حياة الامام

الإمام أبو العزائم وعلم الفقه

الفقه : فى اللغة هو الفهم والعلم ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ما نفقه كثيراَ مما تقول )[1] وقوله : ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) [2]، وقوله : ( ولكن لا تفقهون تسبيحهم )[3] ، وقوله : ( لا يكادون يفقهون حديثاَ )[4] . وتطلق عند الفقهاء على ما يتناول الأحكام الدينية جميعها ، ويستوى فى ذلك أحكام العقائد والتوحيد والصفات ، والأحكام العملية أو أحكام الفروع .

 

وقد ندب الله إلى تعلمه ونشره بين الناس وذلك بقوله : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون )[5]. فقد جعل الله عز وجل ولاية الإنذار والدعوة للفقهاء ، وهذه درجة الأنبياء تركوها ميراثاَ للعلماء ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( العلماء ورثة الأنبياء) [6]ومشتملات الفقه الإسلامى تتناول حياة الفرد والجماعة والدولة ، دينية كانت كانت أم دنيوية ، سواء أكانت من العقائد أم العبادات أم المعاملات أم الجنايات أم الأحوال الشخصية ، أو ما يتعلق بكل ذلك من القضاء والشهادة والمرافعات ، أم كانت متعلقة بالناحية الدستورية أو الاقتصادية أو الدولية ، وما يتعلق بذلك من جرب وسلم ومعاهدات .

وقد تناول الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم الفقه من جميع جوانبه وعرضه بأسلوب ميسر خال من التعقيد يسهل على السالك المبتدئ فهمه والعمل به ، لقناعته رضى الله عنه أن الفقه الإسلامى من العلوم التى يجب على المسلم تحصيلها لتستقيم أعماله مع الشريعة فجعل له كتاباَ خاصاَ سماه : (( أصول الوصول لمعية الرسول صلى الله عليه وسلم )) وأفرد لعلم الفقه ثلاثة أبواب :

الباب الأول : عرف فيه العقيدة ، وبين فقه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداَ رسول الله .. وفضائل النطق واليقين بها .

الباب الثانى : وتضمن فقه العبادات ، وهى النظم التى شرعها الله ليأخذ المسلم بها فى نفسه فى علاقته بربه ، وسبيلها أداء الواجبات الدينية من صلاة وصوم وزكاة وحج ، وقد جاءت فريضتاَ الصوم والحج فى كتاب مستقل لكل منهما فضلاَ عن المختصر الفقهى لهما فى هذا الكتاب حيث جعل لفريضة الصيام كتاباَ سماه

(( صيام أهل المدينة المنورة )) وللحج كتاباَ سماه (( هداية السالك إلى المناسك فى الحج )).

والباب الثالث : فقد احتوى على فقه المعاملات ، وهى أحكام الدين الإسلامى فى المعاملات والأحوال الشخصية ، كى يعلم المسلم احكام دينه ، فإنه إذا عرف أحكام دينه فى البيع والشراء والزواج والعقود والتأمينات وغيرها واستبانت له سماحة الإسلام – مع دقته فى التشريع وأحاطته بكل صغير وكبير مما يجرى فى المعاملات بين طوائف البشر ومما يتضاءل بإزائه تشريع المشرعين وتقنين المقننين من غربيين وشرقيين – دعته عظمته وحملته دقته وسماحته إلى الأخذ به والتعويل عليه .

 

أما ما يتعلق بالوضع الدستورى فى الفقه فقد وضع الإمام له باباَ فى كتابه (( النور المبين لعلوم اليقين ونيل السعادتين )) بين فيه علاقة الحاكم بالمحكوم ، وتكلم عن الشورى ، وتكلم عن الإمامة من الناحية الفقهية باعتبارها النظام السياسى فى الإسلام والتى يقوم على أساسها سائر التنظيمات الأخرى الاجتماعية والمالية والاقتصادية والعسكرية فبين رضى الله عنه وجوب تنصيب الإمام وصفته وطريقة اختياره والواجب عليه لكل فرد من أفراد المسلمين والواجب للإمام على كل فرد من أفراد المسلمين وعلى جماعتهم حتى يتضح للشباب المسلم- سواء من كان فى حقل الدعوة منهم، أو فى التنظيمات السرية التى أشاعت الرعب فى البلاد أو فى جماعات قتل المسلمين – أنه وقع ضحية فكر الخوارج وفقههم المتطرف الذى يحمل بذوره لشبابنا دعاة لهم قوة تعبير وحرارة تأثير .

