الجهاد السياسى والفكرى للإمام رضى الله عنه

الإمام ونظرية داروين

 روج اليهود لنظرية (( تشارلز داروين )) اليهودى والتى أدت إلى انهيار العقيدة الدينية فى الغرب ، ونشر الإلحاد .. وأرادوا نشرها فى العالم الإسلامى .

 والإنسان فى معتقد داروين متحول عن خلية هبطت من بعض الكواكب إلى الأرض ثم تمت فيها فكانت حيواناَ رديئاَ فى أبسط شكل ، ثم تغيرت الأرض بفعل بعض المؤثرات الطبيعية ، فاضطر هذا الحيوان المخلوق لتغيير شكل معيشته ، فتبع ذلك تغير فى صفاته ، ثم استحال مع طول الزمن وكثرة المؤثرات المختلفة إلى أحوال فارق فيها جنسه الأول ، ثم ارتقى إلى قرد على مبدأ (( النشوء والارتقاء )) الذى فتنوا به ، ثم مرت عليه ملايين السنين فارتقى إلى حيوان آخر هو بين القرد والإنسان بواسطة بينهما ، ثم  انقرض هذا الحيوان الواسطة بدليل عدم العثور عليه فى آثار الأحياء . ولعل انقراضه كان على مبدأ (( الانتخاب الطبيعى )) ، والبقاء للأصلح كما يقولون ، ومن ذلك الحيوان الواسطة المفقود ارتقى الإنسان إلى ما هو عليه الآن !!.

 وبنوا معتقدهم هذا فى خلق الإنسان ، بأنه متحول من القرد على أساس مجموعة نظريات هى الانتخاب الطبيعى ، والبقاء للأصلح ، والنشوء والارتقاء ، والمطابقة ، وعامل الوراثة .

الأدلة على بطلان الزعم القائل بأن الإنسان أصله قرد والتى رد بها الإمام المجدد على هذه النظرية الباطلة هى  [1] :

1-علم التشريح حجة على بطلان هذه المذهب وسخافة القائلين به :

 إنك أيها المدعى لترى الفرع أنقص من الأصل بالحس ، هذا البغل فرع الحمار والحصان وهو أنقص منه لأنه فقد المبيض ( تجويف فى الرحم يكون به التوالد ) وترى الحيوانات المتولدة من نوعين تفقد كثيراَ من حقائقها بالحس ، ولكنك أيها الإنسان ترى الفرع الذى هو أنت أكمل فى الحقائق من الأصل الذى هو القرد ، فإنا إذا شرحنا منتصف رأس الإنسان ورأس الإنسان ورأس القرد ، نجد فى رأس القرد أربع غدد : غدة للسمع لو مست بمفرق لسلب السمع ، وغدة للبصر ، وغدة للشم ، وغدة للذوق . ونرى فى رأس الإنسان خمس غدد : أربع منها للسمع ، والبصر ، والشم ، والذوق ، والخامسة غدة هى خزانة نطق اللسان وهذه مفقودة فى القرد ، فمن الذى أودع تلك الغدة فى رأس الفرع وهى لم تكن موجودة فى الأصل ؟!! حتى أن تلك الغدة لو فسدت لخرس اللسان .

 والإنسان كما يدعى هذا المضل فرع القرد ، وفرع الشئ قد لا يبلغ كماله النوعى إلا بعناية فكيف يزيد عليه ؟!!.

2- تنوع الحقيقة وصفاَ وهيئة أكبر هدم لنظرية داروين :

 فالإنسان حيوان إلا أنه :

أ-طويل القامة .

ب- عريض الأظافر .

ج- ضاحك بالطبع .

 والقرد حيوان يفارق الإنسان فى الهيئة وبعض الصفات وهذا هو التنوع .

3- إن المجتمع الإنسانى غير عالم الحيوان :

 إذا فى المجتمع الإنسانى نظام وترق ، فالإنسان جمله الله بمعانى العلم والحكمة ، والعدالة والرحمة ، وصاغ الله نفسه من أصفى الجواهر النورانية ، وجعله وسطاَ ، وأيده بروح وقوة منه سبحانه ليدفع ظلم الظالمين ، ويكبح جماح النفس الشهوانية والغضبية ، ويحفظ الثغور ، ويقيم الحدود ، ويقطع شأفة ما يضر بالقوة النفسانية كالخمور والمخدرات وما يضر بالأموال كلعب الميسر ، وما يضر بالأجسام ويمحو الخلافات الناتجة بسبب الغلو فى الدين وأهل الآراء الباطلة .

