التجديد الدينى فى القرن الرابع عشر الهجرى

جهاد الإمام ضد حملات التبشير والتنصير

قام الاستعمار بتدريب دعاة التبشير والاستشراق ووجههم نحو العالم الإسلامى وقسمهم إلى مجموعتين :

أولاَ : مجموعة المباحث الفكرية :

وتعتبر من أقوى وسائل الاستشراق . ونظراَ لأهميتها ، فقد اعتمد عليها المستشرقون .         ولها أوجه متعددة :

  1. الأبحاث التى تشوه حقيقة الإسلام فى صورة تأليف كتب أو إلقاء محاضرات ودروس .
  2. تحريفهم معانى ألفاظ القرآن لإنكار المقومات التاريخية والثقافية والروحية لماضى الأمة الإسلامية والازدراء بهذه الشعوب فى المجالات الدولية العالمية .
  3. التعليم الإرسالى ، لبيان أن اللغة العربية الفصحى لم تعد صالحة ، واستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية ، والإعلام عن طريق الصحافة ودور النشر لمقاومة الأزهر الشريف وإضعاف تأثيره ، ولإذاعة الدعوات المشبوهة كالتسامح ، والدعوة إلى الحوار والجدل .
  4. إحياء القوميات التى أزالها الإسلام ، كالفرعونية فى مصر ، والأشورية فى العراق ، والبربرية فى شمال أفرقيا والأندلس ، والفينيقية على ساحل فلسطين ولبنان ، والفارسية فى إيران .. وذلك لتخريب العالم الإسلامى وتقطيع أوصاله بغية تمزيق الوحدة الإسلامية التى كان من آثارها إلغاء الخلافة الإسلامية فى الدولة العثمانية وإثارة الفتن الداخلية فى الأمة العربية .

ثانياَ : مجموعة العمل الخيرى :

وهى من أخطر وسائل التبشير . ونظراَ لأهميتها وخطورتها فقد اعتمد عليها المبشرون فى أساليبهم التى منها :

  1. العلاج الطبى فى المستوصفات والمستشفيات ، فالطبيب فى هذه الإرساليات هو مبشر أولاَ ثم طبيب ثانياَ .
  2. الملاجئ التى تضم الأطفال ، والجمعيات والنوادى والمعونات لاستغلال حالات الفقر والحاجة .

    وقد حاول التبشير والاستشراق أن يحقق أهدافه بكل هذه الوسائل ، وسلكوا كل مسلك ظنوه محققاَ لأهدافهم ، غير أن علماء المسلمين كانوا يعتبرون وسائل المستشرقين هذه فقاقيع لا تلبث أن تتلاشى أو كلاماَ فارغاَ تصده العقيدة الإسلامية الموروثة وحدها .

 

     ولكن الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبا العزائم لايهون من شأن وسائل المستشرقين ، فلا يقول كما قال علماء المسلمين : ( إن كتب المستشرقين كلام فارغ )، ولم يلق هذه الكتب بعيداَ مردداَ ما قاله هؤلاء العلماء : ( إن ما بها كذب وتضليل وحقد عميق )، بل شمر عن ساعده وكتب مجادلاَ هؤلاء المستشرقين بالتى هى أحسن ، ودفع المطاعن التى وجهت للإسلام والمسلمين ، من واقع مسئوليته كإمام مجدد لهذا القرن الذى نعيش فيه .

ويعتمد ما أثاره المستشرقون فى كتبهم قديماَ وحديثاَ على مصدرين أساسيين يردد فحواهما كل جيل من هؤلاء المستشرقين :

المصدر الأول : كتاب (( ميزان الحق )) للمستشرق د. فندر .

المصدر الثانى : كتاب (( تذييل مقال فى الإسلام )) للمستشرق هاشما العربى .

 وقد تعرض للرد على كتاب (( ميزان الحق )) المرحوم الشيخ رحمة الله الهندى فى كتابه ((إظهار الحق )) ولكن المستشرق د. تسدل حاول جاهداَ أن يرد على الشيخ رحمة الله الهندى .

 فمن أجل ذلك كله ، رأى الإمام المجدد أن يتضمن كتابه ( وسائل إظهار الحق ) الرد على المستشرق د. فندر والمستشرق هاشما العربى والمستشرق د. تسدل . والقارئ لهذا الكتاب يعجب كل العجب من آراء هؤلاء المستشرقين الذين تدفعهم دارساتهم التى تمليها عليهم العصبية الحمقاء ومظاهر الحياة الدنيا ومتاعها ، أن يحاولوا الكتابة بالباطل وهم يعلمون أنها باطل . كما سيجد القارئ لهذا الكتاب البراهين القاطعة التى تمليها قوانين العقل والمنطق ، والتى تناولها الإمام رضوان الله عليه ليبين الصحيح من الفاسد . ولعل هذا هو الكتاب الوحيد الذى قام بالرد على دعاة التبشير والاستشراق فى ذلك الوقت ، والذى كان الاستعمار للشعوب الإسلامية هو البوابة التى دخل منها التبشير بحرية كاملة داخل هذه البلاد ، ولذلك كان هذا الكتاب عرضة لأن يمنع تداوله من السلطات البريطانية فى مصر أكثر من مرة .

وقد أخذت أساليب التنصير والتبشير أسلوباَ إضافياَ حديثاَ له تأثير عميق وسريع الانتشار وهو إقامة محطات تغطى جميع أنحاء العالم سواء للبث المسموع أو المسموع والمرئى متخصصة فى التبشير للدين المسيحى ومحاولات التنصير وهى تعتمد على نوعين من الدعوة :

1- تقوية وتعميق المستوى الدينى عند المستمعين والمشاهدين المسيحيين.

2- توجيه هذه البرامج المسموعة والمرئية إلى كل بلاد المسلمين فى العالم فى محاولات للتبشير والتنصير .

3- تصدير كم هائل من المعلومات والمقالات وكل ما يعتقدون أن له تأثير فى هدم الدين الإسلامى على شبكات الإنترنت inter net المتاحة لكل من يمتلك جهاز الكمبيوتر وطبعها على الورق وتوزيعها على صعاف النفوس ، حيث أن حرية بث المعلومات على هذه الشبكة مكفولة للجميع .

من مواقف الإمام للرد على النصارى والمستشرقين :

(1) أخبر الإمام أبو العزائم فى كتاب (( أسرار القرآن )) : سألنى رجل من كبار علماء النصارى أمريكى الأصل وأنا بالخرطوم فقال : إنكم تتهمون ربنا بالظلم فى العقاب يوم القيامة ، يعيش الرجل منكم سبعين سنة فيعصى الله ويتوب فيدخله الجنة أبدياَ ، وكان العدل أن يدخله الجنة سبعين سنة ، ويعيش الرجل النصرانى أو اليهودى أو المجوسى سبعين سنة فيدخله النار أبدياَ ، وكان العدل أن يقيم فى النار سبعين سنة مدة كفره بالله ومعصيته .

     وكنت فى مجتمع من أهل السودان والهند واليمن ، فخشيت أن تقوى هذه الشبهة فى نفوسهم فقلت : يا أخى ، إن الخلاق العظيم خلق حقائق الأناسى من جواهر معلومة لديه ، فمنها جواهر نورانية ، وجواهر نورانية وظلمانية ، ثم جواهر ظلمانية من أسفل سافلين . ولو أنه ترك من نفوسهم من النور مخلدين فى الدنيا لداموا على عبادته وطاعته أبداَ ، ولو ترك النفوس المخلوقة من سجين لداموا على كفره وعصيانه أبداَ ، فهو ينظر إلى ما قدره على تلك النفوس أزلاَ ويعاملهم بما يعلم فيهم .

وقد سألنى سؤالاَ آخر فقال : إن القسس والرهبان والأحبار يمضون عشرات السنين فى عبادة وتسبيح وترتيل وأنتم تقولون إنهم مخلدون فى جنهم ، وأنتم المسلمون أكثركم عصاة تخالفون الله وتعصون أحكامه وتدخلون الجنة .

فأجبته على الفور بعد أن ظهر لى أنه مبشر يريد إحداث الفتنة فى الدين : إنا كما تقول ، جوارحنا تعصى الله ، فإذا تكاثفت الظلمات عليها ، ظهر نور توحيد الله وتفريده بالألوهية الذى انعقدت عليه قلوبنا فطهر تلك الجوارح . وأنتم تعبدون الله ليلاَ ونهاراَ ، فإذا أنزلت أنوار الرحمة عليكم من السماء ظهرت ظلمات الشرك واعتقاد أن لله ولداَ فمحت تلك الأنوار ، فكبر المسلمون ، وما كنت مستعداَ أن أجيبه على هذه الأسئلة .

وسألنى أحد المستشرقين كيف يعذب إبليس بالنار وقد خلق منها ؟ وكيف يكون بالقبر رجلان أحدهما يعذب والآخر فى نعيم ولا يشعر أحدهما بالآخر ؟

فأخذت حفنة تراب وقذفتها فى عينه فصرخ ، ثم احتضنته .. وقلت له : أن الذى عذبك بالتراب وقد خلقك منه قادر أن يعذب إبليس بالنار وقد خلق منها ، وها أنا احتضنك وأنت تعذب وأنا فى نعيم ولا أشعر بعذابك ولا تشعر بنعيمى .

(2) كان ثلاثة من المستشرقين البلجيك يبحثون فى شئ يطعنون به الإسلام . وأثناء بحثهم فى الحديث النبوى الشريف وجدوا بغيتهم فى قول النبى صلى الله عليه وسلم : (( علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل ))[1] ، وتوصلوا إلى أن أنبياء بنى لإسرائيل كانت لهم تنبؤات بالغيب ، فإذا كان علماء الأمة المحمدية كأنبياء بنى إسرائيل فليأتونا بعالم ينبئنا عن الغيب . نزلوا إلى مصر ودارت المناظرات ولم يصلوا إلى حل ، وأسلوب التعجيز هذا هو ما يردون الوصول إليه . وكان قد مر عليهم فى نهاية الوقت مدرس بالأزهر اسمه الشيخ محمد المدنى ، وأخبرهم أن العلماء الذين ناظرهم لا يتكلمون إلا فى حدود اختصاصاتهم فى الفقه والفتوى وما إلى ذلك ، ولكن هناك علماء ليس علمهم قاصراَ على علم الدراسة وإنما منحهم الله بعد علم الدراسة علم الفراسة ، وهم العلماء الربانيون الذين قال فيهم الحق سبحانه وتعالى : (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) [2]وقال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ))[3] ، ومن هؤلاء العلماء الإمام السيد محمد ماضى أبو العزائم .