وبالنسبة لما يتعلق بالعلاقات الدولية فى الفقه الإسلامى فقد بينها الإمام فى كتاب ((الجهاد )) وكتاب (( وسائل نيل المجد الإسلامى )) وذلك فى السلم والحرب ، ونظام الأسرى والمعاهدات .

أما ما يتعلق بأحكام الجنايات ، كالسرقة والقذف وقطع الطريق والزنا والقتل العمد وشبه العمد والخطأ إلى غير ذلك ، وما يتعلق بأحكام العقوبات من حد وتعذير وديات وقصاص ، وما يتعلق بأحكام المرافعات ونظم الإجراءات القضائية ، ووضع قواعد الدعوى وجعل البينة على المدعى واليمين على من أنكر وما يشترط فى الشهود وسماعهم .. وما يتعلق بالوضع الاقتصادى والمالى فى الفقه الإسلامى ووضع قواعد العدالة الاجتماعية ، والاحتكار والعقود التى تؤثر على الاقتصاديات ، ونظم الموارد المالية ، كأحكام الغنائم والزكاة والكنوز ، ونظام الخراج والعشر ونظام الفدية ، كل ذلك من الآثار التى مازالت مخطوطة أو قيد البحث عنها وتجميعها تمهيداَ لطبعها وإخراجها تباعاَ بإذن الله تعالى .

نموذج لتبسيط الأمور الفقهية :

  1. (( فرائض وسنن الصلاة )) تناولها الإمام رضى الله عنه فى عبارة قصيرة وبيان محكم وجيز فقال : الأفعال كلها فرائض فى الصلاة إلا ثلاثة : رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام والجلوس فى التشهد ولفتة السلام على الشمال . والأقوال كلها سنن إلا ثلاثة : تكبيرة الإحرام ، والفاتحة ، والسلام على اليمين .
  2. الحضور بعرفة : تحت هذا العنوان يقول الإمام رضى الله عنه : قلت : الحضور بعرفة ، بدل : الوقوف بعرفة ، لأن المراد وجود الحاج فوق عرفة سواء أكان جالساَ أو مضطجعاَ أو راكباَ أو ماراَ ما دام أمكنه الوجود على عرفة جزءاَ من النهار يوم عرفة وجزءاَ من الليل ليلة الأضحى .. والذى يعنينا هنا أن الإمام رضى الله عنه رأى أن كلمة (( الوقوف )) تعنى حالة واحدة من الحالات عند الإنسان ووصف واحد من حركاته أما كلمة (( الحضور )) فهى أوسع فى المعنى وتشمل جميع أحوال الإنسان من وقوف وجلوس واضطجاع وغيره . فآثر استخدام اللفظ المطلق على اللفظ المقيد وهذه رحابة فى الفهم ورجاحة فى الفقه لا يصل إليها إلا من نور الله قلبه وزكى نفسه وألهمه الرشد والصواب .

والإمام أبو العزائم بعد تناوله للفقه الإسلامى من جميع أصوله وفروعه بين أن الفقه نوعان ، فقال رضى الله عنه [7] :

1- فقه اللسان : إنما يفقه اللسان من الأذن – أى عن طريق السماع بالتعليم فى دور العمل ومجالس الفقه – ولا يلزم من فقه اللسان فقه القلب فكم من فقيه اللسان جهول القلب أو كفوره وإنما كان ذلك لأن الجوارح خلقها الله وأودع فى كل عضو منها ما يقوم بما أعده له .. أهـ.

