً جمادية فى وقت ما، وفى بعض الأحيان تكون نفساً نباتيه، وفى أحيان أخرى بهيمية وسبعية. فإذا ما صفت هذه النفس بالتزكية تصبح نفساً ملكية. والنفس الملكية مع صفائها تعتريها الرعونات والنوازع فى كثير من الأحيان إذا غلب الحال، وكان المحيطون بصاحب النفس الملكية قرناء للسوء فلا يرى ولا يسمع منهم إلا الشر. وهذه الأحوال السيئة المحيطة قد تنعكس فى لحظة ما بظلمتها على صاحب النفس الملكية فتعتريها رعونة. وقد تأتى الرعونه عن طريق رد شتيمة وسباب أو الزيادة عليها، و(المسلم من سلم الميلمون من لسانه ويده)  [34]، والأمثله فى هذا المجال كثيرة ولذلك فلو جالس الإنسان أهل الصدق، انعكس أنوار صدقهم على جوهر النفس فتزداد صفاء ورقياً وعروجاً، وهذا هو سر توجيه ربنا سبحانه لنا فى قوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)  [35]، وقوله تعالى: (قلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)  [36].

والنفس تميل إلى الرياسة لأنها تحس بأصلها، والإمام يبين ذلك فيقول:

والنفس داعية الرياسة فاحذرن          فرعونها تنجو من الداء الدفين

والمثال هنا أن الإنسان عندما يكون أبوه أو جده من أصل عريق أو مرموق فى المجتمع حتى لو لم يكن يملك شيئاً ولكنه يحس بنفسه أنه على صورة أبيه أو صورة أجداده. ولكن الصورة التى أسجد الله لها ملائكته تحس أنها الكل  فى الكل، والحديث النبوى الشريف يقول: (خلق الله آدم على صورة الرحمن) [37] وفى حديث آخر (خلق الله آدم على صورته) [38]وكذلك الصور التى خرجت منها، ولكن ليس الكل قد خلق على الصورة ولكن النفس التى زكت وصفت واستقامت هى التى خلقت على الصورة، لأنها استنارت واتحدت بأصلها فوصلت واتصلت وأشرق عليها نور الأًصل فظهرت من خلالها الأنوار وسمعت منها الأسرار، وما جاز لأبينا آدم يجوز لكل نفس زكاها ربنا.

وعلى ذلك، فإن الإمام يقرر أن التزكية معناها أن يستحضر العبد العود للبدء الذى جاء منه وهو هنا فى عالم الدنيا حتى يحين موعد انتقاله إلى برزخه. فإذا عاد للبدء بالعلم النافع والإشراق والحكمة الصادقة سار فى الدنيا كما سار أئمة السلف بالحق واليقين وبالإقبال والتمكين وبالقبول من حضرة رب العالمين. ويستمر العبد فى طلب التزكية طوال فترة حياته، ولذلك يقول الإمام:

مقتضى بشريتى طور الجهاد   لا  يفارقنى  إلى  طـور المعـاد

مقتضى بشريتى السفل الدنى    وهو حجب الروح عن نور المراد

وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال حديث شريف ثلاث علامات لقبول التزكى:

    1. التجافى عن دار الغرور: أى التجافى عن الدنيا، قال تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) [39]، وقال تعالى : (وما الحياة الدنيا فى الآخرة إلا متاع) [40]، وقال تعالى: (فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) [41]  أى عدم الركون إلى الدنيا وعدم التمسك بأهدابها.

(2) والإندابة لدار الخلود: أى يعمل كل واحد للدنيا على قدر المكث فيها وللآخرة على قدر المقلم فيها، والآخرة سرمدٌ وأبد، ولا مقارنة أبداً بين عالم النهاية وعالم اللانهاية.

(3) والاستعداد للموت قبل نزوله.. بالعمل الصالح [42].

ثم حدد الإمام ثلاث مراتب فى التزكية:

(1)مراقبٌ ليومه: وهو مقتنع أن مدته فى الدنيا ليوم واحد فقط لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (من أصبح آمناً فى سربه معافاً فى بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا)  [43]. فهو لا يحمل هم الغد لأن الله لا يحاسبه على الغد ولذلك فإن العبد لا يطالبه برزق الغد قبل ورود الغد، وهذا لايمنع وجود رزق أو شراء رزق فى الغد لعدة ايام. وإذا ترقى هذا العبد فإنه يصبح:

(2) مراقب لساعته: فله الساعة التى هو فيها، قال تعالى: (ساعة من نهار بلاغ)  [44].وصاحب هذه الساعة لا يضمن ساعة أخرى ولا يعمل أى تدبير بالنسبة لنفسه، ولكن للصالح العام والمجتمع الإنسانى فإنه يجب أن يخطط . فإذا ارتقى صاحب الساعة فإنه يصبح:

(3) مراقب لنفسه: وهى المرتبة الكبرى، لأن مراعاة الأنفاس أمر دقيق للغاية، وفيها جاء الأثر: (حياة المرء بين نفسين نفس يدخل وقد لا يخرج ونفس يخرج وقد لا يدخل) . إن النفس دليل وجود نفس، فإذا انقطع حبل النفس كان هذا دليلاً على خروج النفس، وفى ذلك يقول الله تعالى : (الله يتوفى الأنفس حين موتها...) [45] الآية . إن هؤلاء عمارة الأنفاس عندهم هى رأس المال، وإن أنفاسهم الداخله تكون بعلم وحكمة وإشراق، وأنفاسهم الخارجة تكون بذكر وفكر وتسبيح، ويتقلبون بين أنفاس هى هى عين المعارج يعرجون بها إلى أعلى الدرجات وأسمى المقامات لأن النفس عندهم أغلى من النفس وأعز من النفيس.

إن التطبيق العملى على ماسبق صعب جداً إلا إذا أعان الله ويسر له. وهذا كلام السابق بفرعياته له علومه المستفيضه عند الإمام.

