حياة الامام

الإمام والماسونية

 وبقد جاهر الإمام برأيه فى الماسونية وهو طالب بكلية دار العلوم فى مقالة بجريدة المؤيد  [1] ، ثم دوى صوته كثيراَ بعد تخرجه والتحاقه بسلك التدريس ، ومن المسجد العام ببلدة سواكن بالسودان ترفع صيحاته ويقرع الآذان صوته الحق منبهاَ إلى خطر الماسونية وإلى مكامن الصهيونية من خلفها وما تريده للعالم من دمار وفساد وإلحاد ، وكانت رسائله إلى أبنائه وأتباعه وأصدقائه وزملائه فى مصر تشير دائماَ وأبداَ إلى خطورة تلك الدعوة .

 و كان مريدوة فى السودان يكتبون عنه ما يقول و يدونون دروسه فى علوم الحكمة و أسرار القرآن الكريم ، و فى درس من دروسه مفسرآ بعض الآيات التى ردت فى بنى إسرائيل أيام داود و سليمان عليهما السلام .. فإن الإمام أرجع نشأة الماسونية إلى تمردهم على حكم نبيهم فيقول  [2] :

 إن سليمان عليه السلام لم يكن ملكاَ محلياَ على أورشليم ، بل امتد ملكه حتى شمل معظم المعمور من الأرض ، وكانت اليهود طتئفة امتازت فقط بأنها أمة لها كتاب ولكنهم كانوا مصدر قلق وإثارة فى المملكة قديماَ كما هم فى كل عصر حتى يومنا هذا ، وقد اتخذوا من صور وصيدا فى فينيقيا مركزاَ لهم وتعلموا فيه صناعة الأسلحة والذخائر وبناء السفن ، ثم نشروا الفساد وسيطروا على عقول العامة وأكلوا أموالهم بالباطل وعثوا فى الأرض فساداَ وأرادوا الاستقلال عن المملكة وقتلوا حامية البلاد ورجال الجباية عندما طالبوهم بما عليهم من ضرائب ، فجرد عليهم سليمان حملة بقيادته وحاصرهم أياماَ حتى استسلموا جميعاَ ، فأسرهم وأحضرهم إلى القدس ووزعهم عبيداَ يحرثون ويزرعون أرض الدولة ، ووزع الفائض منهم على الأمراء والإقطاعيين والأثرياء كخدم وفعلة وبنائين ، والأدلة على ذلك من آيات الكتاب المبين فى قوله تعالى : ( رب اغفر لى وهب لى ملكاَ لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص)[3] ، ومن المعروف أن للإنس شياطين كما للجن ، كذلك قوله تعالى فى داود : ( وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر فى السرد ) [4] ، وقوله سبحانه : ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ) [5] ، والحديد إذا ظهر فى الأرض ثارت فيها الثورة الصناعية فكانت كتلك الثورة التى شهدتها أوربا فى القرنين الماضيين ، وهذا يدل على أن عصر داوود وسليمان كان عصر تقدم حضارة ومدينة وعلوم .

 ظل اليهود رقيقاَ فى القصور وعبيداَ فى الأراضى إلى ما بعد موت سليمان عليه السلام ، وقبل موته عملوا سراَ على أن تكون لهم اجتماعات سرية يعقدونها فيما بينهم فى أمكنة متفق عليها ما لبثت أن تمخضت عنها أول جمعية سرية تبنت على جميع العصور جميع الحركات الهدامة التى ظهرت فى العالم إلى العصر الحاضر ، وقد أطلقوا على هذه الجمعية اسم     << جماعة البنائين الأحرار >> أى << الماسون >> ، ولما كان مؤسسوها بنائين ، فقد اتخذوا من آلة البناء رمزاَ لها وهى << المسطارين >> وبينما هم يدبرون للقيام بثورة مضادة ضد سليمان إذا بهم يكتشفون موته وافقاَ على عصاه فى الوقت الذى كان يختاره لعبادته ، وما كاد نبأ موته يعلن حتى قاموا يعيثون فى الأرض الفساد ، فشتتهم ابنه من بعده ومن جاء من أحفاد قروناَ طويلة حتى أطلقوا على هذه القرون << عصور التشتت >> .

