تراث الامام

رساله الي ال العزائم

كان  للإمام  رسائل يرسلها إلى بعض الخاصة من مريديه وإخوانه ناصحاً لهم، أو مصلحاً ذات بينهم عند المقتضى، وتعتبر تلك الرسائل ثروة علمية عالية بما احتوته  من  مقدمات  وصيغ  من الصلوات صاغها  على  سيدنا  رسول  الله  صلى  الله  عليه وسلم، وما تضمنته من علوم دينية ونثرية ومواجيد نظمية تستحق الدراسة والتأمل لتكون زاداً روحياً عالياً يتزود به السعيد فى رحلة سيره  وسلوكه  إلى ربه.

كتب الإمام يوماً إلى تلميذه الشيخ محمد الصبيحى وهو من خاصة تلاميذه قائلاً:

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله عظمة وقدراً.. القريب رحمة وفضلاً.. الواسع حيطة  وعلماً..  حمداً من المقام الأزلى للحقيقة الأحدية، مكانة التنزيل والعلو  والعظمة  والأكبرية،  ومن  تنزلات  المالات حمداً من مقتضيات المجد الإلهى والعزة الصمدانية،  ومن  آلاء  تلك  المقتضيات  حمداً  من  مظاهر الأسماء جمالاً وجلالاً، كل تلك الصيغ لا باللفظ بل بحقيقة المقتضى من تلك المراتب  (وعنت الوجوه للحى  القيوم) [10]،  وحمداً  بكل  جارحه  وعضو  وجزء  من  عالم الكون وملكه وملكوته، رتبة التقيد بحيطة رفرف الروح الكلى إلى هيكل الجسد الجزئى شهوداً ووجوداً لا حالاً واعتباراً، وشكراً يقتضى الإذعان والخنوع والتحلى بحلل المكانة العبدية مقام اختص به أهل الزلفى ( وقليل من عبادى الشكور )[11] المتحقق بعين يقين مكانة (من عرف نفسه فقد عرف ربه) [12].

 وصلاة الأحدية بكمالاتها النسبية فى عين الشهود بعد التحقق بالوجود، إذ لا يقال لوصفها كمال  لها، وكيف لا؟ والكل ممحو فى عين المراد (قل الله ثم ذرهم فى  خوضهم  يلعبون) [13]،  نسب  يترقى  بها العنصر حتى يزدوج بالروح الكلية، وحلل تتحلى بها الروح  الملكية  حتى  تشرق عليها  أنوار شمس الروح القدسى (ما تقول فى اثنين الله ثالثهما) ، ولديها تنمحى المحاسن الاعتبارية والكمالات النسبية، ويكون  الحسن  المعتبر بعد  ذلك  قبيحاً إذا كان بالنسبة لعنصرك وبالإضافة لجوهرك (وما قدروا الله حق قدرة)[14].

وصلاة  الأحدية  لواحده  المراد من  جميع  العوالم  ، مصطفى  الحق ومجتباه، حقيقة أخباره الربانية جمالاً  وجلالاً ، وشمس هدايته المشرقة بنور مراده لعباده جمالاً وكمالاً، آية الجمالات ومحيط الرأفة والرحمة والحرص، المفيض كمالاته من الهداية والدلالة  والعلم  والسعادة  على  كل  العوالم  العلوية والكونية، صلاة نذوق  بها  حلاوة  فهم  مقامه  ومعرفة  أسراره،  ونتحلى  بها  بحلل  الوراثة  الحقة والعزيمة الصادقة، وعلى آله وورثته والتابعين.. وبعد.