أما الروح فانها سر تحريك العالم الظاهر والعالم الباطن، وهى سر من أسرار الحى القيوم، ولا طول لها ولا عرض ولا عمق، ولا تحيز ولا تحدد، ولا تحس ولا تجس ولا تمس. إن الروح تمثل عالم الأمر الكامل (قل الروح من أمر ربى...) وعند هذا الحد: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) [46].

إن تزكية النفس هى طهارة القلب. وقد كان الشاذلى رضوان الله عليه يبحث عن إمام، فكان يسافر ويتنقل من بلد إلى أخرى متكبداً فى ذلك مكابد الطريق والمشقة البالغة فى البر والبحر. وفى يوم من الأيام وصل إلى مسجد فسمع عالماً يلقى درساً ولكنه بذوقه أدرك أن هذا الكلام ليس عادياً فتقرب فى مجلسه منه حتى دنا منه وهو لا يدرى أنه الآن أما من يبحث عنه. نظر إليه الإمام عبد السلام بن مشيش وقال له: وقال له يا على قم فتطهر!! أثرت هذه الكلمة جداً فى الشاذلى بعد أن ناداه باسمه، فقام واعتسل وغير ملابسه وتوجه إلى حضرته، فكرر عليه ما قاله سابقاً، فقام واغتسل، وتكررذلك ثالثة. ولما جلس أمامه قال له يا على قم فتطهر من علمك وحكمتك وحولك وطولك ومادتك وزينة الدنيا التى فى قلبك. وأخذ يكلمه فى الطهارة المطلوبة منه وأنهل ليست الطهارة الحسية وأنها طهارة معنوية للحقائق الباطنة.

ونفذت كلمات الإمام فى قلبه فطهر وهو فى مجلسه، فنظر إليه نظره نبوية من باب الوراثة، بعدها قال له: قم فأنت أبا الحسن. نظرة من الإمام له أصبح الشيخ الجليل أبو الحسن الشاذلى مربى الرجال ومربى الأفراد، مربى أبو العباس المرسى، الذى ربى ابن عطاء السكندرى، الذى ربى ياقوت العرش.

3،4 علم الكتاب والحكمة:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم أصحابة علم الآيات فى الآفاق وفى الأنفس، ثم علمهم علوم تزكية النفوس، ثم فتح لهم علوم الكتاب والحكمة. وقد تأخر علم الكتاب والحكمة عن علم تلاوة الآيات وعلم تزكية الأنفس، فقد قال أبو هريرة رضى الله عنه: كنا نتعلم الإيمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن نتعلم القرآن، حتى إذا ما تلى علينا القرآن ازددنا إيماناً. على إيماننا. وهذا المنهج هو المنهج الذى أخذ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وفيه يقول تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون . الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون . أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم) [47].

ولما تليت الآيات وزكت النفوس أصبحت القلوب مهيئة لتلقى العلم النافع وهو علم الكتاب والحكمة. لقد انجلى القلب وأشرقت أنوار القدس الأعلى على أرض النفس وتأهل صاحب القلب السليم والنفس الزكية لتلقى العلم الذى سيطبقة عملاً. وفى كتاب علم الأحكام الشرعية، وهذه العلوم لها بداية ولها نهاية وإن طال مدى الطلب فى دائرتها. وكتاب الأحكام الشريعة يكلف به المسلم لتصح عباداته الكثيرة. وإذا ما جعل الإنسان قلبه مهبطاً لتنزل آيات القرآن (وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين) [48]  فإن الله يتجلى عليه بعلوم العلم الخامس وهو العلم اللدنى (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) [49] يدخل فى دائرة الذكر الأكبر (فاذكرونى أذكركم واشكروا لى ولا تكفرون) [50]، فيفقه الإنسان مايقال وإن كان صعباً لأن مقدمة علوم الآخرة موجود هنا فى الدنيا، فإذا تعرض لها هنا كان مؤهلاً للتلقى هناك.وبعد علوم الأحكام الشرعية تصح الصلاة وتصح الزكاه ويصح الحج ويصح الصوم، ويدخل الإنسان فى دائرة حكمة الحكم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة على قلبه ولسانه) [51]، والإخلاص سر بين الرب وعبده، فيعلمه ربه مالم يكن يعلم.

إن قراءة القرآن شىء والتدبر فى معانية شىء آخر، والنبى صلى الله عليه وسلم يحض على التفكير فى آلاء الله، ويحض كذلك على التدبر فى كلام الله. إن كلام الله صفه قديمة أزلية لا تنتهى معانيها (ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) [52]، وأوجد الله فينا مايسمى بالقابل النورانى وهو الإستعداد الروحى لفهم كلام الله والاندماج فيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا ما أكرم الله العبد بالقابل النورانى واكرمه كذلك بالعالم العامل أو المرشد الكامل انفعل قلبه، وتلقى بسر القابل من رب العالمين، وفقه عن سيد المرسلين.

وقال الإمام رضى الله عنه: (إنما رمز الرجال كنوز أسرارهم لأن الحكمة جلت أن يباح بها إلا لأهلها، وهى قوت الأرواح، فيجب أن تظهر وأن تنكر حتى يلتقتها أهلها من لسان العارف أو من المسطر على الأوراق من العوارف) . قال صلى الله عليه وسلم: (رب مبلغ أوعى من سامع) [53]. إذا لن تتضح لك الحكمة عند مطالعة فهاجر إلى الرجل أين كان، فإن فقدته فلا تفقد رياضة نفسك وتهذيبها.