ولما اصطحب الشيخ محمد المدنى هؤلاء المستشرقين إلى منزل الإمام وجده فى زيارة لخشبه باشا فى أسيوط ، فاصطحبهم إليها . ولما دخلوا على الإمام خلعوا على الإمام خلعوا قبعاتهم تحية للإمام ، فما كان منه رضى الله عنه رضى الله عنه إلا أن ضرب كل واحد على خده ، فتعجب الشيخ محمد المدنى من أن يكون رد تحيتهم له قلم على الخد ، هذا مع ثقته البالغة بفعل الإمام .

 ثم أخبرهم الإمام عما أسروه فى صدورهم ولم يطلعوا عليه أحداَ فقال : لقد اجتمعتم فى بلجيكا وأردتم أن تطعنوا الإسلام ، فبحثتم عن آية فى كتاب الله فلم تجدوا ، فبحثتهم فى الحديث فوقع نظركم على حديث ( علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل )، ونزلتم إلى الجامع الأزهر وأردتم أن تقيموا علينا حجة ، وناظرتم العلماء ، ولكن قوماَ اختبرناهم فى دينهم فسقطوا ( من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ) لا ينبغى أن يختبرونا فى ديننا . وهنا علم المستشرقون أن هناك من الأمة المحمدية من كاشفهم الله بالغيب ، فقاموا واغتسلوا وتابوا وبايعوا الإمام على الإسلام .

(3) سأل أحد المستشرقين الإمام رضوان الله عليه فقال : الحى أفضل أم الميت ؟! فأجابه الإمام بسؤال : مريم أفضل أم إبليس ؟؟ فبهت هذا المستشرق الخبيث وانصرف فوراَ . وتعجب تلاميذ الإمام لما حدث فقال لهم : إن السائل كان يود أن أجيبه بأن الحى أفضل من الميت ، فيصل إلى أن عيسى وهو فى نظرنا حى .. أفضل من سيدنا محمد ، فأجبته بأن إبليس حى ومريم قد ماتت .

 

(4) ولما تكلم الإمام وأملى كثيراَ عما يزعمون أنه نظرية (( النشوء والارتقاء )) وفند أيضاَ مزاعم (( دارون )) فى أن الإنسان أصله خلية تطورت حتى وصلت إلى قرد ثم تطور القرد إلى إنسان ، جاء إلى الإمام وفد من أوربا ، إلا أن الإمام كلف أحد تلاميذه فى مناقشة الوفد وهو مطرق يستمع ولا يتكلم . ولما وصل الحديث بين الطرفين إلى طريق مسدود ، رفع الإمام رأسه وقال لكبير الوفد : أريد أن أسألك سؤالاَ : هل الفرع أحسن أم الأصل ؟ . وقع هذا السؤال عليهم وقع الصاعقة ، وأخبر من شاهد هذه الواقعة [4] أن وجوههم قد تغير لونها وغادروا المكان فجأة عندما سمعوا هذا السؤال .

(5) يرد الإمام على شبهات منكرى البعث ويفند مزاعم أعداء الدين ، ولا يتكلم عن منكرى البعث إذ أنهم ليسوا أهلاَ لأن يخاطبهم ولكنه يقول:

(( ولكن نخاطب من أثبت بعث الأرواح دون الأجساد ، ونعلم أن الذى حدا بهم إلى هذا الحكم وقوفهم عند الحواس ، ولأنهم يقولون إذا أكل إنسان إنساناَ بحيث صار المأكول جزءاَ من الآكل فإذا أعاد الله تعالى هذين الإنسانين بعينهما فتلك الأجزاء التى كانت للمأكول ثم صارت للآكل إما أن تعاد فى كل واحد منهما وهو محال لاستحالة أن يكون جزء واحد بعينه فى آن فى شخصين متباينين ، أو يعاد فى أحدهما وحده فلا يكون الآخر معاداَ بعينه والمقرر خلافه وهذا فى مذهب الفلاسفة .

وقد تسرب هذا المذهب إلى بعض من لم تزك نفوسهم تزكية تجعل النفس تسوح سياحة ملكوتية فتقتبس من مجانسة عالم الطهر أسرار الجنة وما فيها من نعيم الجسم ومسراته ، وبهجة النفوس وملاذها وما فى النار من عذاب يذيب الأشباح وحجاب يحزن الأرواح ، حتى ترجع إلى هذا الجسم فتمثل له ما هناك تمثيلاَ يجعله يطيعها فيما تطلبه منه .

والحقيقة أن الجسم يعاد كما كان فى تلك الدار الدنيا ، وإلى العقل بيان كل نوع من الأنواع تتسلط عليه المؤثرات الكونية كالذهب بالنسبة للمعادن فإن النار وغيرها من المؤثرات لا تنقصه شيئاَ ولا تغيره عن كماله الذى بلغه ، فلو ألقى فى الأرض السبخة أعواماَ ما تغير ، بخلاف بقية المعادن فإنها تتنوع إلى غيرها فتكون شراباَ أو ينقلب النحاس إلى توتياخضراء ، فكذلك الإنسان هو أكمل الأنواع الموجودة ولكماله النوعى لا تؤثر عليه المؤثرات الكونية ، فلا يتغذى النبات بشئمن حقائقه الأصلية ولا تهضمه تلك الحقائق فى معدة حيوان ، فلو اندثرت المقابر وصارت أرضها مزرعة تتغذى النباتات بالفضلات الزائدة على الحقائق ، وتحفظ أجزاء الحقائق فى الأرض كما تحفظ أجزاء الذهب .

 

وإذا أكل الإنسان أو الحيوان إنساناَ فإن الذى يتغذى به هو المواد الغريبة والفضلات الزائدة على الحقائق ، وتلك المواد الغريبة والفضلات الزائدة ليست هى الإنسان ، وإنما هى لتعويض ما فقد منها بالعمل حفظاَ للحقيقة الإنسانية .

إذن فكل الحقائق التى هى العظام والأوردة والشرايين والأعضاء الرئيسية كالقلب والرئتين والكبد والطحال والكليتين والمعدة والمعى وحقيقة العينين والأذنين واللسان وغيرهما مما يكون به الهيكل الإنسانى هيكلاَ مجرداَ عن الحياة لا سلطان عليه للأرض ولا لما عليها .

وإذا تقرر فالجسم يعاد يوم القيامة كما كان فى الدنيا مع روحه ، والقول بأن الروح هى التى تعاد باطل ، وإن فهم ذلك بعض من لم يعقل عن الله ولا عن رسوله من النصارى الذين يظنون أن سيدنا عيسى يقول بإعادة الأرواح ، فإن هؤلاء القوم ما فهموا شيئاَ من كلام سيدنا عيسى عليه السلام ، ومن أنكر البعث وهو أمر معلوم من الدين بالضرورة ارتد عن الإسلام ومن أنكر بعث الأشباح جهل صريح الدين .

(6) شبهة أفضلية الغرب على الشرق : وقد ردد المستشرقون – وتابعهم فيما المستغربون – أكذوبة حيث قالوا : إن الغرب أفضل من الشرق وأنه مهد الحضارة والتقدم ، وأن الشرق مهبط الظلم والجهالة والتخلف .. لكن الإمام المجدد رد عليهم مدافعاَ عن الشرق بمقولته الحاسمة والخالدة التى قال فيها :

( كفى الشرق فخراَ أنه أولد مولوداَ صار للغرب معبوداَ ).. فأوربا التى تستعلى على الشرق تعبد المسيح الذى هو ابن الشرق !! ثم يزيد الإمام المجدد الأمر بياناَ فى كتابه (( وسائل نيل المجد الإسلامى )) قائلاَ : ( إن الغرب عبارة عن أوربا وأمريكا وهما القارتان اللتان لم ينظر الله إليهما نظرة إحسان وحب فيبعث فيهما رسولاَ أو يجعل لهما نوراَ فى قلوبهم تتضح به أنوار التوحيد ) .

ويتساءل الإمام فى عجب ؟!!

يتساءل الإمام رضوان الله عليه فى كتاب ( وسائل إظهار الحق ) فيقول :

* ما الذى يرمون به الإسلام ؟ ءأوردوا برهاناَ على فساد عقيدته ؟ لا والله ، وإنهم ليعتقدون أنها العقيدة الحقة مع أنهم أعداء .

* أم ظهر لهم فساد فى أحكامه ؟ لا والله ، وإنهم ليعلمون بأحكامه ويسيرون على سيرة الأئمة الفاتحين من المسلمين .

* أو أقاموا الدليل على أن الإسلام لم يأت بالأخلاق الفاضلة ؟ لا ، ولم يعتنق الدين الإسلامى جميع من اعتنقه إلا حباَ فى فضائل الأخلاق التى يأمر بها وتصديقاَ للعقيدة الحقة التى يدين بها .

    فما الذى ينكرونه عليه إذا كانوا لم ينكروا على عقيدة الإسلام ؟ وكل عقيدة غير عقيدة الإسلام منكرة عقلاَ وحساَ لا يقبلها عقل عاقل ولو كان طفلاَ .

1- ينكرون على الإسلام أن أصله تنزيه الخالق المبدع عن الحلول والولد والوالد وعلوه سبحانه عن الاحتياج إلى المكان .

2- ينكرون عليه أن خالق الكائنات قادر لا يعجزه شئ .

3- ينكرون على الإسلام أنه ينزه الجناب الإلهى عن أن يقدس عبداَ من عباده يجعله يحل ويحرم .

4- ينكرون على الإسلام أنه جاء بالعدل الصحيح والمساواة الكاملة .

5- ينكرون على الدين الإسلامى أنه لم يأت بالرهبانية وترك العمل للدنيا مرة واحدة .

6- ينكرون على الإسلام أنه وضع الحدود لمرتكبى الجرائم والمعاصى ولم يجعل أحداَ يغفر الذنوب إلا الله تعالى .

7- ينكرون على الإسلام أمره بالرحمة وحسن الظن حتى بغير المسلمين والتجمل بالفضائل حتى مع غير المسلمين .

8- ينكرون على الإسلام أنه حظر حتى على التقى الورع الزاهد أن يخلو بامرأة أجنبية أو أن يعترف له مذنب بذنب إلا إذا توجه إلى الإمام المنفذ للأحكام واعترف له ليقيم عليه الحد .

