حياة الامام

دور الإمام رضى الله عنه فى السودان

(تركزت أبحاث المؤرخين الإنجليز الذين أرخوا لاستعمار بريطانيا العظمى للسودان، ذلك الاستعمار الذى جهد غلاة الاستعماريين على توطيد أركانه وتثبيت جذوره وتدعيم وجوده بنية إبقاء السودان تحت الحكم البريطانى لقرون طويلة حتى يستطيعوا الاستفادة من مساحته الشاسعة وامتداد حدوده التى تتاخم المناطق الأفريقية حوله بربط غرب القارة وشرقها وشمالها وجنوبها، ومنه يستطيع البريطانيون أن يحكموا قبضتهم ويعززوا سيطرتهم على القارة كلها [1].

تركزت أبحاث هؤلاء المؤرخين الإنجليز على أسباب فشل جهود طواغيت الاستعمار البريطانى فى إطالة أمد استعمارهم للسودان ترجع كلها إلى مناهضة الإسلام لهم كدين تعمقت جذوره فى أفئدة المؤمنين السودانيين فهبوا فى انتفاضتين عارمتين جرفتا كل مخططات الإستعماريين فدمرتا كل أمالهم فى دوام إحتلالهم للسودان المسلم. أما الأنتفاضة الأولى:  فكانت الحركة المهدية.

وأما الأنتفاضة الثانية: فكانت الحركة العزمية.

ولقد أسهب هؤلاء المؤرخون، ومن بينهم جون سبنسر تريمنجهام فى كتاب (الإسلام فى السودان  [2] على المقارنة بين الحركتين: المهدية والعزمية، وأجمعوا على أن الحركة العزمية كانت أعظم خطراً وأقوى تأثيراً لأنها قامت على أفكار زرعها داعيتها الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم فى عقول الصفوة المثقفة الممتازة من أبناء السودان، ودأب على رعايتها وتنميتها حتى أثمرت وآتت أكلها وانتشرت بواسطة تلاميذه ومريديه بين كل أفراد الشعب السودان وطوائفه، فتأسست على مبادئه وأيديولوجيته الجمعيات الوطنية التحررية، وقامت صحف سياسية تلهب حماس الشعب للنضال من أجل حريته والدفاع عن كرامته.

وعندما تحدث المؤرخ الإنجليزى جون سبنسر تريمنجهام عن الحركة المهدية والعزمية قال: (.. أما العزمية فإنها أخذت طبيعة مؤسسها الأستاذ الذى مهنته التعليم والتثقيف فكان يتعامل بالفكر مع عقول رواد حلقاته وبث فيهم المبادىء الإسلامية التحررية، وأحسن عرض الشريعة الإسلامية فى محاضراته بأسلوب شيق رزين، ولذلك فإن رواد حلقاته يمكن تصنيفهم على أنهم تلاميذ لا مريدون).

إن الإمام قد أبهر طلابه السودانيين بمحاضراته غزيرة العلم وذات الإسلوب الأدبى الشيق الجذاب فلازموه وفتح لهم بيته. لقد تركزت محاضراته على أن الإسلام ليس فقه شرائع تعبدية، بل هو أيضاً سياسة شرعية، ومن أوليات هذه المبادىء الشرعية أن لا يتولى أمور المسلمين إلا خليفة يرتضونه، وحرام عليهم أن يستكينوا لمستعمر كافر. واتسعت دائرة رواد بيته حتى غدى كعبة للمثقفين السودانيين وذوى النوازع الوطنية والتحررية، ومن ثم نشأت فى بيته حركة وطنية تحررية أدت إلى قيام أحزاب سياسية و صدور صحف تنادى بالاستقلال وطرد المستعمر.

وقد دخل السودان طوراً جديداً من حياته وتاريخه بعد توقيع اتفاقية الحكم الثنائى ارتبط فيه ببريطانيا ارتباطاً وثيقاً فى شتى مناحى حياته وتاريخه بعد توقيع اتفاقية الحكم الثنائى ارتبط فيه ببريطانيا ارتباطاً وثيقاً فى شتى مناحى حياته. وأخذت الإدارة البريطانية تنشىء دواوينها وتنظم أعمالها وتخطط مشروعاتها الاقتصادية والثقافية وتفرض ضرائب على الناس حتى تفجرت الثورات فى الجنوب والشمال قدرت بثلاث عشرة ثورة أولها عام 1902م وآخرها عام 1934 ، وكان أهمها جميعاً ثورة 1921 ، 1924م وذلك لظهور طبقة المثقفين الذين تربوا على أيدى الإمام، وقد استطاعوا أن يوصلوا إلى قلوب أبناء السودان صدق الإدارة وقوة العزيمة التى تحلى بها الشعب المصرى فى ثورة 1919م، فقام السودانيون بثورة مسلحة ضد الإدارة الاستعمارية فى نوفمبر 1924م، وكانت الشرارة التى أشعلت الثورة قرار الحكومة البريطانية بتسريح الجيش المصرى من السودان وطرد قيادته إلى مصر. وكان من أهم أسباب ثورة السودان أن الإدارة الاستعمارية لم تخف سياستها بل أوضحتها فى المذكرة التى قدمتها للجنة ملنر التى حضرت إلى مصر فى أعقاب ثورة 1919م ومؤداها فصل جنوب السودان عن شماله وإبعاده عن أى أثر إسلامى وضمه لشرق أواسط أفريقيا، وتنفيذاً لذلك صدر قانون المناطق المقفولة عام 1922م وأعطى الحاكم العام البريطانى سلطة منع أى مواطن سودانى أو غيره من الدخول أو البقاء فيها.