 

5- العلم اللدنى:

ولا نهاية لهذا الميدان فهو علم الأسرار، وقد أعطانا ربنا الإشارة عنه مخبراً عن خضر موسى عليهما السلام: (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما) [54].وهذا العلم اللدنى لا يكون نتيجة للتقوى فقط ، لأن التقوى سبب وفيها مجاهدة ينتجان طهارة للنفس وسلامة للقلب واتصالاً للروح بأصلها وعالمها، أما العلم اللدنى فإنه هبة خالصة لا شأن لها باستقامة أو سير وسلوك أو مجاهدة للنفس وإن كان هذا كله مطلوب، إنما هى فضل محض على من يشاء الله من عبادة المتقين بلا علة عمل، يقول الإمام رضوان الله عليه مبيناً ذلك:

كم عامل فـى ظلمة لا يشهدن          إلا وساوس نفسـه بخيـال

والفضل فضل الله يعطـى منة          بالحب فى طه العزيز الغالى

من لحظة فى الحب تشهد وجهه         وتفوز منـه بسـره والحال

تعطى العلوم وتشهدن فتترجمن          بلسان أهـل القرب والأبدال

وهذا العلم يشير المصطفى صلى الله عليه وسلم إليه بقوله: (إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمة إلا العلماء بالله فإذا ذكروه أنكره أهل الغرة بالله تعالى) [55]. وهو علم لكن عند أهله وهم أهل القرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً، وهم أهل الله وخاصته حسب حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أهل القرآن هم أهل الله وخاصته) [56].

وإذا كان القارىء للقرآن من أهل الصدق فى القراءة ومن أهل الإقبال فى التلاوة، صقل الله بأنوار التلاوة مرآة قلبه، فظهرت فيها صور التجليات الإلهية التى لا حصر لها والتى لاتنتهة ألوانها، فتظهر آثار التجليات على الجوارح الظاهرة.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علمه ربه علوم الأولين والآخرين وآتاه جوامع الكلم، فسيدنا عيسى كلمة من كلمات الله، والنبى صلى الله عليه وسلم يمثل جوامع الكلم، والكلم إطلاق يفيد اللانهائية، وبالرغم من ذلك يقول له ربه تبارك وتعالى: (وقل ربى زدنى علما)[57] مع أنه علمه وكاشفه وجمع له الأزل والأبد فى أن واحد، وكان وهو فى حجراته يجتمع بعالمى الإنس والجن،والملائكة والأرواح العالية، لا تحجبه مادة ولا تمنعه سماء، ولا يحجب سمعه ببعد مسافة، وكان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ويبيت عند ربه فيطعمه ويسقيه، ويسمع ما فى السماوات ومن فى السماوات ويراهم، ويسمع أطيط السماء ويرى ازدحام الملائكة فيها.. ومع كل هذا فربه يقول له: (وقل رب زدنى علما) . ولكن ماهو العلم الذى يطلب الزيادة منه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أهو علوم الآيات وتزكية النفوس والكتاب والحكمة؟ أهو العلم اللدنى؟ والعلم اللدنى على قدرنا نحن لا على قدرة هو؟ إنها علوم غيبية ذاتية تتعلق بذات الأحد تعالى، وعلوم الغيب المصون هى علم السر المكنون، ويشير إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله: (ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه) [58]  ويرددها ثلاث مرات. ومثل القرآن هنا سر انطوى عليه قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم  كان لا يكاشف به إلا أهل سابقة الحسنى، ولا يفاتح بأسراره إلا أهل المحبة الصادقة والتسليم الكامل. إن هذه العلوم الخمسة كاملة قد ورثها الإمام رضوان الله عليه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل فيما أقيم فيه، وعلمها لأحبابه، فهو صورة الذكر الأكبر. والسعيد السعيد حقاً من أكرم بمعرفته وخطط له قدره مقابلته أو مقابلة من قابلة أو الأخذ ممن أخذ منه أو عمن أخذ ممن أخذ منه وهكذا.

ويقول الإمام شارحاً هذه الأسرار [59] :

هذه الأسرار لا تفهم بميزان العقول، ولاتدرك بضوابط الفهوم، ولا تنال بمدارسة العلوم، وإنما هى صورة المعلوم تنقش على جوهر النفس بعد التسليم الكامل، وتزكية النفس بالمسارعة إلى العبادات، وتطهيرها من قاذورات البشرية ورعونات الإنسانية،وإطفاء نار الأطماع والحظوظ والآمال التى اقتضتها القوى الجسمانية، كل ذلك ليدرك الأسرار ولا ليتحصل على مشاهدة الأنوار.. بل قياماً بما أمر الله سبحانه واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يجاهد نفسه فى ذات الله حق الجهاد خالصاً مخلصاً، وعندها يورثه الله تعالى ذوق هذه الأسرار وينشله سبحانه وتعالى منظلمات الشك والشرك والظلومية والجهولية إلى أن يعيده كما بدأه، مشاهداً لجمال ربه سامعاً لكلامه سبحانه منه كما شهد وسمع يوم ألست.. قال الله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) [60]، وقال سبحانه وتعالى: (الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) [61]  فشهد ما لم يشهده غيره فتغيرت أخلاقه وعاداته وصفاته حتى صار غريباً بين أهله ولام عليه من هو فى الظلمات، أيحب أن يعود إليها بعد أن أخرجه الله منها؟ إنما ذلك يكون لمن لم يشهد تلك المشاهد العلية ولم يذق من تلك السرار الربانية ما يجعله يسارع إلى محاب الله ورضوانه، قال العاشق:

أعد ذكر من أهوى ولو بملامى           فإن أحاديث الحبيب مدامى

وتلك المواهب اللدنية يقول فيها الإمام من مضنون علوم الخلوة [62] :

العلم بالله عن شهود ووجود، لا عن فهم للقول وعقل للمعانى.. إذ الفهم لا يكون إلا للعلم بأوامر الله تعالى، والعقل إنما يستعمل بأوامر الله تعالى، والعقل إنما يستعمل فى إدراك آياته سبحانه وتعالى وفهم أوامره وإدراك آياته جلت قدرته وتقدست أسماؤه، فالهبات اللدنية: مبدؤها يقين عن ذوق وتدبر وعلم بالأصول، أصول الكتاب العزيز والسنة المطهرة، يقوى حتى يساوى المشاهدة لتمكن الموقن بما ذاقه من فهم الكتاب العزيز والسنة المطهرة تمكناً عن وجد وشوق وصدق وإخلاص.