 وليس فى عالم الحيوان شئ من ذلك ...

 فكيف يكون الفرع أعلى من أصله وهو القرد ؟!!

4- جعل الله الإنسان جوهرة عقد المخلوقات :

 خلق الله الإنسان بيديه فى أحسن تقويم مبناه ومعناه : أما مبناه فمن كل معادن الأرض ، فجمع أركان الوجود الماء والتراب والهواء والنار ذلك هيكله ، وأما معناه فقد جمع الله فيه حقائق الوجود سماء وأرضاَ ، فالإنسان شيطان وأضل ، ووحش وأضر ، وملك وأفضل .

 فسبحان من أظهر عجائب قدرته ، وغرائب حكمته ، فى مبدع بدأ خلقه من سلالة من طين ، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين .

 وللعقول أن تحار فى الإنسان ، فبينما تراه وروحه فى ملكوت الله الأعلى سابحة ، مشرفة على قدس العزة والجبروت ، إذا بك تراه فى أسفل سافلين ، أضل من الأنعام ، بل فوق عالين ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) [2] .

 هذا هو الإنسان الذى خلقه الله ليعمر به ملكه وملكوته ، وجعل الأرض له مقراَ للإقامة ، ومستقراَ له بعد الموت ، ثم ينشئه النشأة الثانية فيمنحه الملك الكبير .

 وقد سخر الله للإنسان كل ما فى الملك والملكوت ، وصرفه تصريف الربوبية فى الملك ، لذلك جعل الله الإنسان خليفة عنه فى هذا العالم ، ووعده عند الاستقامة أعظم الكرامة ( إذا رأيت ثم رأيت نعيماَ وملكاَ كبيراَ ) [3] .

 وخلق الله لبنى آدم كل ما لابد لهم منه فى حالتى الضرورى والكمالى ، ولا مانع من أن الله وضع فى كل حقيقة كون منها الإنسان علماَ ضرورياَ بكل الأشياء اللازمة لتلك الحقيقة ، فما من كائن فى الوجود إلا والإنسان محتاج إليه ، لا فرق بين ما فى السماوات من أفلاك وغيرها ، وما فى الأرجاء من الملكوت ، وما فى الأرض من نبات وحيوان وجماد ، وما فوق ذلك من جمال الملكوت ، وما فى الجنات من نعيم مقيم ، لذلك كانت معرفة الإنسان وعلمه ، بينما الحيوان لا يعلم شيئاَ من ذلك كله .

5- خلق الله تعالى حواء من ضلع آدم :

 كانت حواء فرعاَ ، وكان أصلاَ لها ، وهذا هو السر الذى لأجله خلقت من ضلعه ليحصل منه السكون إليها ، والحب منها له ، فإن كل فرع يحب أصله ، وكل أصل يحب فرعه ، كما يحب الولد والده ، والوالد ولده فى أصل الفطرة .

  فأين هذا من دعوى أن الإنسان أصله قرد ؟.

6- الإنسان دينى بفطرته :

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) [4] فكأن الإنسان يولد مؤمناَ كامل الإيمان لا ستئناسه ( بألست ) [5] ومعلوم أن نور الحكمة حظر شهوده على الإنسان إلا بوحى ، وقد تفضل الحق سبحانه فأرسل رسله المؤيدين بالمعجزات ، فكأن المعجزات فى قوة قوله تعالى : (( صدق عبدى هذا وهو رسولى إليكم فاتبعوه )) .

 أيكون فى الفرع ما ليس فى الأصل ؟!!

 وأين دين القرود أو تدين الحيوان ؟!!

 والإنسان هو المحجوب بالأدران النفسانية ، المبعود بالحظوظ الحيوانية ، لا يذوق لذة الإيمان ، ولا حلاوة الإحسان ، بل ويدعوه الغرور إلا الانشغال بالنعم عن المنعم ، فإذا أذاقه الله ألم الاحتياج يئس وباع دينه بدنياه ، حتى يزكى نفسه بنور التسليم والانقياد ودراسة العلم النافع .

 فأين هذه المعانى فى الأصل المزعوم ؟!!

