حياة الإمام

شبابه رضى الله عنه

نستطيع القول إن حياته فيما بين سن الرابعة عشر إلى السادسة عشر تميزت بما يلى:

  1. تلقى على يد الشيخ محمد الخطيب علوم الفقه ووجوه الرأى والإستنباط.
  2. تلقى طريق السادة الصوفية، و اشتغل بذكر أسماء الله تعالى فى كل يوم وليلة و بعدد مخصوص.
  3. كان يتوق إلى سماع سير الصالحين و يتقرب منهم و يتودد إليهم و يبذل كل ما فى وسعه ليكون محبوباً لديهم مقرباً منهم.
  4. اهتم بقراءة كتب الرجال و معرفة أخبارهم  و علم سيرهم.
  5. صاحب الشيخ محمد القفاص فترة لدراسة علوم اللسان والتوحيد.
  6. اشتغل بعلوم الحكمة والطب والصيدلة منفرداً، مستعيناً فى ذلك بالكتب العلمية التى بمكتبة والده.

ولما بلغ السادسة عشر من عمره، توجه إلى القاهره للإلتحاق بالجامع الأزهر، و أقام بمنزل أخيه السيد أحمد بحى الباطنية خلف الأزهر الشريف، و لم يرق له طريقة الدرس بالأزهر إذ لحظ البون الشاسع عند المقارنة بما كان يتلقاه من قبل. و كان يصرف بعض و قته فى صحبة الشيخ حسنين الحصافى، و تلقى منه الطريقة الشاذلية عام 1302 هجرية.

وتصادف أن كان الشيخ حسن الطويل فى زيارة شقيق الإمام السيد أحمد، فأخبره بعدم رغبة الإمام فى الإلتحاق بالأزهر، فاقترح الشيخ حسن الطويل دخول الإمام الامتحان المعادل لشهادة الثانوية الأزهرية الذى سيعقد بعد خمسة عشر يوماً، وليكون رضى الله عنه مؤهلاً للتقدم لمدرسة [1]  دار العلوم الخديوية، وخصوصاً أن المستوى العلمى للإمام فيما درسه من علوم تؤهله لاجتياز هذا الامتحان بسهوله. وعكف الإمام على دراسة علوم شهادة الثانوية الأزهرية هذه طيلة الخمسة عشر يوماً المتبقية. و قبل الإمتحان حضر الشيخ حسن الطويل ليطمئن على مدى تحصيل الإمام للعلوم التى سيمتحنها، فدهش عندما وجد الإمام قد استوعب كافة هذه العلوم التى يقضى فيها الطلاب سنوات عديدة، فقد كان ما سبق له من دراسات طوال هذه الفترة الماضية كافياً له لتفتيح مدارك التحصيل. و امتحن الإمام و حصل على شهادة الثانوية الأزهرية.

و قد مالت نفس الإمام إلى الشيخ حسن الطويل فيما بعد، فتلقى منه علوم التوحيد، وصحبه زمناً، و كان يشتغل معه فى منزله بمطالعة كتب الحكمة، و كان الشيخ الطويل عندما يذهب إلى الإمام فى منزله يتلقى منه علوم المضنون. كما تلقى من الشيخ عليش علوم الفقه.

ونستمع للإمام و هو يقول: ((..... ثم كلفنى شقيقى أن أنتظم بمدرسة دار العلوم الخديوية، فتلقيت ماهو مقرر لطلبتها. وكنت فى أغلب أوقاتى أكتب على بعض الأحاديث أو الآيات القرآنية، و أكتب بعض أبيات فى أمور أعتبر بها مما يدل على قدرة الله تعالى أو بديع صنعه تعالى، وصار ذكرى قراءة القرآن و التدبر فى معاينه، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيرته وسيرة خلفائه، وأهل الخير من السلف، لا لقصد أو لهوى، ولكن لميل فى النفس ورغبة. وكنت وأنا بمصر كلما سمعت بصالح أو ولى أو عالم تقى زرته وسمعت منه، فإذا سمعت منه الحكمة أو شيئاً من علوم التوحيد أو الأخلاق أحببته و إن رأيت منه غير ذلك سلمت و أنصرفت عنه، و ما وجدتنى معارضاً أو منتقداًَ أو مجادلاً .. اللهم إلا إذا رأيت ما يغضب الله، فكنت أنصح وأعظ  برحمة و لين. و كان لى إخوان يطلبوننى ليسمعوا منى ما كنت أكتبه عن الأمور التى أعتبر بها)) و من الآيات التى كتب عنها بعض ما من الله به عليه من قوله تعالى: (إنما إلهكم الله الذى لا إله إلا هو وسع كل شىء علماً)[2]  .. قال[3] :

(( الإنسان إذا ذاق حلاوة الأنس بشهود سر ما أودع فيه من تجليات الربوبية المشهودة بعين يقين ضميره من حضرة الغيب، مال حسه إلى أن يشهد تلك الرتبة: رتبة الربوبيه، فإذا لم يتداو بدواء سماوى عن تلك الميول الحسية انعكس نوره ظلمة، و أنسه بالغيب وحشة، فجسّم و أشار، و جعل الرب ناسوتاً جسمانياً قام بلا هوت[4]    حيوانى ، و استدل على ذلك بآية خارقة للعادة، يستأنس بذلك من لم يذق أسرار الغيب، ويميل إلى ذلك من لم يشهد نور تجلى الرب.