ووسطها مراقبة استحضارية لمشاهدة ما تيقنه من عوالم الملكوت الأعلى ليزداد علماً ويكمل يقيناً، وتقوى لطائف

------------

 القلب الذى هو محل نظر الحق سبحانة قوة تقهر بها عوالم النفوس الحيوانية والقوى الإنسانية والصفات المجبول عليها الإنسان حتى تكون أنوار الملأ الأعلى تسطع على لطائف القلب بأنوار الأسرار وأسرار الغيوب الملكوتية، وبهذه المراقبة يكون كأنه ملك مقرب لمشاهدة عوالم الملائكة بنور البصيرة وعيون السريرة. وكمالها باصطياد الآيات العالية من حظيرة القدس الأعلى وفراغ قلبه مما سوى الحق وآياته وقدوم الأنوار،

 

وتتوالى عليه فترقق عوالم عناصره السفلية وتقوى عوالم ملكيته حتتى تتفتق عين بصيرته وتقوى أنوارها، فتشرق على عوالمه المادية فيرى بعيون البصيرة أسرار الغيوب، ويلوح من شدة الأنوار عليه ودوام التوجه منه أنه يرى بقواه الظاهرة محسوساً مشاهداً، وهو الغريب فى عشيرته وإن كانوا أهله وجيرانه، العدو فى قومه وإن كانوا أرحامه و (طوبى للغرباء) [63]، وهذا نهاية الكشف والمشاهدة،وهو مقام عين اليقين وحق اليقين ورتبة الصبغة الإلهية ومنزلة الرجل الربانى وحال العناية الصمدانية، يرى ولها ولا وله عنده، مهيماً ولا هيام به، مجنوناً ولا جنون يعتريه وإنما انكشف له الآيات انكشافاً أشهده فى الآفاق وفى نفسه ما به قام كل شىء بقيومية الحى القيوم وقدرة القادر الحكيم وتدبير المريد البديع، فصار شاهداً مشهوداً، ولمقامه عند ربه أقسم به (وشاهد ومشهود) [64] . ولدى هذا الكشف تظهر له سيما العالم وتنعكس عليه ظلماتهم سواء بإقبال عليه أو إنكار، فإن كان ممن اطمأنت قلوبهم بذكر شهد الحق وغاب عن سيماه الخلق واطمأن قلبه واسأنس بالله تعالى فى الحالين ونطق بالحكمة لا يغيره إقبال ولا إدبار، لا يؤثر عليه تسليم ولا إنكار، وهو الرجل المؤهل للوراثة المحمدية الذى ينتقل لحق اليقين واليقين الحق،مقامه لو رفع الحجاب ما ازداد يقيناً، وهذا المقام الإشارة فيه عبارة والعبارة فيه عماء وظلمه، والتمكن فيه فرد الوجود فى عصره، إليه الإشادة  ومنه الإستمداد وبه الفيوضات والأسرار، وهو قلب العالم الذى ينظر الله تعالى إلى العوالم فيه.

رابعاً: الإسلام دين ووطن ونسب

بين الإمام أساساً آخر من أسس السلوك إلى الله ورسوله وهوان:

(1) الإسلام دين الله وفطرته التى فطر الناس عليها.

(2) الإسلام وطن والمسلمون جميعاً أهله.

(3) الإسلام نسب يوصل إلى رسول الله صلى الله عليه ةوسلم.

قال رضوان الله عليه:

إنى كتبت كتاب (الإسلام وطن) وكتاب (الإسلام النسب) وكتاب (الإسلام دين) وكأنى أستمد من الغيب المصون المنبىء بأن الله سبحانه وتعالى يعيد مجد الإسلام كما كان فى السلف الصالح، ويظهر آياته الكبرى لتنجيز ما وعد به بقوله تعالى: (فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) [65]. وكنت أكتب وكلى رجاء فى الله تعالى أن يجمع قلوب المسلمين ويؤيدنا منه بروح منه سبحانه ويمدنا بنصره العزيز حتى تشرق الشمس من مشرقها.

وأكتب هذه الكتب فى السنة السادسة والعشرين بعد الألف والثلاثمائة، محاطاً بيئس أهل الجهالة بالله ويسارع بالمغرورين إلى القنوط من رحمة الله بما يرونه من القوة والصناعات عند أعداء الله تعالى، وبذلك مالوا إليهم وتولوهم. فكنت أكتب طامعاً وكأنى تشرق على العناية من الله تعالى بأمة حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم. واشتد الأمر حتى صار المسلمون فى أكثر البلاد يساعدون الأعداء على البقية الباقية لهم، فلم أزدد فى الله إلا رجاءً وفى الله تعالى إلا ثقة، وبتصديق وعده العزيز إلا طمانينة. وكثت أكثر من عشر سنين وأنا بين فرح بوعد الله، حزين مما أراه، فأحببت أن أطبع هذه الكتب كتاباً كتاباً،ولكن سواطع أنوار تصديق وعد الله وعبير طيب عناية الله أظهرت عجائب خفى لطفه بأمه حبيبه ومصطفاه، فسرت روح معونة الله، فحركت القلوب والأبدان، وأحيت العقول والأفكار،وأيقظت من أنا متهم الغفلة وارقدتهم الجهالة، وكم لله من لطف خفى.