فمن  عبد الله/ محمد  ماضى  أبى  العزائم  لأخى وحبيبى المخلص المطلوب والواجد المحبوب ولدى محمد الصبيحى، منحنى الله وإياك اليقين  الكامل  بعين  يقين  المكانتين وحق  يقين الوراثة  والخلافة محمد  الصبيحى،  منحنى  الله  وإياك  اليقين الكامل  بعين يقين المكانتين وحق يقين الوراثة والخلافة محمدياً حقياً.. آمين.. ولدى:

دعانى إلى التحرير[15] بالقلم الثانى[16]   

       فحرر ناسـوتى[17] بكشف     بيانى

كتبت  وقد  قيدت روحى  بهيكلى 

ليكشـف ما أرجوه   قول لسـانى

وخاطبت  نفسى  بالتحرر  عندما

تشـوق ناسوتى لأنسى  بإخوانى

فللروح  أنس  دائم   بشـهودها

ولكن  ذا  الناسـوت  مظهر ثانى

أيا أيها  الجزء  المتمم  صورتى 

ويا كل فى التمثيل  كشـف عيان

ويا بعض  هذا الكل فى عين غافل

ويا كله  فى  عين  من  هو  فانى

ويا عدماً  عند  الكمال  وظاهراً

تجمع  أضداد  بصورة  إنسـان

إليك  صبيحى  نفثة  حال  نشوتى

تشير  بأنك  دائم  الجمع روحانى

أيا ولدى [18]  شمس  الحقيقة يهتدى

بنور سناها المخلصون ذووا الشأن

وشـرع  الهدى  غاية  كل وارد

ليطهر من أدران حظ  وشـيطان

أيا  ولدى  عنـى اليقين  وحقـه

يفاض لمن وصلوا مقامات إحسان

فكن يا صبيحى عن  محمد  داعياً

وبلغ   تحياتى   لأفراد  إخوانـى

وبلغ أخاك الفرد والصادق[19] الذى

تحقق  وجداً   بقبول   وعرفـان

خليلك  والمحبوب  أحمد [20] من له

مقـام  وحال   صادق    بعيـان

ألا قل له وسطاً[21] فكن ناهجاً على

رياضة  ناســوت  لدنيا  وديان

كذا  أنت  أهل  الله جعلوك خادماً

لدنيا ودين صادق العزم  إنسـان

تشـاهد  بـالروح العليـة  قدسه

وتعمل   للدنيـا   بمحكـم  قرآن

وبلغه  عنى  بل  وعن  آلكم  هنا

تحية  أشـواق  ودعوة  رضوان

وبلغ  أخى  علمى  دعائى مكرراً

لأهليه   والأنجال   بل  والإخوان

وذا  الجد  والإقدام  سـيد   بلغن

ومقبل وياقوت وسائر إخوانى

وعبد  الرحيم  الفرد خيرى فبلغن

وعبد الحليم المخلص الواجد الفانى

فنب يا صبيحى عن محمد بشرن

سـليماً  وإخوانى  جميعاً بتحياتى

وقل للشـهيد  مرحباً  بك  قم إذا

وبلغ  تحياتـى   بغيـر   تـوان

لإخوان  صدق   والمحبين   كلهم

وكن  ماضياً للعزم فى سر وإعلان

وضع  ألفة  تجمع  أعضاء هيكل

لشـخص    واحـد   إنســانى

ألا  يا صبيحى  ألفـة  وتجمعـاً

بقلب  وجسـم  صـادق  الإيمان

ألا ياصبيحى  سورة الروم وضحت

سيغلب جمعهموا  بكل    مكان

إذا الكوكب القدسى [22]  أشرق ظاهراً

تحف  به  الأقمار[23] من  كيـوان

على  قلب  صديق  النبى جميعهم

ووجهتهـم    للواحـد   الديـان

فدعنى صبيحى والحقائق عن غد

وبلـغ  تحياتـى  إلى  إخوانـى

                                                                       

محمد ماضى أبو العزائم

وخطاب آخر إلى بعض إخوته وأحبابه يقول فيه:

بسم  الله  الرحمن الرحيم (الحمد لله الظاهر الجلى لكل مصطنع وولى، الباطن بكماله العلى، فلا يركه ملك روحانى ولا نبى، قرب تنزلاً وعلا نزاهة آخراً وأولاً، فهو القريب  الذى  لا  يحجبه  عن  عيون أهل محبته ظل الآثار فى الكائنات، ولا جلى الأنوار فى الآيات، والصلاة والسلام على حقيقة التعيين، وسر التمكين قبل التلوين، روح الحياة السارية فى العالم، صلى الله عليه وسلم وآله وبعد:

فمن محمد ماضى أبى العزائم إلى الأخ الذى هو أنا قصداً أو ميولاً،  وسيراً  أو  وصولاً،  وإلى  الأخ المتحد بحقيقة الشوق علماً ووجداً، مطلقاً وحداً، ذى النفس الصافية التى جذبت عوالم الهيكل الإنسانى مع  ما  فطر عليه ، وجبل  للمشاهدة  الملكوتية  والتخلق بأخلاق الروحانيين [24] ... واجهه الله بوجهه الجميل مواجهة يجمله بها بحلل قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)[25].

