فى ذكرى ميلاد الإمام الحسين عليه السلام

د/أحمد محمد حسانين
05/03/2022
شارك المقالة:

        لقد آثر الله السيدة الزهراء بالنعمة الكبرى ، فحصر في ولدها ذرية نبيّه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وحفظ بها أشرف سلالة عرفتها البشرية منذ كانت ، كما كرّم الله الإمام عليًّا فجعل في صلبه نسل خاتم الأنبياء؛ فكان له من هذا الشرف مجد الدهر وعزة الأبد.

        قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) "الفرقان:54"، قال ابن سيرين:  نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعليّ رضي الله عنه; لأنه جمعه معه نسب وصهر. "رواه القرطبي".

        وفي هذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أما أنتَ يا عليّ فختني وأبو ولدي، وأنت مني وأنا منك)، وروى أبو نعيم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلُّ سببٍ ونسبٍ منقطعٌ يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي، وكلُّ ولد فإنَّ عَصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعَصبتهم)، وعن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فى الإمامين الحسن والحسين: (هذان ابنايَ وابنا ابنتي، اللهم إنك تعلم أني أُحِبُّهما فأحِبَّهما، اللهم إنك تعلم أني أُحِبُّهما فأحِبَّهما).

ميلاد الإمام الحسين عليه السلام وتسميته:

        في السنة الرابعة من الهجرة عقب غزوة بني النضير آن أوان إشراق الأرض بشمس جديد من شموس أهل البيت عليهم السلام، وذلك بعدما ولد الإمام الحسن عليه السلام بسنة، فلما أوشك حمل الزهراء أن تكتمل أيامه، بدأ بيت الإمام عليّ يستعد لاستقبال مولود جديد آخر.

        وفي شهر شعبان جاء المخاض وجلس الإمام عليّ وفي حجره ابنه الإمام الحسن في انتظار الصارخ، ولا زال كذلك حتى سمع صوت الوليد المبارك، فبشروه بمولود ذكر، وجال في خاطره أن يسميه حربا ليكون حربا على الكافرين، لكنه لم يجزم بذلك، بل فوض الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذهب البشير إلى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ليزف إليه البشرى.

        فهرول صلى الله عليه وآله وسلم إلى دار ابنته يفيض وجهه بشرا، ويمتلئ قلبه شوقا للنظر إليه، فقال: (أروني ابني)،  فاحتمله بين يديه وأذّن في أذنيه ، فكان أول ما قرع سمعه صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحَنَّكه بريقه، وسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما سميتموه؟)، فذكر له الإمام عليّ ما كان يجول بخاطره من تسميته حربا، فقال له المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم: (بل هو حسين).

        وابتهجت مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمقدم الإمام الحسين عليه السلام؛ كما ابتهجت من قبل بمقدم أخيه الحسن عليه السلام.

        وعن الإمام عليّ عليه السلام قال: عقّ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم عن الحسين بشاة فقال: (يافاطمة احلقي رأسَه وتصدقي بزنة شعره فضة)، فوزنّاه فكان وزنه درهما أو بعض درهم.

شَبَهُهُ عليه السلام:

        أما عن شكله وهيئته فقد قال الإمام عليّ: الحسين أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صدره إلى قدميه. وأما الإمام الحسن عليه السلام فكان يشبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من رأسه إلى صدره.

تعهد المصفى صلى الله عليه وآله وسلم للحسنين:

        لقد تعهد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الحسن والحسين بما ينشئهما على جميل الخصال وحميد الفعال وصالح الأعمال، وكان يسكب في أرواحهما أسرار وأنوار النبوة حتى يفيضاه على الأمة إلى قيام الساعة في ذريتهما، وكان يتبسط لهما ويكثر من مداعبتهما، ويبيّن فضلهما ومقامهما.

        فعن الإمام عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الحسنُ والحسينُ سيدا شبابِ أهلِ الجنة) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (حسين سِبْطٌ من الأسباط، من أحبني فليحب حسينا) وفي لفظ: (أحبَّ اللهُ من أحب حسينا) .