وقال أيضاً:

------------

حيث أن الإسلام دين، يجب أن نعمل به عمل المؤمن الكامل التصديق الذى يتيقن أن العمل به: سعاده فى الدنيا، وتخفيف عند الموت بالبشائر التى تتوالى على المسلم عند قبض روحه، وراحة فى القبر بما تشهده النفس بعد مفارقة الجسم مما أعده لها ربها سبحانه وتعالى وللجسم فى النشأة اآخرة. ولا يخفى أن للنفس بعد مفارقتها للجسم فى هذا الكون اتصالاً نسبياً بالجسم كاتصال الشمس وهى فى السماء الرابعة بقاع البئر العميق وقت السمت (أى عندما تكون الشمس فى وسط السماء) . فكما أن الشمس ترتسم فى الماء الذى فى قاع البئر العميق وتؤثر عليه وتنوره وتجعله منيراً ويزول منه العفونات والأبخرة الفاسدة، فكذلك النفس إذا كانت فى عالم الملكوت اتصلت بالجسم فأكسبته إشراقاً، وحفظه الله بهذا الإشراق فى حصن منيع. كما نرى ذلك محسوساً فى الأماكن التى يدفن فيها أهل التقوى والصلاح من العلماء العاملين الذين نفعوا العامة بعلومهم وعملهم، فإن الله يكرمهم فيجعل أماكن قبورهم محل تنزل رحمته وعناية لعباده بزيارتهم والاعتبار بهم فى أعمالهم ونيل النعيم المقيم يوم القيامة، وذلك لأن العامل بأحكام الإسلام المحافظ على أركانه وعده الله بالنعيم الأبدى والفوز العظيم فى دار رضوانه وبساتين فردوسه، فيكون المؤمن العامل بوصايا الإسلام وشرائعه سعيداً فى الدنيا لما شرح الله صدره له من العمل فى الدنيا لله تعالى، فيكون غنياً بالله عن شرار الخلق، فرحاً مستبشراً عند الموت، مستريحاً آمناً فى قبره، منعماً مجملاً بأكمل المشتهيات وأشهى الملاذ عند يوم القيامة. وتارك العمل بوصايا الإسلام ذليل فى الدنيا، لأنه بتركه العمل بالقرآن والسنة صار عبداً لشهواته وحظه.

ولما كان الإسلام وطناً لكل مسلم، فالواجب على كل مسلم بذل النفس والنفيس فى حفظ هذا الوطن العزيز والذود عنه بكل ما فى الوسع، حتى يكون وطننا العزيز أغلى عندنا من أنفسنا ومن آبائنا ومن الدنيا ومن أولادنا وأموالنا وتجارتنا وزراعتنا، حتى تظهر جمالاته الحقيقية علناً، وخيراته الجميلة الجليلة، وفوائد الحقيقة مشهودة. وكذلك نعتنى بوطننا العزيز ونحفظه، والعمل له والسهر والتعب فى اختراع ما به رفعة شأنه وإعلاء كلمته وقوة سلطانه وثروة أهله وخير بنيه بالعلم والعمل لا بالتمنى والأمل.  وبذلك يكون كل فرد من أهل وطننا العزيز عزيزاً غنياً شريفاً كريماً إماماً متبوعاً إن لم يكن أميراً أو وزيراً أو قائداً، كل ذلك يكون ببذل مافى الوسع لإعزاز وطننا وجلب الخير له ودفع عدوه عنه والغيره عليه والعصبية له، حتى يكون كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور هذا الوطن العزيز بحفظه من عدوه وبجلب الخير لإخوته أهل الوطن.

وكل واحد من المسلمين فى أى أرض كان وعلى أى حال وفى أى شأن كان يجعل مهمته العظمى وغايته القصوى حفظ ثغره الذى هو عليه.. ولو أهمل الواقفون على الثغور، فإن هذا الوطن العزيز الذى هو الإسلام محاط بعناية الله ومعونته، قال الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [66] وقال تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) [67] وقال تعالى: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) [68].

 

وقال تعالى: (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون) [69]وقال تعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) [70] وقال صلى الله عليه وسلم : ( احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك ) [71]. وإن هذا العزيزالوطن الذى هو الإسلام كان الواقف على جميع ثغوره سيد الخلق وإمام الرسل سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم منفرداً ليس معه إلا الله فأيده الله ونصره. وهكذا لو أن واحداً منفرداً من المسلمين قام محافظاً على ثغره- ولو أهمل جميع من على الثغور- فإن الله تعالى ينصره ويحمى به بقية الثغور ويمده بالملائكة والمؤمنين، سر قوله صلى الله عليه وسلم: (كل واحد من المسلمين على ثغر من ثغور الإسلام، فإذا تهاون إخوتك فاشدد لئلا يدخل العدو من قبلك) [72]، بالمحافظة على وطننا العزيز وببذل أمولنا وأنفسنا وأموالنا فى الذود عنه وبالمسارعة فى العمل له، يصبح من فى الأرض جميعاً إما عبيداً لنا أو أتباعاً أهل ذمة أو إخواناً يعملون لوطننا كما نعمل نحن لهم، وبذلك يمنحنا الله العزة الحقيقية التى تلمس بالجوارح وتشعرها القلوب، فيشهد المسلم العالم كله يدينون له ذلاً وصغاراً إذلالاً لأنفسهم وإعزازاً لنا وإكباراً، أو يدينون بديننا الحق، فيكونوا للمسلمين إخواناً. 

فيا إخوانى المؤمنين: باقتدائكم بسلفنا الصالح، ورجوعكم إلى ما كانوا عليه، واتخاذ الإسلام هو الوطن العزيز الذى يفدى بالأنفس والأموال.. تفتح لنا يا إخوتى كنوز الأرض بالجهاد فى سبيل الله لإعلاء كلمة الله، وتنشرح صدورنا بما يجدده الله لنل ويفيضه علينا فى كل نفس من الخير والفضل العظيم، وبما نناله من الخير على يد أبنائنا وجيراننا وأهل بلدنا المسلمين الذين يبذل كل واحد منهم ما فى وسعه ليدخل السرور على قلب أخيه كما قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) [73]، وبذلك يكون كل مسلم وهو فى كون الفساد ودار الفناء كأنه فى الجنه لانشراح صدره وتيسير أمره وعمله بما يرضى ربه عنه.