9- يشنعون على الإسلام أنه انتشر بحد السيف .

10- يتهمون الحج بأنه عمل صنمى .

11- يتخذون من حديث الإفك مادة للتشنيع .

12- ينكرون على الإسلام تعدد الزوجات .

13- يتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تزويجه بنت جحش لزيد بن حارثة .

ونورد هنا بعض الموضوعات التى رد بها الإمام على مطاعنهم حيث يقول رضى الله عنه :

1- أسرار النواميس الإلهية عند الجاهل أعمال صنمية :

     ما هو التابوت الذى كان يحمله موسى عند الجهاد وعند الشدائد وعند الاستغاثة والنجدة ؟ وذاك موسى كليم الله ؟ ويستنصر به ويستسقى به ويستفتح به ، قالوا : إنه أنزل مع آدم من الجنة . أنا لا أنكر عليهم قولهم ولا أسلمه لهم ، فإن الرب الذى أنزل الناموس بمشيئة يقدس ما ينزله من الجنة ، وبمشيئة يقدس ما شاء من الأرض من طين أو ماء أو شجر أو مدر . فحمل التابوت هذا عند من لا يعقل أسرار النواميس عمل صنمى ، وعند من يعقل النواميس يقول : الرب يحكم على خلقه بما شاء ويأمرهم بما شاء ويختبرهم بما شاء . هذا التابوت بعد موسى رفع إلى السماء كما بين فى التوراة . خصوصاَ عندما فشى الزنا والفسوق فى بنى إسرائيل . ولما قام العمالقة لهلاك شعب إسرائيل ، بشرهم الرب فى التوراة أن التابوت ينزل مع الملائكة . هذه أسرار الناموس وغرائب آياته تحجب العقل المكسوف نوره عن أن يدرك حقائق الحكمة وغرائب الآيات .

     نزل التابوت تحمله الملائكة . ما الذى كان فيه ؟ كان فيه : نعلا موسى وثيابه وعمامة هارون وعصى موسى . سبحان الله !! نعلان لرسول من رسل الله يبلغ بهما التعظيم إلى درجة أن يكونا فى التابوت ؟؟ ويكون هذا التابوت به النصرة وبه الفتح وعود المجد لشعب إسرائيل ؟؟ وتنزل به الملائكة ؟؟ تلك مرموزات الناموس لا تكشف إلا لمن جاهد نفسه مجاهدة يطهر بها من خبث الضلالة وظلمة الجهالة ودخان العناد ونار العصبية للآباء ويخرجها من هوة الطمع فيما يفنى .

انتقل بنا إلى عصا موسى عليه السلام ما هى عصا موسى ؟ غصن من شجرة ربما زرعها كافر ، وسقاها كافر ، وقطعها من الشجرة كافر . وإذا أراد الله أن يظهر الآية يظهرها كيف شاء وبما شاء وفيما شاء . كانت العصا عند شعيب عليه الصلاة والسلام ، ثم أعطيت لموسى ، فقدسها الله وبارك فيها حتى صارت كأنها كلمة الله ، وصار موسى – كليم الله – بدونها إنساناَ لا يملك لنفسه ضراَ ولا نفعاَ . فالقادر على أن يجعل العصا كلمة كن فى يد موسى قادر أن يجعل هذا كله بكلمة من موسى وبحركة يده وبأى عصا من العصى ، ولكنه سبحانه يقدس ما شاء ويظهر ما شاء ويضع سره فيما شاء وفيمن شاء ، وهذا أيضاَ رمز من مرموزات الناموس الأعظم .

انتقل بنا إلى الخليل أصل الرسل عليهم الصلاة والسلام ووالدهم الأوسط ومبدأ الفيض الأقدس. ثبت بالتواتر وبالأثر أنه عليه الصلاة والسلام هو وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام رفعا قواعد البيت ووضعا الحجر الأسود بيديهما عليهما السلام وأخبرا أنه كان مع أبيهما آدم أنزله معه الجنة .

فما للإنسان ينحنى رأسه إذا ذكر التابوت ويصدق أن صندوقاَ من الخشب نزل من الجنة ولا ينكر على موسى الكليم أن يحمله عند الشدائد ، ثم إذا سمع أن التابوت نزلت به الملائكة تحمله إلى طالوت عند قتال العمالقة وأن التابوت كان فيه نعلا موسى عليه السلام .. ينحنى تعظيماَ للتابوت وما فيه ويعترف أن التابوت باركه الله وجعل فيه سر الفتح والنصر !! ولا يخطر على قلبه أنه كالصنم لبنى إسرائيل !! ومن موسى عليه السلام فى جانب الخليل عليه الصلاة والسلام فى جانب آثاره العلية وآياته الجلية ، وهو عليه السلام عند خروجه من مصر لبنى إسرائيل أمسك عليه مسالك الخروج حتى حمل معه الصندوق الذى به جثة يوسف الصديق بن يعقوب عليهما السلام ، فهل كانت تلك الجثة صنما لموسى عليه الصلاة والسلام ، ما للإنسان ينسى عيوبه وينظر الحسن فى أخيه قبيحاَ ؟ كان التابوت صندوقاَ من الخشب فيه رضاض من سفينة نوح عليه السلام باركه الرب حتى أمر كليمه أن يحمله وجعله وجهة للأجسام حتى لا تقع الأعين عليه إلا اطمأنت ولاتمسه الأيدى إلا سرت فى القلوب روح يقين وإقدام ، ولا يفتح إلا حصل النصر وانشرحت الصدور . سبحان الله .. ألأنه صندوق خشب داخله نعلان ؟.. لا ، ولكن الرب يبارك فيما شاء ويبارك فيمن يشاء .

فكذلك الكعبة التى هى حجرة بناها الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، وهذا الحجر الأسود هو الحجر الذى وضعه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ، ورفعا هذا البيت بأمر الرب جلت قدرته وبشرهم الرب بأن هذا البيت مبارك ، وبشر إبراهيم بأنه سيكون من ولد إسماعيل أمة مباركة يظهر فيها خير رسول .

فكان هذا البيت هو الذى بناه الخليل وابنه وباركه الرب كما بارك فى التابوت ، وبارك فى عصى موسى ، وبارك فى الحجر الذى كانت تتفجر منه الأنهار ، وبارك فى الطينة التى خلق منها آدم وأسجد له الملائكة بنص التوراة ، وهذا الحجر هو الحجر الذى لمسته يد الخليل ويد ابنه وأخبرا أنه نزل مع آدم عليه الصلاة والسلام ، وإنى لمصدق أن الرب باركه ولو لم يكن من الجنة ، فإن الرب كما تقدم يبارك فيما شاء وفيمن شاء ، والعرش والآرض سواء فى نظر الرب لا فرق بين الأرض السفلى والعرش الأعلى بالنسبة للرب ، ولكنه سبحانه يرفع ما شاء على ما شاء .

والرب علىّ عظيم عن القرب المكانى من العرش أو الأرض ، والعرش والأرض فى قبضته سبحانه ، وفى حيطة علمه وفى تدبير قدرته ومشيئته ، ولو شاء أن يجعل قطعة من طين الأرض ترتفع حتى تكون فوق العرش لفعل سبحانه ، وقد فعل .. فإن الإنسان من طين ، وبعض أفراده من الرسل الكرام والصديقين والشهداء يكونون فى جوار الرب يوم القيامة فوق عرشه ، فمنزل الناموس سبحانه وتعالى بارك فى هذا البيت وبارك فى هذا الحجر وجعله رمزاَ من مرموزات الناموس .

لا يسعنى أن أكشف تلك الأسرار العلية الغامضة عن العقول المحجوبة بالحظ والهوى فى مقام أدعو فيه أخى فى النوع إلى نجاته من هاوية العذاب إلا بقد معلوم .

إن المسلم يقبل الحجر مستحضراَ اليد التى وضعته ، وكأنه يبايع تلك اليد على اتباع الإسلام الذى هو ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لأن الله تعالى أكرم خليله عليه الصلاة والسلام وجعل من ولده إسحاق أمة إسرائيل وأكرمها بالرسل والأنبياء حتى أنجز ما قدر سبحانه وأراده ، وأكرمه عليه الصلاة والسلام فجعل من ولده إسماعيل عليه السلام الأمة العربية ، وأكمل نعمه على جميع خلقه وأتم فضله عليهم بأن جعل من الأمة العربية خاتم رسله الذى بعثه لكافة الناس بشيراَ ونذيراَ ، واستجاب لخليله دعوته التى دعاها لإسماعيل وبنيه بأن يجعل منه أمة عظيمة بقوله : ( ربنا وابعث فيهم رسولاَ منهم يتلو عليهم آياتك )[5] إلى آخر الدعاء الذى دعاه وهو معنى قول موسى عليه السلام : يكون من بنى عمنا .. إلى آخر البشرى . وبنو عمهم بنو إسماعيل ، فكان الإسلام هو ملة إبراهيم الحقيقية التى عليها هو وأولاده عليهم السلام ، وبرهان ذلك : جعل بيته كعبة للمسلمين .

إن الله فرض حجه على المسلمين بشروطه المخصوصة ، ولم يكن عملاَ صنمياَ وإنما هو عمل للتقرب إلى الله تعالى وللقيام بحقوق عباد الله ولإطاعة أمر الله والاقتداء بسنن رسل الله . وكأن المسلم بلمس الحجر الأسود [6] وأداء فريضة الحج :

1- عاهد الخليل عليه السلام على العمل بإخلاص ، معتقداَ أنه نفذ أمر الله تعالى وقلد رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم .

2- تقرب إلى الله تعالى بأكمل العبادات التى بذل فيها ماله ، فوسع على خلق الله فى السفر إلى مكة .

3- بذل فيها نفسه بمفارقة الأهل والمال والوطن .

4- شهد من عجائب قدرة الله وغرائب حكمته سبحانه وآثار رحمته ما جعل قلبه يطمئن بالقدرة وصدره ينشرح بالحكمة .

5- جعل الإيمان ينمو فى قلبه حتى يبلغ درجة اليقين .

6- قابل إخوته المؤمنين فانتفع بعلم العالم وحكمة الحكيم وحلم الحليم وأخلاق الكريم وعمل الموفقين .

7- شهد من أنواع العادات واختلاف الألوان والأشكال واللغات ما جعله يحب الله سبحانه وتعالى ويعظم جنابه العلى .

