حياة الامام

(2) العمل بمدرسة الإبراهيمية

لقد حظيت بلدة الإبراهيمية بشرف استقبال الإمام بها كمدرس بمدرسة الإبراهيمية الأولية وذلك عام 1307هـ الموافق 1891م ، و كانت هذه المدرسة قد افتتحت حديثاً   [1] بهذه المنطقة.

و  بلدة الإبراهيمية كانت مركزاً قبل وجود مركز كفر صقر و مركز ههيا. و كان معظم سكان هذه البلدة من الأتراك. و قد سميت هذه البلدة بالإبراهيمية نسبة إلى إبراهيم باشا الكبير الذى أفاض عليها من الهبات والنعم و الألقاب ما جعل أهلها فى بحبوحة و سعة من العز وزخرف الحياة الدنيا، فقد وهب هذا 500 فدان وذاك 200 فدان و هكذا، حتى محمد باشا أبا ذقن كان يمتلك وحده 1000 فدان هبة من إبراهيم باشا، و كان معاشهم بالكامل على نفقته لأنهم أتراك.

و هكذا دخل رضوان الله عليه بلدة الإبراهيمية. و عندما وجد الإمام كل ألوان المدنية هذه بما فيها من رفه العيش و متع الحياة كلها، و من ناحية أخرى مساجد مهجوره وعدم إقبال على الآخرة بما فيها من نعيم مقيم.. اهتم كثيراً و اغتم، وطلب العون من الله و بدأ الإمام من بيوت الكبراء و العظماء أمثال بيت محمد باشا أبى ذقن، و بيت محمد باشا علمى، و سكن فى منزل من منازله، و بدأ فى إلقاء دروسه بمسجد عبد العزيز سعد و مسجد محمد أبى ذقن و مسجد حفيظ ومسجد الشيخ صبيحى.

و فى تلك الفترة التى عمل فيها الإمام بالإبراهيمية، صاحبه و لازمه محمد بك علمى وشقيقه أمين بك علمى. و قد أعطاهما الإمام الكثير من علوم المعرفة، فنهلا من معينه الفياض و فازا بالعلم المضنون والمكنون. وظل بيتهما مفتوحاً للإمام وللإخوان أثناء زياراته لمصر فى إجازاته السنوية بعد أن هاجر رضوان الله عليه إلى السودان لتأخذ الدعوة شكلاً آخر من أشكالها. ولما عاد الإمام إلى مصر ثم استقر بعد ذلك بالقاهرة، لم يطق على بك علمى صبراً، فهاجر من الإبراهيمية إلى القاهرة ليكون بجوار إمامه، و لم يكن يتغذى إلا من علوم المعرفة لا بكتابة على أوراق ولكن سماعاً مباشراً من الإمام لينتقش ذلك على جوهر نفسه، فكان قليل الكلام إلا فيما يزيد علماً بالله تعالى. و سكن بمنزل بحى الزيتون بالقاهرة حتى انتقل إلى جوار ربه.

 

وكان الإمام يزور البلاد المجاورة فى وسط الأسبوع، فذهب إلى ههيا. و كان من أوائل مريديه هناك الشيخ أحمد قوطاية (و كان الإمام يعطف عليه حتى أنه عندما كان يزوره فيما بعد بالقاهرة كان يشمله بعطفه و حنانه ويطعمه بنفسه من يده الكريمة). و كان من إخوانه السابقين الأفاضل الشيوخ سيد غنيم، و سليم طنطاوى، و عبد الكريم العشرى ومحمد عبد الباقى، و صالح الحصين، فأصبح للإمام تلاميذ كثيرون بههيا و شرقية مباشر و الحبش   [2] و طواحين الرش و بنى غياض و البجعية (منشية ناصر الآن) وخلافه.