        وحدث يوما أن غلب النعاس الإمام عليَّا والسيدة فاطمة، والحسن يبكي ويطلب طعاما، فلم يهن على رسول الله أن يوقظهما، فأسرع إلى غنمة كانت تقف في ساحة الدار فحلبها، وسقى الحسن من لبنها حتى ارتوى.

        ومر يوما بالبيت فبلغ مسمعه صوت بكاء الحسين، فدخل يقول للسيدة الزهراء: (ارضِهِ حتى يسكت، ألم  تعلمي أن بكاءه يؤذيني ؟...).

        وهكذا نرى أن رضا أهل البيت من رضا رسول الله وغضبهم من غضبه، وعن أبي هريرة: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين فقال: (أنا حربٌ لمن حاربَكم، سلمٌ لمن سالمكم).

        وأهل البيت لا يوصفون بالصِّغَر ولا يعاملون معاملة الصغار، فمقامهم عظيم وقدرهم جليل، بيّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الإمام الحسن عندما انتزع تمرة من فيه من مال الصدقة، فلما أن تساءل أحد الصحابة عن فعل رسول الله مع فتى غير مكلف؛ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ) "رواه أحمد"، فعامله معاملة المكلَّفين في الأحكام الشرعية.    

        وهكذا كان يفعل مع سيدنا الحسين عليه السلام، من هذا ما رواه الطبراني عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وهم صغار لم يبلغوا، قال: ولم يبايع صغيرا إلا مِنَّا، "أي من أهل البيت عليهم السلام".

        وعن أبي هريرة قال: كان الحسين عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان يحبه حبا شديدا، فقال: (اذهَبْ إلى أمِّك)، فقلت: أذهب معه؟، فقال: (لا)، فجاءت برقة، فمشى في ضوئها حتى بلغ إلى أمه.

        هذا وقد اختص الإمام الحسين بما لم يختص به غيره، وذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حُسين منى أنا من حُسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حُسينًا، حُسين سِبْطٌ من الأسباط)، أي: هو كأمة من الأمم. "الترمذي".

من أسرار حديث: (حسين مني وأنا من حسين":

        أما قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسين مني) فسَّرها البعض من جهة النسب والعصب أنه من رسول الله لأنه ابن ابنته، أما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وأنا من حسين) ففيه سر عجيب وأمر عظيم، وكلام رسول الله هو فصل الخطاب ووحي من الله تعالى، فكلا الجملتين مرتبطين في المعنى ففيهما سر لا يكشفه لنا إلا أهل البيت عليهم السلام، وقد كشفه الإمام أبو العزائم فقال:

سر (مني حسين) غيبٌ  مصون              ســر (منه أنا)  بـه مضنون

تفقه الرُّوح من غوامض  هذا           ســر  بدء  بدا  به   التكوين

من حسين إن  شئت تفهم معنى              قــول  طه  وقوله مضنون

من   حسين  تمثيله   في مثول               بل   حسين   منه  بدا  التمكين

يا حسين المحبوب  فيك تراءى              نور  خير  الوجود صح اليقين

        إن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسين مني) يدل على أن الإمام الحسين من رسول الله نسبا وحلما وعلما ففيه انطوت أنوار وأسرار النبوة، والتي أكدها حضرة النبي في قوله: (وأنا من حسين) أي: وأنا من حسين؛ فمنه  ومن نسله تشرق شمس الرسول في كل عصر إلى قيام الساعة.

يقول الإمام أبو العزائم :

أشرقت شمس الرسول        بالحسين بن البتول

 

          سلام على الإمام أبي عبد الله الحسين ، فاللهم بجاه مولانا الإمام الحسين ، وجده وبنيه وأمه وأبيه وأخته وأخيه والسر المستدوع فيه أن تفرج عنا ما نحن فيه يارب العالمين .