8- تتجدد العافية بالحج بعد فقدها والصحة بعد زوالها ، ويتعلم التدبير والحكمة والمداراة والترتيب ، وينشط بعد الكسل ويشجع بعد الجبن ويسخو بعد البخل .

9- يمكنه أن يجمع بين الحج والتجارة فيتجر تجارتين للدين والدنيا ،                                                  فيأخذ ما يحتاج إليه أهل الحجاز ويجلب ما يحتاج إليه أهل مصره .

حكمة لا تنكشف إلا لمن فهم أسرار الكتب السماوية وذاق حلاوة الإيمان بها والتسليم لها .

     أسألك أيها المنكر حكمة الحج وأسراره على جهل منك بفوائدها الجلية وخيراته المحسوسة: ما هو هيكل الرب ؟ وما هو المذبح الذى كانت تذبح عليه الأنفس أمام هيكل الرب؟ وما هو القربان الذى كانت تأكله النار ؟ أكوشفت بأسراره أم ظهر لقلبك خفيه؟ مالك والإنكار على الحج ونوره ساطع وسره باهر وخيره وافر وبركاته مفاضة ؟ وما هو الدهن المقدس الذى كان لا يدهن به إلا نبى ؟ أمن الجنة نزل ؟ أم ذلك دهن لبن النعجة التى كانت نعجة الخروف المذكور فى رؤيا يوحنا الذى له قرون من ذهب ونعال من لصعق فضلاَ عن أن يقوله بنفسه . وليس جعل خروف له قرون من ذهب ونعال من ذهب إلها يتنزل به الناموس. فإن كل مرموزات الناموس نزهت الجناب العلى عن التشبيه والتحديد وعن المثيل والنظير والوالد ، وكل مرموزات الكتب السماوية لإظهار آيات دالة على أنه واحد مريد فاعل لما يشاء يأمر بما شاء وينهى عما شاء ، له الخلق والأمر وهو على كل شئ قدير .

       فالتابوت ، وعصا موسى ، وحجره الذى تفجرت منه ينابيع الماء ، وصنع السفينة قبل الطوفان ، وناقة صالح عيه السلام ، وحمل سارة بإسحاق بعد اليأس ، وبناء بيت للرب ، وعمل مذبح يذبح عليه أمام الرب ، وماء المعمودية.. كل تلك إشارات من إشارات الكتب السماوية تنكشف غوامضها للمقربين المحبوبين ، وكذلك الأرض المقدسة والصخرة المقدسة . فالله سبحانه وتعالى بارك فى النار التى ألقى فيها سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأبقى فيها الإشراف وأبطل منها الإحراق ، وبارك فى ناقة صالح فكانت وجهة أمته ، وبارك فى حمار العزير فكان آية كبرى ، وبارك فى كلب أهل الكهف فكان عجيبة للعقول ، وبارك فى عصا موسى عليه الصلاة والسلام فكانت ككلمة كن ، وكم بارك لأنبيائه ورسله : فمنهم من جعله يقبض الحديد محمياَ بيده ، ومنهممن جعل له بساطه يحمله ويمشى به فى الهواء ، ومنهم من بارك له فى يده فكان لا يمس بها ميتاَ إلا أحياه الله ولا مريضاَ إلا شفاه الله ، وكل آثار رسله عليهم الصلاة والسلام .

        وقد رفع الله تعالى خاتم رسله وأمته عن كل تلك البركات الحسية التى هى قاصرة على الأجسام وربما أطفأت نور العقول السليمة ، لأن العقل إذا شهد آية يجهل سببها يعجز عن التصرف فيها ويقوم الوهم والخيال يقضيان بلا ميزان ، ولكن الله تعالى جعل معجزة خاتم رسله وبرهان خير خلقه المبشر به كل رسله السابقين ، نور حكمة وبيان وأسرار موعظة وفصل خطاب ، فثبتت العقول على الحق وقبلته بتسليم فكمل التوحيد بكمال التنزيه عن التشبيه والتحديد والإدراك . وصار المسلم عندما يتوجه إلى الكعبة يعلم أنه إنمايسعى قياماَ بأمر ربه وزيارة لبيت رفع قواعده الخليل وابنه ، لأن الله تعالى بارك موضعه وأمر خليله أن يرفع قواعده ، ثم يقرب من الحجر معتقداَ أنه لا ينفع ولا يضر ، وضعه خليل الله بيده وبارك الله تعلى فيه ، فيقبله اقتداء برسل الله واتباعاَ لسننهم عليهم الصلاة والسلام .

       ذلك الإنكارإنما جاء من دين أسس على أن رجلاَ حل فيه الرب ، أو أن الرب حل فى فرج امرأة وتجسم إنساناَ ، أو أن الرب مجهول فى ثلاث ، ثم أسسوا دينهم بعد ذلك على أن الذى يترك أكل اللحم والسمن يكون حماراَ يأكل النباتات أو فرساَ أو جملاَ ، والذى يترك الزواج يكون نباتاَ يتغذى وينمو ، والحقيقة أن النبات له عضو ذكورة وأنوثة ، فإذا كان الإنسان ينحط عن رتبة الإنسانية إلى رتبة البهيمية إلى الرتبة النباتيى يحل فيه الرب ويكون منزهاَ مقدساَ يخلو بالنساء الجميلات ويغفر السيئات ويعفو عن الخطايا ويبيع الملكوت ويحل ويحرم .. من كانت هذه عقيدته لاشك أن أعماله جميعها تكون صنمية.

والرسول الذى بعثه الله بالتوحيد للناس جاء بالمعجزات التى سجدت العقول لها وعجز الخيال عن تمثيل كمالاتها : كشف للعقل الحجاب حتى أشهده أنه عبد الله ورسوله ، وأنه لايملك لنفسه ضراَ ولا نفعاَ إلا أن يشاء الله ، وأنه لا يعلم الغيب ، وأنه إنما هو بشر مثلنا أوحى الله إليه أنه لا إله إلا الله ، وأنزل عليه الوصايا والتعاليم التى استقبلها العقل بتسليم وإخلاص وتصديق .. لاشك أن أعماله تكون مؤسسة على تنزيه الحق جلت قدرته عن النظير والضد والمثيل .. كل أعماله تكون موجهة للواحد الأحد المنزه عن أن يكون محلاَ للأشياء وعن أن تكون الأشياء محلاَ له ، سبحانه هو المنفرد بنفسه المتوحد بأوصافه ، لا يمتزج ولا يزدوج إلى شئ ، بائن من جميع خلقه، لا يحل بالأجسام ولا تحله الأعراض ، ليس فى ذاته سواه ، ولا فى سواه من ذاته شئ ، ليس فى الخلق إلا الخلق ولا فى ذات الله إلا الخالق .. فتبارك الله أحسن الخالقين .. لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواَ أحد .

هذه العقيدة التى يجب أن يعقد عليها قلبه الصبى المسلم من فطامه وتنمو معه فى كل يوم جديد عندما يبتدئ فى حفظ كلام الله القديم ، وعندما يسمع قوله سبحان وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( قل إنما أنا بشر مثلكم )[7] وقوله سبحانه وتعالى له : ( قل لا أملك لنفسى نفعاَ ولا ضراَ )[8] وقوله تعالى :

( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم )[9] وقوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [10]، فلا يحفظ آية من القرآن المجيد إلا وتنمو العزة فى نفسه وتعظيم الله وحده فى قلبه ، أفمن كان هذا أصل يأكل ويشرب ويبول ويتغوط وينام ويجوع ويمرض ويفرح ويحزن ويخاف من الهوام ومن الوحوش ومن إنسان يعاديه ، وبعد تلك النقائص التى يتنزه عنها الرب – وينزه جنابه العلى عنها عقل الأطفال – إذا نظر ما حوله من الآيات وما فوقه ثم بعد تلك الخمسة والنقائص هو الله الذى خلق السموات والآرض .

 

     والله لو أن إنساناَ وقف أمامى فقال لتكن السماء أرضاَ والأرض سماء فكانا كما يقول وشهدت ذلك بالحس وقال إنى لست إنساناَ ولكنى ملك من السماء لكذبته فى دعواه أنه من الملائكة وحكمت أنه إنسان له تأثير نفسانى على الخيال الإنسانى ، فكيف بإنسان أتى بمعجزة لم تخرج عن القدر الذى أهل الله الإنسان لنيله من الطب ، فإن كثيراَ من الأطباء برعوا فى علم الرمد حتى يمكنهم أن يعالج من حصلت له السكتة بطريق التنفس الصناعى ،ويعالج من أصابته النقطة بالاستفراغات والدلك . تلك الأمور التى فى العالم الطبيعى لها نظائر تجعل أهل العقول السخيفة يجعلون من اتصف بها إلهاَ يعبد من دون الله أو ابن الله أو حل فيه الإله . وتنسى تلك الأعمال الموجبة للفضائح أمام العقول وتنكر الحق الصريح البين على أهله ، ما لك وللجولان فى ميدان وقف العقل دونه خاشعاَ ؟؟

الشمس مشرقة أيها الحيوانات الليلية ، لم يخل الأفق من الشمس العلية . وإنى أسأل الله أن يحفظ بنى الإنسان من شر أكابر المجرمين الذين أفسدت عليهم السيادة والرياسة الدين والدنيا وأنستهم يوم الحساب وشديد عذاب الهاوية ، وأن يمن على وعليهم بنور يبين لنا الحق والباطل ، فنتبع الحق ولو لم يكن عليه آباؤنا ، ونتجنب الباطل ولو كان عليه آباؤنا ، ويمنحنا السعادة الحقيقية والخير إنه مجيب الدعاء ، ويعيذنا من الضلال والضلال لنعمل بالكتاب والسنة ، وأن يحفظنى بحفظه من الشر وأهله ، ويكرمنى وأهلى وأولادى وإخوانى والمسلمين.

والحج من مرموزات الكتب السماوية ، وقد بينت لك ما ظهر لأصغر مسلم يعتقد أن الله فرض عليه الحج . ولو أنك أسلمت لله رب العالمين وتوجهت إلى الحج تأدية لما أوجبه الله عليك .. لا نكشفت لك أسرار تلك المرموزات بما يجعل عقلك يعقلها عن قلبك الذى جعل الله له نوراَ يفقه به أحكامه ويقوى به يقينك .. والسلام على من اتبع الهدى .