7- فى الإنسان قوى مفارقة :

 منها العقل العلمى وهو الذى يستنبط ما يجب فعله من الأفعال الإنسانية ، ويقيس الأشباه والنظائر التى لم يرد بها نص .

 ومن تلك القوى أيضاَ العقل العلمى وهو الذى يتم به جوهر النفس ، وتصير نفساَ طاهرة زكية بالفعل ، وتتفاوت مراتبه فقد يكون بالوهب أو بالكسب .

 تلك القوى التى تدرك المعقولات روح مجردة ليست بجسم ، وتلك الروح تبقى بعد موت البدن لأنها ليست قابلة للفساد ، وهى المعنية بقول الله تعالى : ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحى ) [6] . وقوله تعالى : ( يأيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى ) [7] .

 وليس ذلك فى القرد أو غيره من الحيوان .

8- طرق العلم هى الخبر الصادق :

 الحس الصحيح ، والعقل الكامل ، معنى قوله تعالى : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاَ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) [8] .فجعل سبحانه الأسماع للخبر الصادق ، والأبصار لشهود الأكوان الدالة على مكونها سبحانه ، والقلوب لفقه الآيات الدالة على القادر الحكيم المصور البديع المنعم ، ومن تمام الفضل الإلهى إرسال الرسل معلمين للخير دالين عليه .

 فأين ذلك فى الأصل المزعوم ، والجد الموهوم ، القرد وأشباهه ؟!!

9- فى النوع الإنسانى تظهر الصور :

 وفى النوع الإنسانى تظهر الصور الكاملة والصور الأكمل أمثال الأنبياء والمرسلين ، وهم أعلى من الملائكة قدراَ ، حتى لقد سجدت الملائكة لآدم عليه السلام ، وتميزت رتب البشر من الأنبياء والرسل منهم من كلم الله ، ومنهم من أيده بروح القدس ، ومنهم من لا يعرفه إلا الله قدراَ ومكانة .

 فهل هذا فى عالم القردة ؟!!

 وفى النوع الإنسانى وجد عيسى عليه السلام بلا أب ، ووجد آدم عليه السلام بلا أب ولا أم ، ووجد الناس جميعاَ من أب وأم .

 فزعم الضالون أن كل مولود لابد له من والد ، وعلى هذا فإما أن يكون ابن زنا وذلك مستحيل عادة وعقلاَ ؛ لما أتى به من المعجزات الباهرة .

 فهل وجد فى عالم القردة الأجداد أمثال هؤلاء الأمجاد ؟!!

10- أنتجت الضرورة العمل والتعاون :

 لابد من قانون يحكم العلاقات ، وإلا خرب العمران من التقلب فى الرذائل والعدوان ، والإنسان يحكم على الأبدان ، أما تزكية النفوس فذلك لله ومن هنا جاءت الشرائع .

 فهل فى عالم القردة شريعة ؟!!

 كما جاءت الشرائع مواكبة لتطور بنى آدم عبر العصور مثلاَ جاء سيدنا نوح لهدم عبادة الأوثان المتفشية فى زمنه ، ثم سيدنا لوط لينذرهم عاقبة الفاحشة المنتشرة فيهم ، ثم سيدنا صالح ليعلمهم العدل والمساواة وجعل له الناقة آية ، ثم سيدنا إبراهيم ليطهرهم من رجس الشرك ويوجههم إلى الله تعالى ، ثم سيدنا موسى عليه السلام ، فلما غالوا فى الماديات أرسل سيدنا عيسى عليه السلام ليمحى تلك البدع بما جاءهم به من الحكمة والبيان ، كما أرسل سيدنا شعيباَ ليعلمهم خلق الوفاء فى الكيل والميزان ، حتى بعث الله خاتم رسله صلى الله عليه وسلم بالقرآن تبياناَ لكل شئ من ضروريات وكماليات الإنسان ، بل وفضائلة النفسانية وكمالاته الروحانية لنيل سعادة الأبد .

 فهل مرت مراحل أجيال القردة بمثل هذا التطور أيضاَ ؟

 كما تطور القرد حتى صار إنساناَ ؟!!