وكفى بذلك يا أخوتى سعادة وعزاً فى الدنيا، مع أن هذه اللذه والنعمة فى الدنيا بالنسبة لملاذ الآخرة ونعيمها كالآم المرض فى جانب ملاذ العافيه.. وهناك فوق ذلك ملاذ ونعم وخيرات لا يمكن ان تتصورها العقول، قال الله تعالى: (فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من  قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون ) [74]، وليس بإنسان بل ولا حيوان أعجمى من يجعل له وطناً آخر غير الإسلام يتعصب له ويدافع عنه ويقوم عاملاً بالباطل بعد علمه حق العلم انه بمحافظته على وطنه العزيز الذى هو الإسلام يكون ملكا (بكسر اللام) عزيزا فى الدنيا ، وملكا (بفتح اللام ) مقرباً متمتعاً بمشاهد القدس الأعلى يوم القيامه . هذا ومتى قام عامل بالباطل ونجح فى عمله ، او متى قام مجتمع من الناس يعملون عملهم ولو يكن الله معهم ونجحوا فى عملهم ، فانهم ولو نالو ما يقصدون من حظوظ عاجله وملاز فانيه لا تدوم لهم ، إلا ريسما يفارقونها إلى الهاويه بالموت أو تفارقهم قبل الموت ، فيرجعون الى الزل والهوان ،ولعذاب الأخرة أشد وأبقى ،قال تعالى :(يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) [75].

فيا اخوتى المسلمين : ليس بينكم وبين المجد الذى كان لأسلافنا رضى الله عنهم الاّ كما بينكم وبينهم من أنهم أتخذوا الإسلام وطنا فعملوا له وحفظوه ودفعوا عنه اعداءه وجلبوا له كل الخيرات ، وانتم اتخذتم ارضا تسكنونها وطنا وتركتم الإسلام وعملتم للأرض ،فالتفت الله عن الذين لم يتخذوا الإسلام وطنا ،فجاء اعداؤهم وملكوا الارض منهم واذلوهم فى عقر بيوتهم ،وما أذل الله قوما بعد ان اعزهم الإ بترك ما به كان عزهم، قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءً فلا مرد له) [76].

فيا إخوتى المسلمين: فالأمر سهل، والله قريب مجيب تواب غفور، فهلموا بنا نتوب إلى الله تعالى ونندم، ونعاهد الله تعالى فيما بيننا وبينه سبحانه على أن نتشبع بسلفنا الصالخ، ونجاهد انفسنا على الإقتداء بهم، ونقوم بإخلاص لله رب العالمين فى تجديد سنن نبينا صلى الله عليه وسلم والعمل بكتاب الله تعالى، ونجعل الحق سبحانه هو الحكم العدل، أمره فوق شهوتنا وحظنا ولذتنا وأملنا، ونعرف الخلق بالحق لا نعرف الحق بالخلق، فإن بعضنا من جهالته بلغ به الجهل إلى أن بالغ فى مدح أعداء الله وأعدائنا حتى رفعهم إلى جعلهم خلفاء ربنا وأن الله يحبهم ويبغض المؤمنين.  وقد تغالى غيرهم من المسلمين فجعل قوماً يعتقدون أن الله لامس إمرأة فحملت منه  ووضعت ولداً هو ابن الله، عقيدة تبين أن معتقدها ليس له عقل يزن به ولا فكر يفكر به ولا قوة إدراك يدرك بها. جعلوهم أئمة يهتدون بهم مع قلة عقولهم، وقادة يقتدون بهم مع ضعف مداركهم، وجعلوهم رجال الرحمة ومبعث الخير وهم لا يسمعون ولا يعقلون، ولو أنهم كانوا يسمعون لسمعوا الأدلة الناصعة على تنزيه الله عن الولد والوالد وتقديسه عن التشبية والنظير. ولو أنهم كانوا يعقلون لما اعتقدو تلك العقيدة التى يعتقدها حيوان، لأن الحيوان الأعجم لا يعتقد أن حيوان مثله فى الشكل أو فى العمل أبن إنسان ولو تفوق عليه فىالطرق التى يجلب بها الخير لنفسه ويدفع بها الشر عن نفسه. فغذا كان الحيوان الأعجم لا يعتقد أن حيواناً منه ابن إنسان يجب أن ينقاد له كما ينقاد لأبيه لأن أباه ملك الحيوان، فكيف يعتقد الإنسان العاقل أن الله العلى العظيم يطأ إمراءة يأتى منها بولد يكون هو الرب أو ابن الرب ؟ . ول تأمل أهل الجهالة فى الحمل والولادة فإن كل تأويل تأولوه يخجل وجه حيوان أعجم إذا تصوره، ويتبرأ منه القرد والنسناس فضلاً عن الإنسان، فقوم لم يجعل الله لهم نوراً يميزون بين جمال الروح الإنسانى وجمال الجسم الحيوانى وافتخروا بإستخدام المادة وتنويعها كما يعمل العنكبوت فى المادة لتحصيل قوته وكما يعمل النحل فى تنويع المادة لنفعه فهم ألات لخدمة المادة للنفع بها: فهل يكون أمثال الحيوانات أئمة للمتقين أو قادة للحكماء الذين كبرت نفوسهم وكملت عقولهم أو خلفاء ربنا منأئمة الهدى والمتقين؟ اللهم رحماك بالمسلمين.