2- حكمة زواج النبى صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش:

يقول الإمام المجدد فى كتابه (( وسائل إظهار الحق )): لا تعجب أيها المسلم إذا رأيت الخفاش – أى الوطواط- يسكن نهاراَ ويتعيش ليلاَ ، فإن الله خلق خلقاَ يبغضون النور ويحبون الظلمة ، يسارعون فى الفتنة والضلالة والغواية وهم يعلمون أنهم على الباطل عناداَ وعلواَ بغير الحق ويحسبون أنهم يحسنون صنعاَ جهلاَ بالحق وعمى عن الهدى . وكيف لا ؟ وقد صارت الفضائل العمرانية والخيرات الاجتماعية والمنافع العامة للمجتمع الإنسانى رذائل وظلمات فى أعين من هم أعمى من الخفاش بصراَ ، وكيف لا ؟ وهم ينكرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى بشر به المسيح فى أناجيله ، وموسى فى توراته ، وإبراهيم فى أسفاره ، وداود فى مزاميره ، وذكر اسمه فى النبوات بأوصافه ، ما الذى ينكرون على رسول الله صلى الله عليه سلم ؟ ينكرون عليه صلى الله عليه وسلم تزويجه بالسيدة زينب بنت جحش ، ولو أنهم قرأوا آية القرآن وكانت لهم عقول تعقل حكم هذه الحادثة ، ولكن صدق الله العظيم فى قوله سبحانه : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون )[11] .

يقولون : إن النبى صلى الله عليه وسلم عشق زينب بنت جحش حتى أخذت من قلبه مأخذاَ – تنزه قلبه صلى الله عليه وسلم عن أن يشتغل بغير ربه – حتى طلقها زيد فتروجها صلى الله عليه وسلم . سبحان الله !! لو كنت أيها المنكر راغباَ فى البيان لبين لك طفل صغير من أطفال المسلمين أسرار تلك الحادثة !! أو كنت باحثاَ عن الحق لتجلت لك الحقيقة بمجرد سماع آيات القرآن !! أكتب لك الآية ثم أشرح لك ما فيها صريحاَ من الحكم ، ومما يؤخذ منها بطريق الالتزام أو التضمن من الحكم ، يقول الله تعالى :( وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى فى نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطراَ زوجناكها لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراَ وكان أمر الله مفعولاَ )[12]. هذه الآية الشريفة ليس على أنوارها العلية ستائر تحجبها عن العقل ، ولاحجب تمنع أشعتها من أن تنفذ إلى القلب ، ولكن لعن الله الضلال وقبح الله العناد .

اشرح ما يمكن أن أبينه لعدو منتقد ، وأخفى من أسرار الحكمة العالية وأنوار الأسرارالغالية ما لا يمكن أن أبيحه إلا لمسلم كامل :

أنت تعلم أن زيداَ مملوك من موالى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن زينب بنت جحش من أشرف بيوتات قريش . وقد بلغت من المجد والشرف أن لها نسباَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزوجها زيداَ ليمحى ظلمات الجهالة عن نفوس المسلمين فيعلموا حق العلم أن العبد المملوك فى مستوى واحد مع الهاشمى المالك وأنه كفء لأشرف امرأة من قريش حتى يكون الفخر بالتقوى لا بالأنساب ، وبالنفوس الزكية الطاهرة لا بالعصبية والأموال .

ولو أنك أيها المنتقد أدركت سر زواج زيد لزينب وما أنتجه فى المجتمع الإسلامى من المساواة بين أفراد المسلمين حتى صار العبد المسلم مع الشريف القرشى المسلم لذقت من رحيق الكمالات الإسلامية شراباَ طهوراَ يجعل قلبك يدرك حكم الأحكام الإسلامية ، فتنبه من نومة الغفلة ورقدة الجهالة ، ويوحى إليك أن المراد النجاة بأى دين وعلى أى طريق وباتباع أى نبى يكون دينه مطابقاَ للعقل والحق ، وليس المراد التعصب للآباء الضالين والاقتداء بالرؤساء المضلين ، تعصباَ يبلغ بالإنسان مبلغ البغض للحق الصريح والعناد لإحياء الباطل القبيح . هذا سر جلى من أسرار زواج زيد بزينب رضى الله عنهما ، قال الله تعالى : (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ) إلى أن قال سبحانه وتعالى : (وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم )[13] . هذه الاية تحرم على الرجل أن يتزوج زوجة ابنه الذى من صلبه ، وكان العرب قبل الإسلام ينسب الرجل الولد لنفسه فيقول ابنى ثم ينزله منه منزلة ولد الصلب ، وأحكام الله تعالى تغاير أحكام الجاهلية . ولما كان رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم يجب أن يبدأوا بتنفيذ الأحكام على أنفسهم قبل كل أحد .. ليكونوا قدوة وأئمة للأمة ويكون للأمة أسوة حسنة فيهم ، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر زيد بطلاق زينب وأن يتزوجها لنفسه ليهدم أحكام الجاهلية ، وكانت عوائد العرب مستحكمة فى أنفسهم استكاماَ يجعلهم ينقصون من يخالف العادة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حريص على تأليفهم كما وصفه الله ، فشق هذا الأمر عليه صلى الله عليه وسلم خوفاَ على قلوب الناس من الانزعاج وعلى نفوسهم من الرعونات والنزوع إلى مالا يحمد . وابتهل إلى الله تعالى أن يجعل هذا الحكم علماَ لا عملاَ ، حتى كان صلى الله عليه وسلم كلما وقع نظره على زينب وعلم الآية التى يأمره الله بتنفيذها على نفسه فى نفسه ليمحو الله الباطل ويحق الحق بكلماته ، يصعب عليه المر خوفاَ على الخلق ، ويخشى أن يكون هذا الأمر مفسداَ لعقائد بعض الصحابة ، وكانت زينب كلما نظرت إلى زيد عزت عليها نفسها أن تكون زوجاَ لمولى ، وهى الشريفة النسب الكبيرة النفس ، وكان زيد يلتمس من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمره بطلاقها تخلصاَ من أذيتها له ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعه ، حتى طلقها زيد رضى الله عنه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخشى على قلوب الناس وعقائدهم حتى عاتبه الله عتاباَ شديداَ بقوله تعالى :( وتخفى فى نفسك ) ما أمرك الله به من زواج زينب بعد طلاقها من زيد لمحو تلك الضلالة التى كان عليها أهل الجاهلية من أن الرجل إذا تبنى ولداَ لا يتزوج زوجة الولد ولا الولد يتزوج زوجة من انتسب إليه ، وهى أحكام جاهلية لم ينزل الله بها من سلطان ، وهذا الأمر حكم من أحكام الله تعالى لابد أن يبديه الله فى ذات رسوله صلى الله عليه وسلم ليتقرر علماَ وعملاَ ، فلا يشك مسلم بعد ذلك فى صريحه ، ثم بينه صريحاَ فقال سبحانه : ( فلما قضى زيد منها وطراَ ) أى : طلقها ( زوجناك زينب بنت جحش مطلقة زيد الذى تبنيته ليرتفع الحرج عن المؤمنين ويجوز لكل مؤمن أن يتزوج زوجة من يتبناه إذا طلقت منه وهو حكم الله سبحانه وتعالى ، وإنما التحريم بالنسب الحقيقى لا بالانتساب القولى ، وهذه سنة الله تعالى فى رسله ، فإنه سبحانه إذا أمر بأمر وجب على الرسول أن يسارع فى تنفيذه عملاَ أو تركاَ . انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : ( كل دم فى الجاهلية تحت قدمى هذا ، وأول ربا أضعه دم الحارث بن عبد المطلب ، وكل ربا فى الجاهلية تحت قدمى هذا ، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب )[14] فبدأ بتنفيذ أحكام الله فى نفسه بنفسه ليقرر الأحكام علماَ وعملاَ ، ثم نفذأحكام الله فى أقرب الناس له لأن الحارث بن عبد المطلب عمه والعباس بن عبد المطلب عمه .

إذا سلمت أيها المعاند وفقهت تلك الحكم الجليلة ، يمكن أن تباح لك من أسرار الحكم التى تنتقش كمالاتها فى نفسك وتشرق أنوارها على قلبك ، فتكون بها رجلاَ كاملاَ مؤهلا لدخول ملكوت الرب سبحانه رحمة بك أيها المعاند لأنك إنسان مثلى قادك هواك وحظك إلى الهاوية ، والأخوة الإنسانية تقضى على أن أسعى فى نجاتك منها بقدر استطاعتى بالموعظة الحسنة والرفق لأنى أدعوك إلى الحق وإلى السعادة ، لا كما تفعل أنت من فحشك وقذفك وجعل الحسن قبيحاَ وأنت تدعو إلى الضلال بالجهل عن الحق . فعساك أيها الإنسان أن تحفظ رتبتك من الوجود وتعلم أن التعصب للآباء والغرور بالملك والسيادة من مهاوى الهلاك عاجلاَ وآجلاَ . وكفى بالإنسان تعساَ أن يترك الحق الجلى ويسعى فى إخفائه وينصر الباطل الوبئ ويسعى فى إظهاره .

وأكتفى بما أشرت إليه فى معنى الآية لأن مريد الحق يميل إليه متى ظهرت بوادره ، ومريد الباطل يفر من الحق ولو لمسه بيديه .أهـ.

* وفى عام 1331هـ جاء وفد كبير من دول أوربا إلى مصر ، يضم قساوسة وكتاباَ وصحفيين يصطحب أحدهم معه زوجته ، يجادلون علماء المسلمين فى محاولة لبث سموم التشكيك فى الدين الإسلامى . وبعد مناظرات عدة بينهم وبين عدد من العلماء ظنوا أنهم قد حققوا أغراضهم إلى أن دلهم البعض على الإمام أبى العزائم لمناظرته ، فتوجهوا إليه ظانين أنه كغيره ممن سبق لهم مناظرتهم ومجادلتهم .