ومما تجدر الإشارة إليه أن عناصر الثورات الوطنية فى السودان كان أغلبها من تلاميذ الإمام الذين تربوا على يديه ونهجوا نهجه فى الجهاد، فكان زعيم جمعية (اللواء الأبيض) على يد عبد اللطيف تلميذاً للإمام أبى العزائم منذ حداثة سنه، كما كان زملاؤه كلهم ممن تخرجوا على يديه فى كلية غردون وفى مقدمتهم حسن فضل المولى وثابت عبد الرحيم وعبد الفضل ألماظ ، وقد حوكموا جميعاً أمام محاكم خاصة، وكانت محاكمة على عبد اللطيف وأقواله أمام الهيئة نموذجاً صادقاً لما تتسم به التربية الإسلامية التى تنمى الشعور بالوطنية الحقة. كما جاءت أقواله دليلاً حياً لما يمكن أن تؤثر فيه شخصية الزعيم الدينى فى تلاميذه. ولما وجد المستعمرون أن المحاكمة تحولت إلى مظاهرة وطنية ودينية، اتهمته بالجنون وأودعته مستشفى الأمراض العقلية. وقد شهد الدكتور بهمان بأن على عبد اللطيف مثلاً للاستقامة والنزاهة ورجاحة العقل. وقد حرص الإمام أن يزور تلميذه بالمستشفى على فترات متقاربة ويجلس إليه الساعات فى جلسات روحيه عالية إلى أن انتقل رضى الله عنه إلى جوار ربه. وظل الإمام أبو العزائم يستنهض عزائم طلابه ومريديه من أبناء السودان ضد الإستعمار الإنجليزى حتى أدرك الإنجليز خطورته عليهم فقرروا أن ينهوا دوره فيه.

وقد كان للإمام طريقة خاصة فى إلقاء دروسه، فكان للقصة دور كبير بحيث تبقى فى الذهن ولا تنسى، وبأسلوب روائى تمثيلى أكثر منه نظرى تلقينى، فقد كان يمثل عملياً العلوم التى تتعلق بالأفعال، ويسوق الأمثال للنظرى منها لتقريب الحقائق، ويصور الحقائق المجردة ويجسدها فى أسلوب قصصى حتى ترسخ المعلومات فى ذهن الطالب ويتمثلها معالم بين عينيه وتنتقش فى نفسه. لذا عندما عرف الإمام رضى الله عنه العلم قال: هو تصور النفس رسوم المعلوم.

وقد روى أنه رضى الله عنه كان يلقى درساً بمسجد الخرطوم الكبير فى شمائل النبى صلى الله عليه وسلم. وفى أثناء الدرس وقف الإمام قائلاً: أرأيتم كيف كان يمشى النبى صلى الله عليه  و سلم؟ والناس فى شوق ليروا ذلك،  فأصلح الإمام من هندامه ثم رفع رجله اليمنى، وقبل أن يضعها على الأرض فإذا بالحاضرين ينفعلون قائلين (الله) بالمد الطويل، فكأنما مثل لهم الصورة مشرقة فى مرآتها. فرجع الإمام إلى مكانه وجلس، وبعد برهة، وعندما أفاق الناس من الجمال الذى أحسوه وعاشوا فيه، قال لهم: كنت أريد أن أريكم كيف يمشى النبى صلى الله عليه وسلم، فإذا كان محمد ماضى أراد أن يمثل لكم فلم تتحملوا، فكيف إذا رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وكان رضى الله عنه يعلم الجمهور وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس على كرسى فى صحن المسجد ويطلب طستاً وإبريقاً، ثم يكلف واحداً بأن يصب له الماء فيتوضأ أمام القوم، فيستوعب الوضوء مبيناً الفرائض والسنن، ثم يطلب أحد الجالسين ليجلس مكانه ويقول له علمنا الوضوء كما رأيت، وقد يكون أضعف الجالسن عقلاً وتفكيراً، فلا يقوم من مجلسه إلا وهو عالم بكيفية الوضوء على حال يجهلها بعض من تلقوه تلقيناً.