يا إخوتى المسلمين: وطنكم العزيز الإسلام وقد أمرنا بالعمل فى الدنيا للدفع عنه والمحافظه عليه وإعزاز جانبه، قال تعالى: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) [77]، وقال تعالى: (وقل إعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) [78]: وإنى أبشر إخوتى المسلمين أننا فى زمان لو أننا عملنا بجزء من عشرة اجزاء من وصايا الإسلام منحنا الله العناية الإلهية وأذل أعدائنا وجعل لنا السلطان ووفقنا للعمل بكل وصايا الإسلام، فكنا ونحن فى القرن الرابع عشر كأننا فى القرن الأول لقوله تعالى: (إن الله مع الذين إتقوا والذين هم محسنون) [79] فى أى زمان كانوا وفى أى مكان، ولا نزال فى معية رسول الله ما دمنا نعمل بكتاب الله وسنة رسولة صلى الله عليه وسلم وذلك لأن الله تعالى يقول: (إن الله مع الذين إتقوا والذين هم محسنون)

ولا تحصل التقوى والإحسان الذان ينتجان الشرف العظيم الذى يكون لله تعالى به معناً إلا بعد أن نكون زمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتجمل بالصفات التى أثنى بها على أهل معيته صلى الله عليه وسلم فى آخر الفتح، قال سبحانه: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) [80]. وكل مسلم يحب أن يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عليه إلا أن يجاهد نفسه ان يتشبه بأصحابة الكرام، ثم يبشر نفسه بأنهم ممن إشتاق إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يشتاق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إلى أحبابه فى قوله: (وا شوقاه إلى إخوانى الذين لم يأتوا بعد) [81].

حقاً أقول إن المسلم فى هذا الزمان يمكنه بتوفيق الله وعنايته أن يكون مع رسول الله ويكون الله معه ويكون محبوباً لرسول الله محبوباً لله بلفتة قلبه وحركة جسمة. وإن مسلماً يوضع له المعراج ليسموا غلى جبروت القدس الأعلى، تهوى به شهوته إلى أسفل سافلين الحطمة والذل لغير مسلم، والإسلام برىء منه، لأنه يعمل بغير شرائع القرآن، قال تعالى: ( ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) [82]. ومن يؤثر حظاً فانياً يتوهم أن يناله قد لا يناله ولو ناله على سعادة أبدية ونعيم مقيم ورضوان من الله أكبر، هذا فى نظر الحكماء أضل من الأنعام وأشقى من الشياطين وادنى من الجماد وإن كانت صورته صورة الإنسان ومن كان يترك الكمالات النفسانية والتجميل بالفضائل القرآنية والتحلى بحلل الرجال العاملين لله يترك كل ذلك لذه مطعم يأول أن يكون كالمرحاض للبول فقد أبد النعيم الدائم بالشقاء الأبدى والخير الحقيقى بالضررالذى لا يزول فالإسلام هو الوطن والعمل له به عز فى الدنيا وسعادة فى الآخرة. وعلى ذلك فالمسلم بجزائر المحيط الأطلنطى يدافع عن وطنه الإسلام وعن اهل وطنة المسلمين بنفسة وماله وهم فى جبال القوقاز، يبذل ماله إن لم يتمكن من بذل نفسه لهم، ويقوم حاثاً أهل وطنه فى بلده أن يدافعوا عن مواطنيهم فى الإسلام وعن وطنهم الإسلام بأنفسهم واموالهم، فإذا انفصل المسلمون وهم فى رأس الرجاء الصالح عن المسلمين وهم فى جبال القوقاز كان كفصل الرجل عن الرأس ، وبفصل الرجل عن الرأس لا يخفى ما يحصل من ضعف الجسد وعطلة ألاته وأدواته.

ولقائل أن يقول كيف أدافع عن وطنى وأهل وطنى وقد حال بينى وبينهم العدو الساعى فى محو القرآن والسنة بالضلال والكفر؟ أقول لك يا أخى: إن عجزت عن العمل بيدك فاعمل بلسانك، فإن العمل بالسان مفتاح العمل باليد، وإن عجزت عن العمل بلسانك، فاعمل بقلبك بأن توجه قلبك إلى ربك سبحانه وتسـأله أن يحفظ وطنك وأهل وطنك، وأن يجدد المجد لك ولأهل وطنك بالعمل لوطنك العزيز الذى هو الإسلام، فإنك بذلك لا تحرم يا أخى من عناية الله بك ومعونته لك، وإكراماً منه يجمع عليك إخوتك الصادقين الذين يمكنك أن تعمل معهم بلسانك ثم يكون الله معكم فتعملون بأيديكم، قال الله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين امنوا) [83]، وقال تعالى: (الله ولى الذين أمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) [84].

فإذا عملت بقلبك ولسانك وجمع الله عليك إخوتك المخلصين وهم القليلون فى كل زمان خصوصاً عند قوة سلطان أعداء الله، فإنكم يا أخى بتوجهكم إلى الله سبحانه وتعالى بوجوهكم رغبة نيل رضاه الأكبر يلقى العداوة والبغضاء بين  أعدائكم ويشغلهم بأنفسهم عنكم حتى يوقد نار الحرب بينهم فيمحقهم ببعضهم محقاً، كل ذلك إكرام من الله لبفيته الباقية من حزبة.  

كن على ثقة أيها الأخ ان أكبر الجهاد جهادك نفسك فى ذات الله، فلا تشتغل بجهاد غيرك إلا بعد أن تجاهد نفسك جهاداً يجعلها سهلة القياد متلذذة بالآلآم فى طاعة الله فتفرح بإعلاء كلمة الله تعالى وتجديد سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولو أدى ذلك إلى تحمل ما لا يطاق من المصاعب وارتكاب ما لايحتمل من الشدائد، فإن أنست من نفسك بتلك الصفات فتحققت أنها لا غرض لها فى مال ولا جاه ولا فى منصب ولا لذة فى الدنيا ولا شهوة فى الآخرة، فكم واثقاً أن الله معك وناصرك.

