حياة الامام

(6) الانتقال إلى أسوان

تسلم الإمام عمله الجديد بأسوان- و كان بصحبته عائلته- أواخر شهر جمادى الأولى 1316 الذى وافق 8 أكتوبر 1898، و مكث بها عاماً واحداً. وعلى غير ما اعتادت أسوان، و على غير مثال ما سبق، اكتظ الجامع الكبير بأهل البلدة لسماع دروس الإمام، وجمع الله عليه الخلق يستمعون إليه و ينصتون. و كان من بين تلاميذه الذين توثق رباطهم به: الشيخ محمود العقاد (والد الكاتب عباس محمود العقاد) ، و ماهر بك (والد على باشا ماهر وأحمد بك ماهر الذين أحبوا الإمام حباً جماً) ، و قاضى المحكمة الشرعية و فقيهها، و عائلة بشندى، وأحمد أفندى إبراهيم ملاحظ شونة الملح، و الجداوى الذى تظاهر أنه من تلاميذ الإمام و مريديه رغبة فى أن يتعلم منه الإسم الأعظم ليقضى حاجاته، و كان قاضياً بمديرية سنار بالسودان قبل الثورة المهدية ثم فر منها راحلاً إلى أسوان حيث أستقر فيها، و حسده على تلك المنزلة التى أنزله الله، و هاله جمع الناس على الإمام و ارتباطهم به فسرت نار الحقد فى قلبه وبدأ يكيد له فى كل مكان محاولاً فض الناس من حوله، فاستمال قلوب الضعفاء و منهم عمدة أسوان، و بألوان الخسة حاربوه، و بما يندى له الجبين آذوه.

 

و جاءت ليلة هى خير من ألف شهر.. جاءت ليلة القدر، اختاروها إمعاناً فى إيذائه رضوان الله عليه. إن العمدة وآخرون قد حركوا الأهالى لقذف منزل الإمام بالطوب والحجارة طوال الليل، كل ذلك و الإمام فى خلوته آنساً بربه يناجيه، قائماً لليلة القدر إيماناً و احتساباً كما أمر الرسول الكريم. و لما حانت صلاة الفجر، صلى الإمام بمن معه فى الخلوة، ثم جلس متأثراً بما يحدث، وتوجه قلبه إلى مولاه، و جعل يملى القصيدة الآتية:

 

نعم لـرجال الله وصـف  الحنانـة             وإمهـالهم    للعز   لا   للمـذلـة        و سـيفهم ماض إذا سـل لحظـة               يقطـع أعنـاقـاً بـعـزم النبـوة وهمتهـم فـوق الجبـال إذا بـدت               تدك لها من خشيـة بـل ورهبـة

و سهمهمو إن قوسـوه تدكـدكـت             له كل أركـان الوجـود بـرميـة

وإن نظـروا يـوماً بغضب و حدة             بدى سوط سخط الحق من كل وجهة

رجال لهـم حال مـع الله ظاهـرا             و حال مع المختار فى كـل لحظـة

و ناصرهم  ذو العز والقهر والعلا             يؤيـدهم بالنصـر بعـد المشيئـة

إذا رفعـوا الأجفـان  يـوماً  لحاجة             لهم ربهـم بـالفضل لبى بسـرعة ينـاديهمـو لبيكمـو ما شئتـمـو             يكن لكمو عنـدى بمحض المبـرة

يغـار علينـا أن يـمس جنـابنـا             أولو الفسق والبهتان حزب الضلالة

و ها هو سوط القهر صب عليهمـو             و فيهم بدت نـار الشقـاق الحمية وعـاملهـم  بجلالـه   وبقـهـره             و أحرقهـم  بالنـار  نـار  المذلـة

طغوا وبغوا جهلاً بقدرى ورتبتـى             و لم يرعووا حتى  أصيبـوا  بنقمتى

و أمهلـتهـم وداً ولطفـاً ورحمـة             ليرتدعـوا عن فعل  أهل  الجهالـة فـزادهـم الإمهـال منى تعنتـاً             إلى أن علاهم سيف ماضى العزيمة

و لا لـوم يـا قـوم علـىّ فإننـى             علـى ثقـة أن  أجاب   بـدعـوتى

و ها هم رجال  اللـه سلوا سيـوفهم             علـى من طغا يـرموه أقبح  رميـة

و قاموا بأمر اللـه  للحـق  ينصروا             وأمـر رسول اللـه خيـر  البريـة

و بالأمر قد سـاروا بعـزم وهمـة             لنصـرة ديـن بـل وإحيـاء سنـة

و حسبى رب العرش و الله  ناصرى             و طه غياثى بـل و منـه  معونتـى

عليه صـلاة  اللـه  تجلى وتُجتـلََى          صلاة بهـا أحظـى لنيـل السعـادة

 

و بعد ثلاث ليال من هذه الواقعة، و فى ليلة عيد الفطر المبارك، أنزل الله بالظالمين عقوبته وكفاه الله أمرهم، و ثاب بعضهم إلى الحق فتاب وأناب.

و بعد هذه الحادثة، ترك الإمام هذه المنطقة، و استأجر بضاحية من ضواحى أسوان منزلاً لأحد كبار الرجال وهو بشير بك كحبال، فأنس بالوحدة وشرح الله صدره بها، و عكف على مناجاة ربه، فقيض الله له من يؤنسه من الإخوان و هو صاحبه بسواكن محمود بك صفوت العياط ، الذى نقل لأسوان يوزباشى بهيئة الأركان حرب للقوات المصرية فيها، فلازمه بقية هذه السنة ملازمة الظل لصاحبه.

و قد وجد الإمام جماعة كبيرة من الناس ملتفة حول رجل مشعوذ. و لما سأل الإمام من هذا؟ قالوا هذا شيخ و لكنه لا يلتزم بتعاليم الإسلام، فتغير وجه الإمام حزناً مما رآه، و كيف أنهم يسمونه شيخاً و هو على هذا الحال. أدرك ذلك المشعوذ أن الإمام غير راض عما رآه، و أدرك أنه سيكون خطراً عليه، فاحتاط لنفسه و أرسل أحد أتباعه المشعوذين بعصا ليأتى بالإمام أبا العزائم ويسحره بها. و لما قرأ هذا المشعوذ على العصا بسحره، قرأ الإمام أيضاً قول الحق: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)  [1]، فسقطت العصا من يد المشعوذ فأخذها الإمام ووضعها بجانبه ثم ألقى درساً نافعاً ممتلئاً بالخشية من الله، فتاب الرجل على يد الإمام و عزم على ألا يعود للسحر مرة أخرى، فقال له الإمام مداعباً: (لقد أتيت لتسحر أبا العزائم فسحرك أبو العزائم)، أى سحرك بالبيان والعلم مصداقاً لقول النبى صلى الله عليه و سلم: (إن من البيان لسحرًا) [2].و لما حانت الإجازة الصيفية، توجه الإمام فى سياحة طويلة من أدنى صعيد مصر إلى الوجه البحرى زار فيها بلاداً كثيرة و أحباباً كثيرين. و أثناء هذه السياحة، علم سماحته أن وظيفته قد انتقلت إلى سواكن مرة أخرى.

 

 

[1]   سورة الأنبياء 18.

 

[2]    البخارى و الإمام أحمد فى المسند و مالك فى الموطأ و أبو داود و الترمذى والسيوطى فى الجامع الصغير.