السلام عليكم وعلى أهل الوفاء والصفاء، وعلى رجل الفضيلة المحب  الشيخ  موسى  غازى،  وعلى المقبل على الله بقلبه وقالبه الشيخ حسانين محمد نجم، وعلى البار بوالدية الشيخ سيد نجم.

تناولت كتابكم الذى سرت منه روح الشوق وروح الأنس، فذكرت الله على تفضل به من شوق  ينطق وأنس ينمو به الهيمان، ولا غرابة فقد صاغ الله نفسك من جواهر نفوس  المقربيين،  وصفى  عناصر هيكلك الإنسانى من مقتضيات الميل إلى أسفل أو سافلين، قال تعالى: (الله ولى الذين  آمنوا  يخرجهم من الظلمات إلى النور) [26] فلله الحمد والشكر على أن جعل لى أخاً مثلك هو أنا إلا  أنه  شخص آخر.

وهنا أحب أن يكون للستاذ مواجهة خاصة، إن لم تكن  بكل  الحقائق  الإنسانية  فبلطائف  القلب، وتلك المعانى تنبعث منها نفثات الشوق إلى الله تعالى فتسرى  فى  قلوب  أهلت،  وتشرق  فى  آفاق  هياكل طهرت، فيسرنى وحقك ان يكون لأهل الأفق الذى أنت  به  نور  إشراق  يعمهم،  أو  وميض  شروق يسرهم، حتى تنجذب تلك القلوب إلى علام الغيوب، وتسكن تلك  النفوس  إلى  الملك  القدوس،  وذلك  يا أخى أيدنى الله وإياك بروحانية رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطهور الذى يسقيه  الرب  عز وجل فى مقام الصفا الوفا، والأنس بعد الخوف، ومواجهة المعروف بعد العرفان، والفناء عن المواجهة بالمواجه جل جلاله، قال الله تعالى: (ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثيراً) [27]، جعلك الله يا أخى ممن منحهم أعظم قسط وأفر حظ من الحكمة حتى يفرح بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الزمان.

هذا وإنى يسرنى أن تجعل لى حظاً من المحبة فى قلب من يسرنى أن يكونوا  أنجماً  مشرقة  فى  أفق الدلالة والوصول، وأقبل منى توجه قلبى وصالح دعائى وشوقى، إلى أن يكون بعينى رأسى قسط من الأنس بك، والله أسأل أن يجعل إظهاره إيانا  ظهوراً  له  بالفناء  عنّا  به،  وبقاء  لنا  به،  حتى  يكون  هو الظاهر الذى يستر ظاهره الظهور والمظاهر.. آمين.

محمد ماضى أبو العزائم

 

وكان يوجه النصح فى خطاباته إلى الإخوان فيقول على نظام الحِكم:

نور المواجهة فضل من الله تعالى، إذا أشرف أشهد الخلق غيب من منه النور، فجاهد نفسك  أن  تكون بفضل الله صورة لحضرة الحبيب صلى الله عليه وسلم بأن تجاهد كل عضو أن يتشبه  به،  حتى  كأنه يكون مواجهاً لك ويكون الحق معالم بين عينيك.

ليس كل أخ فى الطريق معك فى منزلتك لأنهم  درجات ،  فعلى  المريد  أن  يصطفى  له  من  إخوانه بحسب مراتبهم ليكون روحاً لهم معينة على من هم فيه، فيمتدح المبتدىء على حسن  عمله ،  والسالك على جميل خلقه، والواصل على  على  حاله ،  ويتنزل  لكل  أخ  بقدره  حتى  تألف  القلوب  وتنشرح الصدور بتألف الجسد كاملاً لكل عضو منه وظيفة يقوم بها، وبذلك تدوم الألفة وتزداد المحبة ويطيب لكل وقته ويصفوا حاله ويطمئن قلبه[28].