و كان للإمام قصة  [3] معروفة مع فضيلة الشيخ محمد الصبيحى من بلدة الحبش، وهى تبعد حوالى كيلو مترين بحرى الإبراهيمية، و كان له دكان يبيع فيه البضائع المختلفه كما كانت سمة العلماء فى ذلك العصر، و كان  يفرغ نفسه لإلقاء الدروس بالمسجد. و قد تمتع الشيخ بخصوصية حباها له الإمام و هى أنه كان يتلقى منه علومه و دروسه و مواجيده التى كان يلقيها الإمام بين مريديه و تلاميذه من السودان و هو فى مصر، و كان يكتبها بخط  يده و يجلدها فى مجلدات وصل عددها أثنى عشر مجلداً كبيراً، و لا أحد يدرى أين ذهب هذا التراث، و قد بحث عنه كثيراً ولكنه لم يظهر حتى الآن، نسأل الله القادر القدير أن يظهر هذا التراث لينتفع به العالم الإسلامى أجمع.

ولما علم الشيخ صبيحى أن الإمام يقوم بالتدريس فى مسجده الذى تعود أن يدرس به، و لعدم سابق المعرفة بينهما، سارع إلى المسجد لعله- و هو الرجل الذى حصل من العلوم الدينية جانباً كبيراً- يقف على خطأ للإمام فى اللغة العربية أو فى غيرها من الدروس التى كان يلقيها، و كان من عادته أنه لا يسمح لأى عالم بإلقاء دروسه فى مسجده إلا إذا جاءه و أخذ منه الإذن بذلك، وفى نفس الوقت كان قد جهز للإمام سبعة مسائل كتبها فى ورقة ووضعها فى جيبه ليسأله عنها ويحاججه بها. وما أن دخل الشيخ صبيحى المسجد حتى نزل الإمام من على كرسى الدرس وسلم عليه وقبل يده و طلب منه اعتلاء الكرسى مخبراً أن المكان مكانه و المقام مقامه، فقال له الشيخ صبيحى: ارجع مكانك واستمر فى درسك فقد جئت مستمعاً إليك، فقال الإمام: لا يحق لى أن أدرس فى مكان شيخى فيه، فأصر الشيخ صبيحى على طلبه. واصل الإمام درسه من على كرسى الدرس، ثم علا بالعبارة فقال: حضرنا الآن الشيخ صبيحى و معه فى جيبه سبعة مسائل، يسأل فى الأولى عن كذا و إجابتها كذا، والمسألة الثانية كذا و إجابتها كذا .. حتى انتهى رضى الله عنه من عرض المسائل السبعة، فصاح الشيخ و بكى وقال: زدنى يا سيدى، فأعاد عليه الإمام أسئلته وأجاب عليها بلون آخر مع سموه فى العبارة عن عقول العوام والخواص، فبكى الشيخ بكاءً شديداً و قال: زدنى يا سيدى .. فأعاد الإمام الكره بلون لا يفهمه إلا خاصة الخاصة الخاصة .. فخر الشيخ صعقاً،  و حملوه إلى بلدته على هذه الحالة مغشياً عليه، واستمر الحال على ما هو عليه مدة. وبعد أن أفاق الشيخ الصبيحى، صمم أن يتوجه فوراً لحضور مجلس الإمام، و ما أن رآه الإمام مقبلاً عليه لسماع الدرس الذى كان يلقيه للعامة حتى سما بالعبارة عن العقول، و اقترب الشيخ رويداً رويداً إلى أن وصل تحت الكرسى الذى يجلس عليه الإمام فقال الإمام:( إن هناك أناساً يكرسون حياتهم للحصول على الذهب، ويفنون فى ذلك أموالهم لعلهم يصلوا إلى السر الذى به تتحول مادة النحاس أو الحديد إلى ذهب، و كل ما فى هذا الكون من ذهب أو متاع فإنما هى نعم من الله سبحانه و تعالى، و المقصود من وجودنا فى هذه الحياة الدنيا ليس لنعم ولكن المنعم سبحانه وتعالى، و كل هذه النعم من ذهب و خلافه إلى زوال، وا لأولى بنا أن نولى وجهنا شطر مولى النعم). و بعد أن أشار رضى الله عنه إلى علم الكيمياء و صناعتها و دور جابر بن حيان فيها، وكيف أن الأصول التى استنبطها جابر بن حيان قد خفيت على من بعده فلم يتمكنوا من تطبيق قواعده وقوانينه، فهم الشيخ صبيحى من ذلك أن الإمام يعرف أسرار الكيمياء التى وضع أساسها جابر بن حيان وبالتالى يعرف سر تحويل المعادن إلى ذهب. و طلب الشيخ من الإمام بعد الصلاة أن يتلقى هذا العلم على يديه، و أظهر الإمام الموافقة و لازمه أياماً و الإمام يريد أن يخرجه عن ذلك بالحكمة الروحانية، ولكنه كان مصراً على ما أراد حتى حدث له ما ثنى عزمه عن ذلك، فقد كان الإمام يريد أن يعلمه درساً فى الزهد يكون رائده فى طلب الله، فقال له: عندما تفتح المحل فى الصباح قل: (بسم الله الرحمن الرحيم) ، فأخبره أنه يقولها كل يوم، فقال له الإمام: أعلم ذلك، و لكنى قد أذنتك بها الآن، و للإذن سر لا يعلمه إلا الله.