 هذه هى الماسونية القديمة ونشأتها خلال العصور كما يصورها الإمام ، أما الماسونية الحديثة فقد تطورت عنها لكنها تحمل نفس التعاليم وتعمل نفس الأعمال منذ القديم وإن زادت عنها من جهنميات العصر الحديث ، وإن من يبحث فى التاريخ ليجد لها يداَ فى جميع القلاقل والثورات والفرق والملل والنحل والمذاهب المنحرفة والآراء الهدامة ، فما وجد اليهود فى أرض إلا وكانت مرتعاَ للفساد والشهوات والبغى والعدوان ، يوقعون بين الشعوب البغضاء والشحناء والفرقة ليستفيدوا خيراتهم ويمتصوا دماءهم ويتركوهم كماَ مهملاَ لا حياة فيه ولا غناء عنده .

 ولقد ثات ثائرة الماسونية عندما أشار الإمام ذات مرة إلى مرجع لم يكن يعرفه آنذاك إلا نفر أقل من القليل ، لقد صدرت فى عام 1906 م بالولايات المتحدة الأمريكية دائرة المعارف الماسونية وجاء فيها بالحرف الواحد :

(( أن يكون كل محفل ماسونى رمزاَ لهيكل ، وأن يكون كل أستاذ على كرسيه ممثلاَ لملك اليهود ، وأن يكون كل الماسونى تجسيداَ للعامل اليهودى )) .

  فاستدعاه حاكم سواكن سير (( جرانفيل )) وطالبه بالمرجع فأشار الإمام بيده إلى صدره قائلاَ : هذا هو المرجع ، فتعجب الحاضرون ، وزاد عجبهم عندما قال لهم : إنه ليس لديه نسخة من دائرة المعارف  الماسونية ، وأن منزله تحت أمرهم ليتأكدوا من ذلك ، وقال : إن المؤمن يرى بنور الله عز وجل .

 وبعد أن كان الإمام يسأل أمام الحاكم صار الإمام هو الذى يسأل الحاكم فيقول له : أهذا المطبوع موجوداَ أم لا ؟ ويرد الحاكم بالإيجاب . فيعقب الإمام بقوله : إذن ففيم الاستجواب ؟ إننى أتكلم معكم بما تقولون عن أنفسكم .

 ويخرج الإمام منتصراَ بل ومرهوباَ من جانب الإنجليز ، ولم يكف عن تنديده بهم ، فكانت مجلاته ونشراته تصدر فى مصر والعالم الإسلامى كله وهى تندد بالماسونية وتكشف وسائلها ومخططاتها من واقع تصرفات أعضائها ومن أقوال زعمائها وأقطابها فى جميع أنحاء العالم .

فالماسونية فى نظر الإمام هى : أب للصهيونية وليس العكس كما يقول البعض – فالصهيونية هى الطفل الوليد والوحيد للماسونية – أما الصهيونية فهى الشاب الذى سيظهر فى فلسطين مقيماَ للدولة اليهودية على أشلاء أهلها من العرب .

 وبالرغم من تنبيه وإنذار الإمام للزعماء المسلمين والعرب من أخطار الماسونية والصهيونية ، وما احتوته الصحف اليومية ومجلاته الأسبوعية فضلاَ عن دروسه وخطبه فى جميع المناسبات ، فإن أحداَ لم يعر الموضوع اهتمامه وكأن فى آذانهم وقراَ ، حتى بعد أن أقام الاستعمار فرعاَ للمنظمة الصهيونية العالمية إبان الحرب العالمية الأولى والثانية لتراقب عن قرب تنظيم الهجرة إلى فلسطين ، ولتبعث المساعدات المالية والحربية والبشرية إلى اليهود فى فلسطين .

 ولا يسع القارئ المسلم وهو يطلع على ما كتب الإمام فى مجموعة مجلاته خلال أربعين عاماَ عن هذا الموضوع بالذات إلا أن يشعر بأنه كان يعيش الأحداث قبل وقوعها بعشرات السنين ، وأنه كان يعلم عن الحركات والمذاهب والاتجاهات السياسية والمذهبية  أكثر بكثير مما يعلمه كبار الساسة والمفكرين الذين يقودون ويحكمون والذين يتخيلون أنهم يؤثرون فى روح الشعب وكيانه ، وليت شعرى كيف حال من كانوا يسفهون رأيه بالأمس عندما رأوا الحق ناصعاَ لا لبس فيه ، فعرفت حقيقة الماسونية واكتشفت جذور الصهيونية ، وهى لا شك مقضى عليها طال الزمن أو قصر .


[1] - أسسها الشيخ على يوسف بالقاهرة سنة 1889 م ، وكان لها تأثير سياسي كبير .

[2] - كتاب ( أسرار القرآن )  ج 1 ص 217 للإمام أبو العزائم .

[3] - سورة ص آية 35 – 37 .

[4] - سورة سبأ آية 10 – 11 .

[5] -  سورة سبأ آية 13 .