وخطاب آخر: 

بسم الله  الرحمن  الرحيم  الحمد  لله  الأحد  الصمد ،  حمداً  من  حضرة  الذات للذات ،  ومن  حضرة  الأسماء والصفات لحضرة الذات، إذ لا يقدر حق الله إلا الله، سبحانه.. نعمة  لا  تحصى  وتفضلاته  لا تستقصى، سبحانه وتعالى عما يصفه الواصفون وعما يتخيله المتفكرون ،  ظهر سبحانه وهو الباطن، فكان ظهوره هو عين البطون، شئونه دلت على كمالاته العليه، وآياته دلت على  كبريائه وعظيم جلاله، لا تدركه الأبصار ولا تحيزه البصائر، تقرب  لمن  احبهم  بلوامع  سنا  الأنوار القدسية وهو القريب، فهيم قلوبهم وتيم أرواحهم، فهم بجماله مهيمون وبشرابه  غابت  عن  الآثار  لما  ظهرت أسرارها، وهاموا فى الافاق عندما أشرقت أنوارها فتبين لهم الحق ووضحت سبله، وظهرت  لهم  سر الخلوة ،  وفكت  طلاسمه  حتى  تميزت  الحضرتان  وظهر  الرشاد   بعد  الغى ،  أرادهم  فوفقهم ،  وأحبهم فمكنهم، ونظروا إليه فآنسهم، فهم اهله  وأحبابه  المقربون  للوقوف  على  أبوابه  (لا  يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة) (29).

والصلاة والسلام على سر الظهور ونور البطون، الكوكب الدرى الساطع نوره المضىء على  العوالم كلها،  زيت  المكانة  المحمدية ،  السيد  الأكمل  والحبيب  الأكرم  سيدنا  ومولانا  محمد ،  وعلى  آله  وورثته وسلم.

 

ولَدِى.. للروح حضرة إطلاق بالوسعة الروحانية ،  وفى  الحضرة   التى   بها   الاستشراف    على   عوالم   الملكوت ،  والتمتع بالنظر  لحضرات  الأفق  الأعلى ،  والتنعم  برياض  الأنس  وأسرار  التجليات  فى  لحظات الجلوات.

ولست وإن كنت بعيداً بهذا الجسد عن كشف ما بك من الوجد  الصادق -  وبقدر  صفاء  لطيفتك -  تود بنور الشوق وحالاً بالتلذذ بذكر المحبوب وتارة بالإقبال بالمجاهدة، فكن على  ما أنت  عليه ،  فليس  كل ذلك لغيرك، والله سبحانه إذا أحب عبداً جمع همه فى واحد حتى يترقى إلى أن يفنى الواحد ويتدلى عبداً للأحد سبحانه.

ولدى.. الشوق معراجهم، والصدق براقهم، والإخلاص حصنهم، ويقظة القلب  منهم  إذا  كانت  فيهم، فاجعل الحق سبحانه معبوداً لك لا تشرك به شيئاً، والحبيب الأكبر  مقصوداً،  وأحب  فيه  من  يقربك إليه.

ولدى.. إن للقلوب أبواباً للخير يفتحها الله فتتلقى بملك الإلهام.

يا ولدى.. دوام الحضور بقلبك، واجعل الدنيا وأهلها ومن يشغلك كنعل  يقيك   الأقذار  تستعمله   عند اللزوم لهذا الغرض، وكن مع إخوانك كأنك مع نفسك إلا ما يأمرك الله بحفظه عن  غيرك،  واصحب من يقوى حالك ويزيد رغبتك، وإياك وأهل

(29) سورة الأنبياء آية 103.

الحظ  الذين  حجبهم  الله  وأبعدهم  عن  أن  يشهدهم  أسراره ، واكتم مجدك واحفظ أسرارك عن أهل الضلال المحجوبين تكن من الفائزين، وتقبل دعواتى الصالحة.

محمد ماضى أبو العزائم