دخل الشيخ صبيحى دكانه، و قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) كما أمره الإمام بالأمس، فإذا به يجد كل أصناف البضاعة فى نظره ذهب خالص، فكلما جاءه مشتر- والمشترى طبعاً يرى الصنف على حالته الطبيعية- فيقول له أعطنى كذا، فيذهب الشيخ إلى الصنف فيجده ذهباً، فيقول له هذا الصنف غير مجود، و المشترى يراه فيقول له: هذا الصنف موجود ها هو ذا (مشيراً إليه) و انت الآن واقف أمامه، فيقول: لن أبيعه لك،  و لا يزال هذا الأمر حتى وصفه الناس بالجنون، و ظل على هذا الحال مدة حتى أوصله ذلك إلى غيبوبه ظل فيها فى فراشه فاقد الوعى تماماً، و قد ذهب بعض الإخوان فسألهم عن الصبيحى فوصفوا له حاله و أنه طريح الفراش، فاستدعى الإمام تلميذاً من تلاميذه من أهل الأحوال العلية و هو الشيخ (ياقوت) و لقنه صيغه يقولها فى إذن الصبيحى اليمنى، و بعد إلقاء هذه الصيغة جاءت الفوقه فسأل: أين أبو العزائم؟ فأخبروه، فقال هيا بنا إليه، ولما واجه الإمام، شرح له كيمياء الصالحين و قال له: يا بنى إن كيمياءنا تقوى الله عز و جل ومراقبته، و لازال الإمام به حتى وصل إلى حال كمل الأولياء فى الصدق و الصفاء و الطهر والنقاء وعلوم الخلوة، رضى الله عنه و أرضاه  [4] .

و كان الإمام يلقى دروساً دينيه يومياً بعد صلاة العصر بأكبر مساجد البلدة، فالتف حوله أهالى الإبراهيمية و البلاد المجاورة، و كان حال المسجد و كأنه أشبه بصلاة يوم الجمعه من كثرة رواده.

 

 

[1]   افتتحت مدرسة الإبراهيمية فى عام 1891م، وأغلقت فى عام 1896م، وهذا مستخرج من مرجع ضمن مكتبة مدرسة المنيا الإعدادية.

 

[2]   و فيها أملى قصيده من أمهات القصائد ذات الغيبية العالية و التى لا يتذوقها إلا أهل الذوق العالى (عام1313هـ )و التى مطلعها: (ستائر الغيب فى حال الفنا كشفت* و حجب نأى لدى الإحسان قد رفعت)

[3]   رواها الأستاذ عبد الرحمن على سلامة من ههيا شرقية

[4]   من التسجيلات الصوتية للشيخ محمد مخاريطه