واحذر أن تدعى أن نفسك تزكت من غير برهان يطمئن به قلبك، فإن للنفوس أمراضاً خفية تخفى على أحذق حكماء العارفين. ومن ادعى هذا المقام بلا حجة لا يكون مع الله، ومن لم يكن مع الله كيف يكون الله معه، قال الله تعالى: (وما النصر إلا من عند الله)[85]. اجتهد يا أخى أن تجعل همتك أولاً فى دعوة نفسك حتى تستجيب لله رب العالمين بحال يرضيك رضاء حقيقياً، فإنك أعلم بنفسك من غيرك، وإن كنت تجهل أمراضها فإن حظوظها التى تبعثها على العمل لا تخفى على العامل، والله سبحانه وتعالى ينصر من ينصره، قال سبحانه: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز) [86]    [87].


[1]   مجلة المدينة المنورة: السنة 11 العدد12 ص9(11 رمضان 1357 الموافق 6 نوفمبر 1938).

[2]    الحافظ الدمياطى فى المتجر الرابح فى ثواب العمل الصالح والطبرانى فى كبير وابن أبى الدنيا

[3]   سورة الحشر آية 9.

[4]    سورة الحشر آية 9

[5]     سورة الأحزاب آية 23.

[6]     مجلة المدينة المنورة: السنة 11 العدد 12 ص9 (11 رمضان 1357 الموافق 6 نوفمبر 1938).

[7]    سورة البقرة آية 143.

[8]    سورة البقرة آية 151.

[9]      سورة آل عمران آية 190-191.

[10]      سورة يوسف آية 105- 106

[11]     سورة الطارق آية 5-7.

[12]      سورة النجم آية 45-46.

[13]      سورة الروم آية 20.

[14]    سورة الحج آية 5- 7.

[15]    سورة الذاريات  آية 20- 21.

[16]    سورة الأعراف آية 205.

[17]     سورة الأعلى آية 14.

[18]     سورة الشمس آية 9.

[19]    البيهقى فى الزهد والخطيب البغدادى فى تاريخة.

[20]    سورة الزمر آية 42.

[21]     البخارى ومسلم والنووى فى رياض الصالحين

[22]     سورة الأعراف آية 172- 173

[23]    سورة إبراهيم آية 5.

[24]    سورة التين آية 4- 6.

[25]     سورة الذاريات آية 55.

[26]     سورة الأعلى آية 10.

[27]     سورة إبراهيم آية 5.

[28]    سورة البقرة آية 156. 

[29]    سورة هود آية 123.

[30]    سورة فاطر آية 4.

[31]     سورة الانشقاق آية 6.

[32]      سورة الأعراف آية 29.

[33]       سورة الأنبياء آية 104.

[34]    رواه مسلم والبخارى والنسائى وأبو داود.

[35]    سورة التوبة آية 119

[36]    سورة الأنعام آية 68.

[37]     القسطلانى فى شرحه للبخارى جـ 5 ص 321.

[38]      البخارى ومسلم والإمام أحمد فى المسند والسيوطى فى الجامع الصغير

[39]       سورة آل عمران آية 185.

[40]      سورة الرعد آية 26.

[41]      سورة لقمان آية 33.

[42]     رواه الحاكم البيهقى عن بن مسعود بلفظ : (إن النور إذا قذف فى القلب انشرح له الصدر وانفسح، قيل: فهل لذلك علامة؟ قال: نعم، التجافى عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله) . 

[43]      الترمذى وابن ماجه والبخارى فى الأدب المفرد

[44]     سورة الأحقاف آية 35 .

[45]     سورة الزمر آية 42 .

[46]    سورة الإسراء آية 85 .

[47]    سورة الأنفال آية2-4.

[48]   سورة الإسراء آية 81.

[49]     سورة البقرة آية 151.

[50]   سورة البقرة آية 152.

[51]     ابو نعيم فى حلية الأولياء والسيوطى فى الجامع الصغير.

[52]    سورة لقمان آية27.

[53]   أبو داود والترمذى وابن حبان والمنذرى فى الترغيب والترهيب.

[54]     سورة الكهف آية 65.

[55]   أبو منصور اليلمى فى المسند وأبو عبد الله السلمى فى الأربعين والمنذرى فى الترغيب والترهيب.

[56]   النسائى وابن ماجه والحاكم والمنذرى فى الترغيب والترهيب وأبو القاسم بن حيدر فى مشيخته والسيوطى فى الجامع الصغير.

[57]    سورة طه آية 114.

[58]    النسائى وأحمد والحاكم فى المستدرك.

[59]   مجلة المدينة المنورة: السنة 10 العدد13 ص9 (16 رمضان 1356هـ الموافق 19 نوفمبر 1937).

[60]      سورة التين آية 4- 5.

[61]      سورة البقرة آية 257.

[62]      مجلة المدينة المنورة: السنة 20 العدد 6 ص14 (27 شوال 1366 الموافق12 سبتمر 1947).

[63]    الإمام أحمد فى المسند

[64]     سورة البروج آية 3.

[65]      سورة المائدة آية 54 .

[66]    سورة الحجر آية 9.

[67]     سورة محمد آية 7.

[68]     سورة الروم آية 47.

[69]     سورة المجادلة آية 22.

[70]     سورة النحل آية 128.

[71]      الترمذى والإمام أحمد فى المسند وأبو الفرج الجوزى فى صيد الخاطر

[72]     أبو داود وابن ماجة والدارمى ومالك فى الموطأ .

[73]     سورة المائدة آية 2 .

[74]     سورة السجدة آية 17 .

[75]     سورة الشعراء آية 88، 89.

[76]    سورة الرعد آية 11.

[77]    سورة الأنفال آية 60.

[78]    سورة التوبة آية 105.

[79]    سورة النحل آية 128.

[80]    سورة الفتح آية 29.

[81]    الترمذى فى العلم، وابن ماجه فى المقدمة وابن رزين فى تيسير الأصول

[82]    سورة النساء آية 115.

[83]    سورة الحج آية 38.

[84]    سورة البقرة آية 257.

[85]    سورة آل عمران آية 126.

[86]    الحج: 40.

[87]    مجلة المدينة المنورة: السنة 12 العدد 19، 20(16، 23 ذى الحجة 1358 الموافق 26/1 -2/2/1940)