و قد ظهرت تلك الانفعالات النفسية من قوة الخيال إلى حضرة العيان، أعنى به سامرى بنى إسرائيل. وعكف هو و كثيرون على عبادة ما جسّمه بيده من الحلى، حتى جاء سر السماء الظاهرى على لسان موسى عليه السلام و عصاه و يده، فصدع بالحق و أبطل الباطل، وكشف حجاب الحس عن عين البصيرة، فلمعت أنوار البصر على أولئك المارقين من حصن الأمان، فندموا ندامة محقت أنفسهم الحسية الحيوانية بدليل ( فاقتلوا أنفسكم) [5]   ، فتفضل الإله المنزه فتاب عليهم. ثم ترجم لسان الربوبية الناطق بلسان النبوة عن حضرة الألوهية بالتنزل الفضلى قائلاً (إنما إلهكم الله) مشيراً أولاً إلى رتبة الألوهية لظهورها حساً و معنى لكل متدبر، و اختصاص تلك الرتبة بالذات الأحدية عن الحيطة و النسبة العلية من إدراك العقول و الأوهام و الخيالات، فاندهش السامريون لقصر مداركهم و عدم تأهلهم لحضرة القدس الأعلى، لأنهم لا يمكنهم أن يخصصوا تلك الرتبة بالذات العلية قدراً والتى العلم بها جهل والجهل بها علم، فتنزل فضلاً منه وكرماً وأوقفهم فى موقف الغيب عن الحس ليذوقوا حلاوة الشهود البصرى من حضرة الغيب المطلق عن التقييدات الغيبية فقال (الذى لا إله إلا هو) مخصصاً تلك الرتبة الإلهية على غيب الهوية ليتيقنوا أن الحق غيب لا يشهد إلا بعين البصيرة، و ظاهر لا يعلم إلا بكشف الحجب الكونية فانبعث من شمس بيان التخصيص الأول بالذات القدسية أشعة أنوار المعرفة لأهل الأختصاص بالقدس الأعلى و من التخصيص الثانى الغيبة عما سواه سبحانه وتعالى فكانت الرتبة الأولى رتبة المتمكنين من الأنبياء والمرسلين و الصديقين، و الرتبة الثانية رتبة المجذوبين للحق بالحق أهل الفناء المطلق. ثم أيد معنى اللسان الحقى المشرب الأول و الثانى بكلمة هى من جوامع الكلم يذوق كل سامع منها حلاوة مشربه قائلاً (وسع كل شىء علما) ، فالأول شهود السعة الذاتية الماحية لكل شىء والثانى سعة الهوية الساريين فى كل شىء فثبت قدمه فى حضرة (و هو معكم أين ما كنتم)  [6]، و أشرقت أنوار بصره من حيث الوجهة، فارتفعت ستائر الكون فى لآلىء الغيب و ذاق حلاوة (فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم)   [7]من حيث لا حيث بالنسبة المقيدة، بل من حيث إطلاق الرتبة المقيدة) .

كتب الإمام وهو ابن سبعة عشر عاماً.

وقد توطدت صلة الود بين الإمام و بين على باشا مبارك وزير المعارف العمومية وقت ذاك، فقد كان الباشا صديقاً للسيد أحمد شقيق الإمام، و كان قد سبق و عرفه به مع بعض رجالات مصر، وذلك بحكم عمله فى الصحافة و معرفته بهم حيث كان أحد مؤسسى جريدة المؤيد الإسلامية اليومية مع الشيخ على يوسف، و هى أول جريدة إسلامية فى مصر.

تخرج الإمام فى كلية دار العلوم عام 1305هـ الموافق 1888م، و عمره تسعة عشر عاماً. 


[1]    و هى الآن كلية دار العلوم، لأن المدرسة وقتها كانت تقبل مستوى الثانوية الأزهرية، و لذلك تحولت اسماً إلى كلية.

[2]   سورة طه آية 98.

[3]  مجلة المدينة المنورة:السنة 10 العدد13 ص13 (16 رمضان 1356 الموافق 19 نوفمبر 1937).

[4]  الناسوت: الجسم .. اللاهوت: الروح.

[5]  سورة البقرة آية54.

[6]   سورة الحديد 4.

[7]   سورة البقرة آية 115.