11- كل الوجود مراتب يعلو بعضها بعضاَ :

 لكل الوجود مراتب يعلو بعضها بعضاَ ، فالنبات وسط بين أنواع المعادن والحيوان ، فهى تزيد عن المعادن بالنمو وتنقص عن الحيوان بالحس والحركة ، ولأن النبات تصادمه الأجسام الصلبة ويقطع الإنسان منه فلو وهبه الله الحس لكان عذاباَ له ، فتأمل مراتب الوجود يخدم بعضها بعضاَ ، ويعلو بعضها بعضاَ ، والإنسان وحده بحكمة القادر الحكيم هو سيد هذه الكائنات .

 فكيف للقرد أن يصل إلى هذا الرقى ؟!!

 ولم لم يصل غيره من الحيوان لمرتبه أعلى أو أدنى ؟!!

12- ارتقاء النفس فى الهيكل :

 إن تطور الهيكل من قرد لإنسان ، فكيف ارتقت النفس التى فى هذا الهيكل بحيث أصبح الإنسان لو تعلقت همته بجهة  مما أعد لها فى أحسن تقويم أو أسفل سافلين نالها ؟!! فهو إما ملك هائم فى جلال ربه ، وإما غضوباَ كسبع ، أو كسولاَ كبقر ، أو جزعاَ ككلب ، أو حقوداَ كجمل ، أو جامعاَ لكل تلك الصفات فيكون شيطاناَ مريداَ وهو فى صورة إنسان .   

 ومعلوم أن النفس هى اللطيفة النورانية ، بل هى  أمانه الله المشرقة أنوارها فى هيكل الإنسان ، يعرفها من عرف نشأته الأولى ، وتحقق أن أسفل سافلين مفارق لأعلى عليين ، وكيف جمع الله بينهما بقهر واقتدار ، وجعل أسفل سافلين يرتقى حتى يخدم بالملائكة المقربين فى جوار رب العالمين .

  وتلك المعانى فى الإنسان فقط فلا يدريها الحيوان .

  فهل يدرك القرد ذلك ؟!

13- من أين جاءت القوى المتنوعة فى الإنسان وليس لها فى القرد وجود ؟!!

 انظر مثلاَ : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاَ وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) [9] .

 ثم انظر القوى الغاذية للطفل فى بطن أمه ، ثم يوهب قوى الحس بأنواعها ، ويجعل له قوة الميل فيشتاق قلبه إلى ما يحبه أو يكرهه ، ثم يجعل له سبحانه القوة المتخيلة وهى تركب وتفصل ، ثم قوة الميل لما نخيل أو الميل عنه ، ثم القوة الناطقة وهى الحقيقة الخاصة للإنسان المميزة له عن بقية أنواع الحيوانات ، وهى التى يمكن أن يعقل بها المعقولات ، ويميز بين الجميل والقبيح ، وبها يحوز الصناعات ، ثم يمده الله بقوة فى قلبه يميل بها إلى ما يعقله ، ويشتاق إلى أن يتجمل بالحكمة وأسرارها .

 ومن المعلوم كذلك أن القوى : قوة الشهوة ، وقوة الحمية ، وقوة الفكر .

 فبإصلاح قوة الشهوة تحصل العفة ، فيحترز بها من الشره ، وإماتة الشهوة ، ويتحرى المصلحة فى المأكول والمشروب .

 وبإصلاح قوة الحمية تحصل الشجاعة ، فيحترز من الجبن والتهور والحسد ، ويتحرى الاقتصاد فى الخوف والغضب .

 وبإصلاح قوة الفكر تحصل الحكمة ، حتى يحترز من البله والخبث ، وبتحرى إصلاح هذه القوى تحصل فى الإنسان قوة العدلة قال صلى الله عليه وسلم : ( أعدى عدوك نفسك التى بين جنبيك ) [10] .

 هل ارتقى القرد حتى نال هذه المنازل الرفيعة ؟!!


[1]  - كتاب ( إنسان المؤمنين وإنسان الملحدين ) للإمام ابو العزائم .

[2] -  سورة آل عمران آية 139 .

[3]  سورة الإنسان آية 20

[4] - رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذى والموطأ وأحمد .

[5] - سورة الأعراف آية 172 .

[6] - سورة الحجر آية 29 .

[7]  سورة الفجر آية 27 – 30 .

[8] -  سورة النحل آية 78 .

[9] - سورة النحل آية 78 .

[10] - رواه البيهقى فى الزهد وله شاهد من حديث أنس .