جلسوا مع الإمام فى بيته ، وجلس المترجمون ، وبدأ الإمام الحديث مع رئيس الوفد قائلاَ : كيف حالك ؟ قال : بخير : فقال الإمام : أتأكل وتشرب جيداَ ؟ قال : نعم ، فقال : يعنى صحتك على خير ما يرام ؟ فتعجب لهذه الأسئلة وأجاب بهذا اللفظ : زى البمب ، وهنا قال له الإمام :وكيف حال أولادك ؟ فضحك الرجل باستهزاء ناظراَ إلى الوفود وهو يقول لهم : إنه يسألنى عن أولادى .. فتضحك الوفود . وفى النهاية قال للإمام : لقد جئنا إلى هنا على صيتك الذائع المشهور ، ولكن للأسف وجدناك تجهل أبسط قواعد المسيحية ، فقال الإمام : وما هى أبسط قواعد المسيحية ؟ فرد قائلاَ : إننى لا أتزوج وبالتالى فلا يكون لى أولاد . وهنا انبرى الإمام قائلاَ : تنزهون أنفسكم عن الولد وتزعمون أن لله ولداَ ؟ وهنا وقعت الواقعة وبدأ رئيسهم يتصبب عرقاَ .. فقال الإمام : ألم أسألك أولاَ أتأكل وتشرب ؟ فقلت : نعم ، إذن أنت أسير نعمته سبحانه ، ولو منع عنك نعمته لهلكت فقل لى بالله عليك لواحتبس البول  فيك أو الغائط ماذا يكون مصيرك ؟ إذن أنت أسير بولة وأسيرغائط ، تنسب لنفسك النزاهة عن الصاحبة والولد وتنسب لله المنزه القادر الصاحبة والولد .

      وأشار إلى السيدة الموجودة وسأل عنها ، فقالت : حضرت مرافقة لزوجى هذا ، فقال لها : تزوجت على سنة مَن؟ السيد المسيح لم يترك سنة للزواج والمسيح لم يتزوج ،  وبذلك فإن سنة المسيح تقتضى انقراضكم من الحياة ، وما نحن نعيش فيه الآن هو على سنة رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذى سن لنا الزواج .

وهنا طلب الوفد الانصراف لأنهم علموا أن الإمام سيدخل فى الموضوع الذى حضروا من أجله وهو زواج السيدة زينب بنت جحش وسيدنا زيد بن حارثة وكذلك موضوع تعدد الزوجات ، وأنه سوف يفند آراءهم بالحق ، ويكشف نواياهم الخبيث التى حضروا من أجلها إلى مصر ، وصدق الإمام حينما قال منذ اللحظة الأولى للقائهم : إذن استوى الماء والخشبة . وغادروا المنزل فوراَ إلى الإسكندرية ولم يطيقوا البقاء فيها فذهبوا إلى الميناء وأمضوا وقتهم وليلهم بها حتى إقلاعهم إلى بلادهم. وقد كتبت إحدى الصحف الإيطالية بعد وصول الوفد تقول : إن فى القاهرة رجل يدعى محمد ماضى أبو العزائم لن يكون للاستعمار بقاء وهذا الرجل موجود فى هذا الشرق[15].

3- حكمة تعدد الزوجات لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

 الإنسان فى حاجة للتعاون ، وأكمل من يعينه أقاربه وأصحابه . فقد يتزوج الرجل من العائلة ليكون أولاده أهل شرف وعصبة ، وقد يتزوج ليكون الزوجة مدبرة لمنزله مربية لأولاده ، والمعانى المعقولة التى ترجح تعدد الزوجات محسوسة راجحة . والحقيقة أن الإنسانية إذا تزوج امرأة أخرى هى كالأولى لاتتفاوت عنها ، لم ينصف .

ولما كان الدين الإسلامى يوجب العمل والنشاط على كل مسلم ويجعل أول واجب التعليم ، كان ولاشك كلما كثر النسل انتشرت الفضائل وعمت الخيرات . ولما كان الدين المسيحى أوجب على الناس ترك الدنيا وكرههم فى العمل لها فيها ، وأخبر أن الغنى لا يدخل الملكوت ، ولم يتزوج المسيح ولم يأمر أحداَ من تلاميذه بالزواج ، وكان يتناول طعامه من أيدى الناس بلا عمل .. كان ولابد أن يأمر بترك الزواج مرة واحدة أو بتزويج واحدة فقط ، وإلا مات الناس جوعاَ ،لأنه لم يأمر بتعليم الصناعة والحرف ولا بالزراعة ولا بالعمل مطلقاَ للدنيا فيها. فكان دين المسيح دين الكسل والبطالة والرهبانية وسكنى الغابات والكهوف ، ولذلك ترى أن أهل أوروبا لما أشرقت عليهم أنوار العلوم الإسلامية والعمل فى الدنيا ، وقام أهل الأفكار منهم وطالعوا التعاليم المسيحية التى تحتم على بنى الإنسان أن يترك الحضارة والمدنية والتمتع بنعم الله من الائتلاف والتعاون ، حكم أن أصل الإنسان قرد وأنه لابد وأن يؤمر بالرجوع إلى ما كان عليه من العيشة فى الكهوف والغابات وترك استكشاف أسرار الكائنات وخواصها للانتفاع بها ..وإلا ما الذى دعا دارون أن يقول : إن الإنسان أصله قرد ويقوم مبرهناَ بالبراهين التى تنبئ عن فساد قواه العقلية واختلال تركيب أمزجته وضعف المجموع العصبى .

لا تعجب .. فأكثر أهل أوروبا تلاميذ دارون ، وقد كادت تلك الحقيقة تكون مقررة فى أذهان نصارى الشرق ، لأن تعاليم الدين المسيحى ترغب فى العيشة الحيوانية ، وهم يعتقدون أنه ابن الله ، فلم يرغبهم فى العيشة الحيوانية إلا ليرجعهم إلى أصولهم . أستغفرك الله من حكاية أقوال من لايعقلون ، وأعوذ بوجهك الكريم من أن أقصد الشر لأحد من بنى الإنسان . اللهم وأنت سبحانك تعلم لا غيرك أنى لا أريد إلا الخير، فأنزل يا إلهى بيانى هذا من قلوب الذين ينتقدون علينا منزلته من قلبى من القبول ، واحفظنى ياإلهى بحفظك من شرهم وكيدهم ومكرهم إن قدرت سبحانك عدم هدايتهم .

إذا تقرر هذا الأمر ، أبين لك أيها النكر ما يمكنك أن تفهمه من حكمة تعدد زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم :     

اعتقد معى أنه رسول لجميع الخلق ، وأنه خاتم الأنبياء ، وأنه أرسله الله على فترة من الرسل بين جاهلية عمياء وأمم ظلمة ومدن فاسقة وملوك جبابرة ، وهو الذى يضع الحرب كما بشر به المسيح الذى قال : ( ما جئت لأضع حرباَ ولكنى جئت لأضع سلاماَ ، والذى يأتى من بعدى يحصدهم بالسيف ) أو كقوله عليه السلام . وكان الرسل قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثون لأممهم فقط ، وأرسله الله تعالى للناس كافة ، فلابد أن يكون له صلى الله عليه وسلم حزب قوى متماسك متحد اتحاداَ بكل معنى الكلمة من أوجه الاتحاد كلها : من جهة الدين ومن جهة الألفة ومن جهة القرابة ومن جهة النسب . فحقق الله تلك الرابطة القوية بالدين وباللغة ، فكان يتكلم مع كل قبيلة بلغتها ، ثم أكمل الله تلك الرابطة بما أباحه له صلى الله عليه وسلم من تعدد الزوجات بوسعة : فتزوج ابنة أبى بكر الصديق وابنة عمر بن الخطاب رضى الله عنهما وزينب بنت جحش للحكمة التى سبقت وابنة أبى سفيان وغيرهن ممن كن سبباَ فى تقوية الروابط الدينية بسبب النسب واتصاله . ومن نظر بعين المفكر العالم الحكيم يتحقق أن تعدد الزوجات للنبى صلى الله عليه وسلم من علامات النبوة وأكمل دليل على أنه خاتم الرسل وأنه المبعوث للناس كافة بشيراَ ونذيراَ ، وكيف يخفى على إنسان يعقل البديهى حكم هذا الحكم ؟

وقد مكث صلى الله عليه وسلم راضياَ بزوجة واحدة مدة عشرين سنة تقريباَ وهو فى ريعان الشباب وراحة البدن وصفاء الوقت . ولم يتزوج السيدة عائشة والسيدة حفصة رضى الله عنهما وغيرهما إلا بعد بضع وخمسين سنة من عمره الشريف وهو فى أعظم أوقات العمل وأصعب آنات الصعوبة ، وهو بين جهاد بالسيف أو باليد أو باللسان ، وبين تقرير أصول الدين وبيان فروعه وبين تنظيم الجيوش وتزكية النفوس ، حيث أن أنفاسه صلى الله عليه وسلم كانت أنفس من النفائس . ومن قرأ تاريخه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة يتحقق أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يتزوج واحدة من أمهات المؤمنين بعد الهجرة لشهوة أو رغبة فى لذة ، ولم يتزوج قبل الهجرة على التحقيق إلا السيدة خديجة عليها السلام قبل البعثة ، ومكثت معه صلى الله عليه وسلم راضياَ بها وراضية به عليه الصلاة والسلام منذ كان عمره الشريف سبعة وعشرين سنة إلى بضع وأربعين . فهل القائم بعظائم الأمور الذى يدعو الخلق أجمعين إلى نجاتهم بالرحمة والرأفة الحريص عليهم ، المنكب بكليته على الحق ، المجاهد بنفسه منفرداَ فى سبيل الله إظهاراَ لدين الله ومحوا للضلال والكفر يتلذذ بغير الحق أو يشتغل نفساَ بغيره ؟ حاشا أن يخطر على قلب رسول من غير أولى العزم هذا الخاطر ، فكيف يخطر على قلب أفضل أولى العزم ؟. إنما هى إشارة ، فكيف لا يكتفى بالعبارة ؟!.

4- سيف الإسلام سيف الرحمة :

ليس تاريخ العرب بالتاريخ الذى كان منقوشاَ على الأحجار فمحى من عليها ، أو مرموزاَ باللغة العجمية وليس من يقرأه ، ولكنه تاريخ جلى يعلم كل عاقل ما كانوا عليه وما آلوا إليه .

عجباَ عجباَ !! يخرج العربى من جوف مكة فى زمن لم تكن هنالك معدات سفر ولا عوارف حضر ولا آلات للنقل ، فيخرج والقرآن فى يمينه ، وحب الخير لعامة بنى الإنسان فى ضميره ، وقليل من القوت والماء على ظهره ، والسيف الذى هو رحمة الله فى يساره . أقول رحمة الله لأنه : فى يد من سل ؟ وعلى من سلط ؟ فى يد إنسان ملأ الله قلبه رحمة ليسوى بين أفراد الإنسان ، وجعل فى قلبه نوراَ لينشر العدل بين بنى جنسه ، لا يقصد بذلك أن يقهرهم على اعتناق دينه ولا أن يخرجهم من الملك الذى هم فيه ما داموا على مبادئه الشريفة الفاضلة من العدل والمساواة والرحمة والشفقة والتعاون والصلة والبر ، لا فرق عنده بين النصرانى واليهودى والصابئ ، وها هم أهل الذمة فى كل بلد إسلامية برهان ساطع على أن الأمر كما أقول .