2- فقه القلب : إن أوعية الحق وخزن الفقه هى القلوب ، وتتلقى القلوب من علام الغيوب ، وذلك لأن النفس الملكية شهدت الجمال ، وفقهت خطاب الجميل ، فإذا تعلقت بالجسم لم تغب عن مشهد التجلى الأول ، وحقائقه مشهودة لها مصورة فى ذاتها ، فإذا سمع الإنسان المتعلقة به النفس الملكية تعلقاَ فعلياَ حكمة من متكلم – ولو كان غير حكيم – أصغت إليه ، فطابقت الحكمة حقيقة ما فى ذات النفس فحن الإنسان إلى تلك الحقيقة وانفعلت قوى نفسه ، وتأثرت أعضاؤه واشتاق إلى الحق ، وخشع قلبه وامتلأ خشية ورهبة من ذات الله تعالى ورغبة فى مرضاته ، ولظهور أسرار الحق للنفس تتلقى الحكمة من الرب سبحانه مع أن المتكلم بها إنسان .

هذا ومتى حصل تعلق النفس الملكية فعلاَ بالإنسان ، قوى عامل العبرة واشتد باعث الفكرة ، وحصل شهود المعية وأشرقت أنوار الشهود ، وتبدل الوجود المقيد بالإيجاد والإمداد الربانى ، ثم تلألأت تلك الأنوار عن مجلى الذات ، فحجب الإيجاد والإمداد بالوجود المطلق ، وكان الإنسان مع الله والله معه ، وبهذا يكون القلب بيت قدسى ، والجسم هيكل الرب ، كنز رموز بغاشية المبانى ، انطوت فيه أسرار المعانى ، ويكون الإنسان العالم الحقيقى الذى انطوى فيه العالم الأكبر ، شهد فيه أكمل مشاهد المقربين ، ومعانى تنزلات الصفات ، وأسرار ظهور الأسماء ، رفعت مكانته عن المقامات ، وعزت مشاهده عن العقول الكاملة ، وهو الإنسان الكامل صورة الرحمن الكاملة ، وكعبة الأرواح العاشقة ، وترجمان حقائق الآيات ، ومبعث أنوار الإشارات ، محل نظر الله من عباده ، والمحبوب لذاته العلية فى دور التجليات المقيدة بالزمان والمكان ، شمس تشرق فى الملكوت الأعلى ، كإشراق شمس السماء فى على الملك الأدنى ، بلغ به الرضا عن الله مبلغاَ جعله آنساَ فى كل حال ، التوكل على الله جعله مشغولاَ بذات الله فى كل حال ، لا تشغله زهرة الفانية عن البهجة الباقية ، ولا البهجة الباقية عن الولى المتعال ، شهد الآخرة وهو فى الدنيا فلم تخطر الدنيا له على قلب ، ووقعت عين بصيرته على وجه ربه العلى فلم تر باصرته أنوار الجنان ، فهو مع الله فى الكون الأول ، وعند مليك مقتدر فى الكون الثانى ، والله عنده بالفناء عنهما ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

الفقه فى القلب نور من لدى الرب       وليس فى صحف تتلى لذى حجب

فاستفت قلبك يا ذا القلب عن حكم        فى الكون ظاهرة للعين فى القلب

قلب  عن   الحق  يتلقى  معارفه        هو  الإمام  إمام  الدين  والقـرب

الكون  نور  لذى   قلب  يشاهده         وراح  صفو  لمطلوب  وذى حب

وهكذا يبين الإمام رضى الله عنه أن الفقيه هو من فقه قلبه عن الله ، وانتفى الحجاب عن عين بصيرته ، وجمع بين فقه اللسان وفقه القلب فأبصر الحكمة فى كل شئ ، والكون نور يشهده وراح يرتشف منها المسائل والدلائل فيصل المنفصل ، ويقرب البعيد ، ويكشف المحجوب ، ويتحدث من صفحات الغيب سر قوله تعالى : )ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون )[8] هذا هو الفقيه الذى يقوم به الدين ويحفظ به من تحريف الغالين وتأويل المبطلين .

 


[1]        سورة هود آية 91.

[2]        سورة الأعراف آية 179.

[3]        سورة الإسراء آية 44.

[4]        سورة النساء آية 78.

[5]        سورة التوبة آية 122.

[6]        رواه أبو داود وابن ماجة وابن حبان والبيهقى والحافظ الدمياطى فى المتجر الرابح .

[7]        كتاب (( معارج المقربين )) للإمام أبى العزائم ص 90 ، 91

[8]       سورة البقرة آية 151.