حياة الامام

(9) الانتقال إلى أم درمان

 من الثابت أن الإمام رضى الله عنه كان بمدينة أم درمان  [1] فى عام 1902، والعام الذى نقل فيه إلى مصلحة المعارف السودانية، و الذى افتتحت فيه كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم حالياً) ، إذ توجه الإمام إلى من أم درمان إلى الخرطوم مع الأساتذة العاملين بمدرسة أم درمان لحضور حفل افتتاح الكلية.

جاء الإمام إلى أم درمان و هى مثقلة بالجراحات، فقد كانت عاصمة وحاضرة الدولة المهدية والتى سقطت بمعركة كررى على مشارف شمال أم درمان، فقد كانت خارجة لتوها من معركة أبيد فيها الكثير من سكانها أمام الجيش الإنجليزى الغازى.

و ما أن مضى عام على قدوم سماحته شهر واحد حتى تكاثرت الطلبات للدخول بالفصل الذى سيدرس فيه. وقد حرص على أن يغذى  عقول الطلبة بعلوم مواد السنة الأولى لدار العلوم المصرية من نحو و صرف وبيان و بديع و تفسير و حديث، فقد أنشأت مدرسة المعلمين بأم درمان على غرار مدرسة دار العلوم المصرية التى تخرج منها الإمام. و لم يترك الإمام هذه السنة الدراسية تمر إلا و قد اختبر طلبة هذا الفصل الذين كانوا نواة مدرسة المعلمين السودانية، فوجد جهوده صادفت تربة خصبة قد أثمرت فى رجال كانوا بحق صفوة أهل السودان و خيرة أبنائه الذين ظلوا متمسكين بمبدئه السامى فى خدمة الإسلام و المسلمين بهذا القطر الشقيق.

و كعادة الإمام رضى الله عنه، فلم يكن يكتفى بواجب وظيفته، بل كان يمضى جُل وقته فى الدعوة إلى الله. وقد كانت له حلقة علم فى مسجدها الجامع حيث قرأ الموطأ وحكم بن عطاء الله، و ذكر الإمام أن أهل أم درمان يحبون العلم و العلماء إلا أنهم يحتاجون إلى مبادىء العلوم حتى يتأهلون لفهم روح الشريعة. و فى أم درمان اتصل الإمام وتعرف على كثير من الشخصيات الوطنية ذات المكانة الاجتماعية والدينية، والذين ظلوا على محبتهم وصلتهم بالإمام حتى بعد نقله للخرطوم و كذلك بعد استقراره رضى الله عنه فى مصر، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ مدثر إبراهيم الحجاز حامل أختام المهدى- و هو من الشخصيات الوطنية البارزة، وبعد دخول الإنجليز السودان عرفوا له هذه المكانة، فكان محل إحترامهم و تقديرهم، وهو تجانى الطريقة، ربطت بينه و بين الإمام رضى الله عنه رابطة المحبة والأخوة فى الله و فى رسول الله صلى الله عليه و سلم- و من بعده خليفته الإمام عبد الله التعايشى تلميذ الإمام، و الشيخ قريب الله أبى صالح الطيبى شيخ الطريقة السمانية بأم درمان، و الشيخ أحمد السيد مفتى السودان، و الشيخ عبد الرحمن محمد أحمد المهدى، والشيخ عبد المجيد الدفارى.

وقد كان منزله أشبه بمنتدى أدبى يضم عليه القوم بالسودان بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس. و كان رضى الله عنه يسعى لجامع أم درمان العام الذى كان يقع على بعد كيلو مترين من منزله عقب الغروب فيدرس به الفقه على مذهب الإمام مالك رضوان الله عليه من بعد صلاة المغرب إلى ما قبل صلاة العشاء، ثم يدرس بعد صلاة العشاء درساً خاصاً فى الحديث الشريف حتى ينقضى الثلث الأول من الليل، فيعود فى موكب من طلابه إلى منزله حيث يجد كثيراً من العلماء المصريين من أئمة القوة العسكرية قد سبقوه إليه، وكذلك قاضى قضاة السودان الشيخ محمد شاكر، فيتدارسون القرآن و يتجاذبون أطراف الحديث فى غوامض أسرار الصوفيه و مآخذ  أهل الذوق فى القرآن الكريم إلى منتصف الليل، و بعد إنصرافهم لا يبقى معه إلا نفر قليل، فيملى عليهم ما كانوا يحتارون فى فهمه إلى الهزيع الأخير من الليل، حتى إذا نام الموجودون تركهم إلى مخدعه للتهجد لله تعالى فى صرصر الليل، فلا تغمض له عين قبل صلاة الفجر، و بعد صلاة الفجر يذهب إلى فراشه حتى مطلع الشمس أو بعد ذلك بقليل حيث موعد الدرس بالمدرسة. و فى السنه الثانية له بأم درمان التف حوله طلابه  و عارفوا فضله مره أخرى  بالجامع الكبير و فى المدرسة و بمنزله الشهير الذى أصبح قبلة أنظار أهل العلم والفضل.

و قد زار المدرسة لفيف من مفتشى المعارف المصرية مع المستشارين الإنجليز بها و حضروا درساً للإمام وحضروا أسئلة و إجابات الطلبة فأخبروا بأن إجابات الطلبة تنبىء عن سعة فى الفهم مع استجلاء لحقائق غامضة عن كثيرين فى فقه اللغة ليست مشوشة بالمعتقدات فى كتب اللغة فى أسلوب عذب بسيط ، وأن ما حصله هؤلاء الطلبة يضاهى ما حصله طلاب السنة النهائية بدار العلوم بمصر إن لم يمتز عنهم فى نواحى كثيرة. و فى الجامع الكبير ازداد إقبال الخاص و العام على هذا المنهل الروى حيث قام الإمام بشرح حكم بن عطاء الله السكندرى لكثيرين من علماء السودان الأعلام الذين صحبوه فى هذه السنه و لازموه.

و أثناء إقامته رضوان الله عليه بأم درمان أصدر مجلة (السعادة الأبدية) لسان حال الدعوة العزمية فى وادى النيل، و التى استمرت فى الصدور من عام 1903 حتى 1915م.

 


[1]      تأسست مدينة أم درمان عام 1885م عندما ارتحل إليها محمد أحمد المهدى بجيشه و آثرها على الخرطوم و التى كانت عاصمة الحكم التركى، فنمت أم درمان من مجموعة أكواخ إلى معسكر حربى إلى عاصمة للدولة المهدية، و بعد سقوط الدولة المهدية فى 1898، انتقلت العاصمة إلى الخرطوم، وبقى فى أم درمان خليط من شتى المواطنين الذين ينتمون إلى مختلف القبائل السودانية. و أصبحت أم درمان مدينة سودانية بالمعنى القومى العريض لأهل السودان. لذا يطلق عليها و إلى الآن العاصمة القومية للسودان لأنها تكاد تكون خالية من العناصر الأوربية والأجنبية على العكس من الخرطوم و التى غلب عليها الطابع الأوربى فى ذلك الوقت و لم تعرف أم درمان التخطيط العمرانى الحديث و ظلت محتفظه بكثير من ملامحها المهدية، و لم ترتبط مع الخرطوم بكوبرى إلا فى عام 1932. و لذا كانت أم درمان بوتقة الوعى القومى المتنامى و الذى انصهر فيها متخذاً شكل نشاط اجتماعى وثقافى و دينى.