على من سلط هذا السيف ؟

سلط على جبار عنيد يستعبد عباد الله ، وطاغية فاجر عامل لمحو الحق وإظهار الباطل . سبحان الله .. ما للعيون عميت عن الحقائق وهى مجلوة !! وما للقلوب انصرفت عن الآيات وهى مضيئة !! اللهم رحماك . فكأن الإنسان ليس بإنسان لأنه أهمل عقله إهمالاَ جعله يجعل الباطل حقاَ ويؤيده بأباطيل ، ويجعل الشمس الجلية ضحوة مظلمة .

قلت إن المسلم لم يجعل سيفه فى قهر الناس على اعتناق الدين ، لأن الجمال الإسلامى تجلى للعقول الكاملة وللقلوب السليمة تجلياَ جذبه إليه . ومن رأى الكتب التى ألفت فى تفسير القرآن وخدمة الأحاديث النبوية واستنباط الأحكام من الكتاب يتحقق أن أكثر مؤلفيها من غير العرب ، وأنهم من عقلاء الأمم وعلمائهم الذين جذبهم الحق إليه وقربهم منه ، الذين تجلت لهم أنوار الإسلام فاهتدوا بها إليه وظهرت لهم حقائقه فأقبلوا بها عليه ، فلما أن باشرت بشاشته قلوبهم تفجرت ينابيع الحكمة منها فترجمت بها ألسنتهم. ومن قرأ تلك الكتب يعلم حق العلم أن الذى دعا العالم إلى الإسلام جماله الحقيقى ونوره الجلى . وإنما كان السيف الإسلامى لمحو الظلم والفسوق و الجهالة والرذائل ، وإلا فما لنا نرى أكثر من أسلم من غير العرب هم الذين خدموا الدين بعلومهم وأفكارهم !! وبينوا أسراره وأنواره وكشفوا للعقول عن حكمه وآدابه !! ونرى من بقى منهم على دينه ممتعين بأملاكهم وأموالهم وخدمهم وهم أقل ممن أسلم عقلاَ وأدنى منهم فكراَ وابعد منهم معرفة بأسرار الحكمة .

خرج هذا العربى بعد أن تلقى عن سيد رسل الله صلوات الله وسلامه عليه من مكة مخترقاَ تلك البوادى القاحلة والصحارى الماحلة والجبال الشامخة والبحار المحيطة ، حتى رمى بنفسه إلى الأقطار النائية . فما مر على مجتمع جاهلى إلا جمله بفضائل الإسلام ،ولا على أمة ضالة إلا هداها إلى الحق ، ولا على مدينة فاسقة إلا أرجعها إلى الهداية .. فكان كأشعة الشمس التى تسرى فى الدقيقة الواحدة بسرعة تحير عقل العاقل فى سرعة سريانها وفيما تفيضه من الخير ومن النور والهدى والبيان ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الشمس ، وكان أصحابه هم الأنوار المنبعثة من تلك الشمس العلية .

خرج العربى من مكة حتى خاض لجة المحيط ، محيط الظلمات ( المحيط الأطلنطيقى ) غرباَ ، وخرج من مكة حتى سبح فى لجة المحيط الهادى شرقاَ ، ونشر النور فى أقطار الهند والصين حتى جبال القوقاز ، ولم تقف به عزيمته حتى أبقى له فى كل واد أثراَ لا يزال لسان صدق ناطقاَ بما للإسلام من الفضل العميم ، ونوراَ مبيناَ شاهداَ بأن الإسلام هو الدين الحق الذى يجب على كل عاقل أن يعتنقه .

قام هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ، فنور قلوبهم بالحكمة النظرية بما أنزله الله عليه من كتابه المجيد ، وما أوحاه الله إليه من الحكمة والبيان ، ثم قام صلى الله عليه وسلم بأكمل أحوال الحكمة العملية ، فعمل الأعمال الروحانية والبدنية خالصة للدار الآخرة ، والأعمال البدنية للدنيا والآخرة ، والأعمال الروحانية والبدنية لخير بنى الإنسان ، فبث صلى الله عليه وسلم روح تلك الأعمال فى أرواح سلمت له صلى الله عليه وسلم ، وقلوب تخلت من سواه صلى الله عليه وسلم ، وآمال تعلقت به صلى الله عليه وسلم ، فكانوا صورة كاملة لجنابه صلوات الله وسلامه عليه ، وآية كبرى دالة على أنه خاتم رسل الله وسيدهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين . وليس بنقص فى الشمس أن يراها الخفاش مظلمة وأنكر فضلها البوم والعقارب والأفاعى وأشكالها من الحيوانات المؤذية التى لا تهتدى فى النور المشرق . وكم من حيوانات تتطيب بالقاذورات وتتغذى منها ، وتموت إذا شمت الطيب، وكذلك الحيوان الذى هو على صورة الإنسان يرى الحق باطلاَ والباطل حقاَ ، كما يرى الخفاش نور الشمس ظلمة وظلمة الليل نوراَ .. نعوذ بالله من هوى يعمى عن الحق وحظ تنقلب به الحقائق ، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا نوراَ فى قلوبنا نهتدى به إلى الحق ، ويحفظنى وأهلى وإخوانى والمسلمين .

لعل المنكر يجهل مامن الله به على جميع الخلق من الرحمة برسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول قام والسيف صلت – أى مسلول – فى يده ، ونعم .. ولكنه سيف رحمة وحنانة ورأفة وشفقة ، وإلا فالذى كان فى يده السيف للنقمة لم أبقاك أيها المنكر حياَ وكان من السهل عليه أن يقول كلمة صغيرة فى وصاياه تكفى أن تكون الكرة الأرضية كلها ليس على وجهها غير مسلم ؟.

لعلك لا تسلم بحكمى هذا ، لكنى أبين لك بالبرهان الحسى أنه لم يشهر السيف إلا على الظلم ولم يضرب به إلا هامة الجور . انظر إلى المدن التى أسسها الإسلام والبلاد التى ملكها المسلمون ، ترى النصرانى واليهودى والمسلم سواء فى كل الحقوق المدنية . فلو كان السيف سيف النقمة لغير المسلم لما أبقى نصرانياَ ولا يهودياَ .. أقول على وجه الأرض ، لأن المسلمين إذا كانوا متمسكين بالدين تمسكاَ حقيقياَ مكنهم الله فى الأرض بالحق تمكيناَ حتى جعل لهم من القوة ما يمكنهم به أن يقهروا الخلق أجمعين على الإسلام أو القتل – ولم نسمع بهذا أبداَ – وإنما كانوا يقهرون الظلمة الذين كانوا يستعبدون خلق الله من الملوك والرؤساء ، ليجعلوا عباد الله يتنعمون بنعمه سبحانه فى مستوى واحد ، ويكون لليهودى وللنصرانى ما للمسلم من الحقوق كلها ، ويمتاز النصرانى واليهودى عن المسلم بأنه لا يكلف بحماية الثغور ولا بمدافعة الأعداء فى الجهاد ولا بحراسة المدن ليلاَ ، بل يكونون فى أمن وأمان يعملون فى أعمالهم الخاصة ويستريحون متى شاءوا .

وكان المسلم يكلف بدفع زكاة ماله فى كل سنة والذمى يكلف بنظيرها من ماله ، وزكاة المال من المسلم لا تجعل له امتيازاَ . وما يؤخذ من الذمى من المال يجعله فى رياض الأنس وحصون الأمن ، تسفك دماء المسلمين وهو آنس بزوجته وأولاده فرحاَ مسروراَ ، ويفارق المسلمون أولادهم وأهلهم وبيوتهم وهم كأنهم ملوك فى منازلهم ومزارعهم ومصانعهم . هذا هو الذى سل لأجله سيف الإسلام ، فهو رحمة لا نقمة ، ونور لا ظلمة ، وحياة لا موت ، وسعادة فى الدنيا لأهل الذمة ، وسعادة فى الدنيا والآخرة لمن انكشفت له أسرار الدين ممن أسعدهم الله بالعقل .

إن العرب الجاهلية الأذلاء ، الجائعى البطون ، العراة الظهور ، المتفرقى الكلمة ، الجبارين ، كيف سادوا وملكوا الأرض شرقاَ وغرباَ وأسسوا المدينة الفاضلة على أكمل أسس ؟ لم يكن ذلك إلا بالإسلام . نعم .. ولم يكن قبل الإسلام مدينة فاضلة بمعنى الكلمة ، لا ، ولا فى عصر رسل الله السابقين ، فإن شاهد الحق لدينا أقاصيص التوراة وما جاء فى الكتب المقدسة من الحوادث المهمة . أى مدينة من المدن القديمة كانت مؤسسة على الفضائل الكاملة ؟ الأمر جلى كالشمس فى السماء الصحو ، وإنما صار المجتمع الإنسانى مجتمعاَ فاضلاَ بعد الإسلام لا قبل الإسلام . كان الحق للسيف والسوط والقوة قبل الإسلام ، فما ظهر الإسلام إلا وظهرت الفضائل الكاملة بأجلى مظاهرها ، والمساواة الحقيقية بأجلى معانيها . لا تجعل أعمال بعض أهل الجهالة من المسلمين حجة على الإسلام ، وإنما هى وصايا محفوظة لم تغيرها السنون والدهور ، ولم يحرفها أهل المطالع والجهالة والغرور ، لأنها تنزيل من حكيم حميد .

5- يتخذون من حديث الإفك مادة للتشنيع :

أنكروا على الإسلام أموراَ خارجة عن نواميس الدين بعيدة عن أصوله . يقولون إن زوجة النبى صلى الله عليه وسلم وهى فى سفر خرجت لتقضى حاجة فى مكان البراز ليلاَ ، لأن قضاء الحاجة لا يتحمل الصبر عليه الإنسان وابتعدت عن الناس بحاجتها حياء ، فقام الجيش . فلما أقبلت جلست فى مكانها الأول حزينة باكية مسلمة أمرها لله ، حتى جاء الراكب الذى يكون بعيداَ عن الركب ولا يقوم إلا بعد قيامه ليتمكن من حمل المتأخر وحفظ ما يضيع منه . فلما أقبل وجد امرأة نائمة ، وكان من أتقياء الصحابة رضوان الله عليه ، فنزل من على ناقته ثم وقف وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فاستيقظت عند استرجاعه وركبت على الناقة وانصرفت بها وهو يعلم أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلما أن قدموا االمدينة قام يهود المدينة فقالوا : تأخرت زوجة نبيهم .