ولقد أبهر الإمام طلابه أيضاً فى المدارس عندما كان يدرس لهم منهج النحو، وهو مادة من أصعب المواد عند غيره من المدرسين، ولكنه ابتكر طريقة روائية حديثة فى تدريسها لا يمكن أن ينساها التلاميذ، وهى أفضل  من طريقة تحفيظ القاعدة عند غيره من المدرسين، ولذلك كانت ترسخ فى أذهان التلاميذ.

كان الإمام يمثل للطلبة حكاية طريفة على دخول كان وأخوتها على المبتدأ والخبر ودخول إن وأخوتها عليهما.. فيمثل أن زيداً وعمراً من الناس وهما المبتدأ والخبر جاءتهما عمتهما زائره يوماً وهى تحمل على رأسها أخوتها الصغار وهم كيت وكيت وكيت، ثم تستاذن عليهما فى دارهما وهما جالسان فيه، فيقوم المبتدأ مرتفعاً فوق درج الباب لفتحه، ثم يهم أخوه وهو الخبر منتصباً احتراماً لها وإجلالاً، وهكذا يدلل على تأثير كان فى المبتدأ والخبر بطريقة روائية. ويزيد الإمام تطبيقاً على ذلك فيجعل أحد التلاميذ يهم مرتفعاً، كما بعين خبراً يقف منتصباً حتى ترسخ القاعدة فى مخيلة الطلبة، ثم يسأل كل واحد ماذا صنعت كان وأخوتها؟ فيروى كل واحد هذه الحكاية التى تترك أثراً لا ينسى، ثم يطالب التلاميذ بالأمثال، فما أسرع ما تنهال عليه رضى الله عنه هذه المثل مثل غيرها فى الكتاب الذى قلما يفتح ويقرأ.. وهكذا دواليك عند كل قاعدة نحوية أو صرفية.

و لم يكن ليكتفى بالإلقاء والتلقين فقط، و تلك هى السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فى قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتمونى أصلى). وقد روى أن الإمام كان يذهب إلى القسم الابتدائى بالكلية ويجمع الطلاب ويتباسط معهم ويتنزل لهم قائلاً: كيف تصلون؟ كيف تتوضئون؟ ويفعل ذلك عملياً أمامهم حيث يأتى بإبريق الماء ويكلف أحد الطلاب بصب الماء فيتوضأ أمامهم، مبيناً الفرائض والسنن، ثم يفرش جبته على الأرض ليريهم كيف يصلون لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (صلوا كما رأيتونى أصلى) . فهو رضى الله عنه يمثل حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فى علومه وحكمه لهذا العصر، ويقول لهم عبارة يذوقها أهل المعرفة: (يا أولادى خير لكم أن تتعلموا منى، فبعد أبوكم الشيخ لن تجدوا من يعلمكم).

وكما تميز الإمام بأسلوبه فى التدريس وآدابه عند إلقاء الدرس، فإنه كذلك تميز وتفرد فى طريقته لجذب الناس لحلقة العلم ليفقههم فى أمور دينهم.

حتى فى حياة الإمام العادية كان يعطى الدروس والعبر والإشارات بطريقة غير مقصودة ولا تنسى أبداً. ففى يوم كان متوجهاً من برى المحس إلى كلية غردون. وكان قد أعطى ريالاً مجيدياً للشيخ أحمد النور ليركب به ويلقاه بالكلية، حيث أن الإمام سيركب دابته فآثر الشيخ أحمد النور أن يسير وراء الإمام. حتى إذا جاوز منطقة برى إلى الفضاء الواسع الذى يفصل برى عن الكلية- وبها خط سكة حديد على مرتفع بسيط من الأرض- وجه الإمام دابته لتسير بين القضيبين. وبعد مسافة تحكم الإمام فى لجام الدابه ليوجهها بعيداً عن هذا الطريق فنزلت من هذا المرتفع، ثم ترك لها العنان لتسير كيفما تريد، فصعدت المرتفع لتسير بين القضيبين، وكلما نحاها عن هذا عادت، والشيخ أحمد النور ملاحظ ذلك. قال له الإمام: أتلاحظ ذلك يا ولدى أحمد؟ هذه دابه أريد أن أنحيها عن الطريق المعتدل إلى طريق متعب فإذا بها ترجع إلى طريقها المعتدل، والإنسان نريد له أن يسلك الطريق المعتدل المستقيم ولكنه يتركه للطريق المعوج!!.

 

[1]    كتابات الشيخ زاهر عزب الزغبى.

[2]    ISLAM IN SUDAN (1965) 2 nd ED .BY G.S TRIMINGHAM. FRANK CASS& CO.LTD;LONDON.