وما الذى كان لو تأخرت ؟ إن الرجل ليرسل زوجته وأخته مع رجل آخر صديقه فيسافر بها اليومين والثلاثة والأربعة لمجرد الصداقة . واليهود معذورون إذا قالوا : إن عيسى ابن زنا ، وإذا رموا أمه بالفسوق ، لأنها بنت بكر راهبة حملت وولدت ورؤى ابنها ، سبحان الله . أهذه من الأمور التى تنقص مقام الأنبياء ؟ إن كان هذا مما ينقص مقام الأنبياء فمسألة المسيح ليست شبهة ولكنها حقائق . فمن كان يصدق أن بنتا بكراَ تحمل وتلد ويقول : إنها بريئة طاهرة ؟ كيف ينكر أن زوجة نبى كريم تكون فى سفر وتمنعها الحاجة ثم يأتى حارس الركب بها محمولة على ناقته وهو من أكرم الصحابة وأعلمهم بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظن به السوء من له عقل ؟ أخرج الخشبة من عينيك ،فإن عينى أخيك ليس فيها قذى – هذا أكبر ما يرمون به هذا النبى الكريم .

وقد علمت أن أسفار التوراة دالة على أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يحفظ الله أهلهم ويبعد عنهم من ليس منهم . إن كانت مريم التى حملت وولدت برأها الرب ، فتلك السيدة التى لا يخطر على قلب عاقل خاطر بسوء فى حادثتها هذه إلا من لعنهم الله من اليهود والمنافقين وممن قام يظن السوء فى أمهات المؤمنين .. قد حفظ الله شرفها وهى البعيدة عن الشبهة ، المصونة عن الريبة .. قال : إن المسيح ابن زنا . ولعل من عنده قابلية للفهم أن يتوب إلى الله ويرجع ، وإلا فعسى الله أن يأتى بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا فى أنفسهم نادمين .

6- ليست الآية فى خلق عيسى توجب تأليهه:

وليس حمل مريم بولدها عيسى عليه الصلاة والسلام بأعجب من حمل الأرض بولدها آدم . والذى يعتقد أن الأرض التى ولدت رجلاَ هو آدم وأن رجلاَ ولد امرأة هى حواء لأن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر ، لا يتعجب إذا رأى فتاة بالغة خلق الله منها ولداَ . ولو أرجعت الأمر العقلية الطبيعية وجردت نفسك من وساوس الخيال ومن فساد الأوهام لحكمت أن الأمر ليس فوق العقل ولا يحتاج أن يكون الذى يولد بهذه الصفة هو ابن الله ولا أخاه ولا أنه الله حل وتجسم فصار ولداَ ، لأن العناصر الأربعة فى المرأة إذا توازنت توازناَ حقيقياَ مؤدياَ إلى كمال الرتبة الحيوانية الإنسانية يجوز أن يتحلل من المجموع المنوى منى صالح لأن يتطور فى الرحم أطوار منى الرجال ، فيكون منه إنسان ينقصه قوة الشهوة الإنسانية ، وثقل الطينة  الآدمية ، كما حصل كثير مما يقول عنه غير المتدينين أنه من فلتات الطبيعة ، ويقول أهل الدين قدرة الله صالحة لكل شئ والله قادر على كل شئ .. نعم .. خفاء السبب يوجب العجب ، ولكن لم يخف السبب .

إذا .. القدرة التى خلقت إنساناَ من الطين ، وإنسانة من إنسان ، وجعلت غصناَ – الذى هو عصا سيدنا موسى عليه السلام – من شجرة حيواناَ يسعى يلقف كل شئ يمر به ، وجعل الريح تصير كبساط يجلس عليه الإنسان ( سيدنا سليمان ) ثم تحمله وتطير به ، وجعل تلك الآيات العجيبة المشرقة جلية فى المجموعة الشمسية وفيما بين السماء والأرض وفى الأرض.

كل تلك الآيات لم تكن عجيبة عند العاقل لظهور سببها جلياَ ، وهو قدرة القادر الحكيم . ولكن الجاهل بقدرة الله تعالى وبكمال تنزيهه سبحانه وبعلى جلاله وعظيم كبريائه وعزته إذا رأى آية مما لا يعجب منها العقلاء يظن أنها هى الله أو جزء من الله ، وكفى بالجهل شراَ . أكرم الله عبده ورسوله عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم بما يلفت إليه الخلق ، وخصوصاَ بما كان يتنافس فيه أهل زمانه من الطب والسحر ، وكان صلى الله عليه وسلم يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله ويحيى الموتى بإذن الله ، الأمور التى أعجزت أئمة الأطباء فى عصره كما فعل سيدنا موسى عليه السلام حين ألقى العصا فصارت تلقف ما صنعوا . وإن العجب من عصا سيدنا موسى موسى عليه الصلاة والسلام عند العاقل أولى من العجب بيات سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام ، لأن المرض من شأنه أن يزول لأنه عارض ، والموت سبقته الحياة ، فإرجاع الأصل سهل على القدرة ، ولكن تفجير اثنى عشر نهراَ من حجر وادياَ بين جزأيه وجمد الماء كأنه جبل ويبس ما بين الفرقين بحيث صار الماء لا يسيل حتى مر سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من بنى إسرائيل ثم انضم بعد ذلك فصار متلاطماَ بالأمواج . تلك الآية أعجب وأغرب من كل آية أتى بها سيدنا ومولانا عيسى عليه الصلاة والسلام .

فالجاهل ربما يظن أن العصا هى الله ، وأن الله حل فى العصا ، كما ظن بعض بنى إسرائيل أن عزيراَ الذى أماته الله مائة عام وأحياه بقدرة وحكمة هو ابن الله لجهلهم السبب ، ولكن إذا ظهر السبب بطل العجب .

فأى عجب فى أن امرأة ولدت بدون زوج – وقدرة الله صالحة لأكثر من ذلك ؟!!- وأى عجب فى أن إنساناَ يقول فى الإنجيل : ( لست المعلم الصالح ، المعلم الصالح هو الله ) ويقول : ( اعبدوا أبى وأباكم الذى فى السماء ) ويقول : ( من يؤمن كإيمانى يعمل كأعمالى وأكثر )، ثم يقيم الحجة على أنه هو الله أو أنه جسم حل فيه الله .

لا تعجب إذا اعتقد الجاهل عقيدة من تلك العقائد ، فليس بعد الجهل ذنب . وكفى ذماَ للإنسان المؤهل لتلقى العلوم المفيدة ونيل كمالات النفس أن يكون جاهلاَ يلقى نفسه بجهله فى هاوية العذاب .

إن يحيى بن زكريا عليهما السلام المذكور فى التوراة باسم ( ملاخى ) وهو رسول كريم على الله تعالى جاء بمعجزة فى حمله ووضعه لا تقل عن معجزة المسيح فى حمله ووضعه ، لأن زكريا عليه السلام كانت عنده امرأة عاقر كما هو صريح التوراة وطال عمره حتى بلغ سن اليأس من أن يكون له ولد ، ذلك لأن امرأته عاقر وأنه حرم القوة التى بها نيل هذا الأمر حتى أن الله بشره على لسان جبريل عليه السلام فعجب من بشارة الله له لأن حاله هو وزوجته لا يقبل العقل أن يكون لهما ولد ، ولكن الله قادر على أن يوجد الشئ من لا شئ ، فكيف لا يوجد ولداَ من امرأة عاقر ورجل يائس بلغ به ارتخاء مفاصله ويبس المادة الغريزية مبلغاَ جعله كالميت وامرأته كأنها ميتة لأنها عجوز بلغت سن اليأس .

 إن المعجزة التى ظهرت لعيسى ظهرت بأجلى مظهرها فى يحيى ( يوحنا ) . لم يكن عيسى أولى من يوحنا فى هذا المجد ، لأن يحيى رسول الله وعيسى رسول الله عليهما السلام ، والله أعطى يحيى الرسالة صبياَ ، وبلغ من الثقة به عند قومه أن جعلوه رئيس المعمودية وهى وظيفة كمل الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وأجمع كل شعب إسرائيل على أن المعجزة التى أظهرها الله ليحيى من أكمل المعجزات ، لأن حمل بنت شابة ليس بعجيب كحمل امرأة عاقر – يئست من الحيض – من رجل ارتخت مفاصله ويبست مادته وأكله الهرم حتى صار بالنسبة لهذا كالميت .

أقول : لم يكن المسيح عليه السلام أولى من يوحنا ( يحيى ) فى هذا المجد ، لأن يحيى عمد المسيح عليهما السلام ، فكان ذلك برهاناَ على منزلة يحيى من المسيح عليهما السلام .

 


[1]        سبق تخريجه ص 297.

[2]        سورة آل عمران آية 79.

[3]        البخارى فى التاريخ والترمذى فى التفسير .

[4]        روى هذه القصة السيدة فاطمة عبد الباسط القاضى حيث شهدت هذه القصة عندما كانت تخدم الإمام فى ذلك الوقت .

[5]       سورة البقرة آية 129.

[6]      يخاطب الإمام أهل العقول المعاندة على قدرهم ، لكن أسرار الحج والعبادات الأخرى موجودة فى كتب الإمام ومواجيده ومقالاته بالمجلات ، فارجع إليها إن شئت .

[7]     سورة الكهف آية 110 .

[8]     سورة الأعراف آية 188.

[9]      سورة البقرة آية 163.

[10]     سورة الأنبياء آية 22.

[11]  سورة الأعراف آية 179.

[12]      سورة الأحزاب آية 37.

[13]      سورة النساء آية 23.

[14]      ابن جرير الطبرى فى تاريخ الأمم والملوك 2/205.

[15]      روى هذه القصة الأخ أحمد بيومى من المحلة الكبرى سماعاَ من المغفور له فضيلة الأستاذ الشيخ إبراهيم الخطيب كبير وعاظ آل العزائم الذى حضر وقائع هذه الجلسة .