حياة الامام

مقدمة فى الأخلاق

قال صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعة وتسعين خلقاً من تخلق بأحدها دخل الجنة. فقال أبو بكر: أفىّ صفة منها يا رسول الله. قال: بل فيك كلها يا أبا بكر) [1]، أى أن سيدنا أبا بكر تخلق بأسماء الجمال الإلهى، وبأسماء الجلال الإلهى، عند المقتضى، فأكرمه ربه فتعلق بأسماء الكمال الإلهى.

ولا مجال أصلاً للمقانة بين مقام الرسالة ومقام الصديقية، ولما كان سيدنا أبو بكر الصديق رضوان الله عليه قال عن رسول الله فيما يتعلق يأخلاق الله: (بل فيك كلها يا أبا بكر) ، فما هو مقام رسول الله؟!  إن شميم المقام تعجز عن أن تحوم حوله حماه الأرواح فى صفائها، وقد قال مخبراً: (أدبنى ربى فأحسن تأديبى) [2]وقال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [3]  ولا تمام إلا بعد الكمال، وأخبرت عنه السيدة عائشة رضوان الله عليها أنه: (كان خلقه القرآن) [4].

والجميع مطالبون فى نص حديث رسول الله بالتخلق بأخلاق الله ليجزينا الله الجزاء الأوفى. وإن الورثة بأنواعهم كل قد ورث من المصطفى صلى الله عليه وسلم على قدر سعة ما عونه وما أهله الله له، أما الوارث الفرد الجامع وهو فرد وقته وإمام زمانه المبعوث على رأس كل مائة عام ليجدد للأمة أمر دينها. فقد سار على نهج حبيبه المصطفى كوراثه أكملية يهدى بالتى هى أحسن بأمر الله.

ويذكر لنا الإمام رضى الله عنه ما ينتظر العبد الذى سار على هذا الدرب فأكرمه سبحانه فى كبح جماح نفسه، وعرف نفسه فعرف ربه، ففتح له تعالى باب الأنس والمشاهدات، فيقول مبيناً ذلك [5] :

إن الله لا يحب من خلْقه إلا من كان على خلُقه، و لا يدخل فى جنته إلا من تحصن بجنته، ولا يخص بوداده إلا من جعله رحمة لعباده، ولا يرى ملكوته الأعلى إلا لمن بالشفقة تحلى، ولا ييتجلى ظاهراً للمراد إلا إذا سلم من شر العباد، ولا تظهر أنواره سبحانه فى القلوب إذا تأثرت من خلقه بالعيوب، وكيف تتجمل بالأنوار وقد خلعت عنها حلة الغفور الستار؟

حظيرة القدس لا تنال بالرياضيات والأعمال، لأنها نزل المقربين والأبدال، وإنما تقرب القريب بأخلاق من تقرب إليه، وإنما يكون بدله إذا جمله بمعانيه ووصله، وليس استحقاق الميراث بالعناء والإتعاب.. ولكنه بالمشابهه والإنتساب، فأرح بدنك من الوصب، وعليك بالنفس تتحلى بالحب، وانظر بعين بصيرتك حقيقة رتبتك، فأصلك إما طين أو ماء مهين، ومن تحقق مبدأه اشتغل بشكر الله على ما أولاه.

وقال رضى الله عنه: (عاشروا الناس معاشرة إن عشتم حنّوا إليكم وإن متم بكوا عليكم) . والأخلاق الحسنة الحميدة وصفها الإمام بأنها إما أن تكون على الفطرة والسجية إلا من بعض الرعونات التى يستغفر منها العبد ويتوب فتكون سبباً لرفعة درجته عند الله، وإما أن تكتسب بالجهاد وبالتواجد. يبين الإمام رضوان الله عليه ذلك فيقول [6] :

 

الأخلاق الحسنة إما فطرية أو تكليفية:

(1) الفطرية منها: تحصل لصفاء جوهر النفس، لأن جوهر النفس إذا كان نوراً يقبل الخير ويرد الشر، ويكون مجملا ًبالرحمة والرأفة والعواطف والبر والإحسان فينشأ الإنسان محباً للخير وأهله معادياً للشر وأهله، شكوراً فى الرخاء صبوراً فى البلاْ ، يعفو ويصفح، ويؤثر أخاه على نفسه، ويجازى السيئة بالحسنة.. فيحبة الله والنس أجمعون، ويعيش الناس منه فى سلامة وهو منهم فى أمان إلا حسود للنعمة أو شيطانى النزعة وهذا المفطور على جميل الأخلاق: إن أعلنه الله بمرشد كامل ورث أحوال الأنبياء ومنحه الله التخلق بأخلاقه العليه، وإن عاش فى مجتمع فاسد وهذ أشبه بسراج بين العميان.

(2) أما المتخلق: فإما أن يكون تخلق خوفاً أو طمعاُ:

(أ)- فالذى يخاف من السوط ويطمع فى الدنيا فهذا قد يترك دينه خوفاً او طمعاً، فيرتكب من الدنايا والسفاسف ما يتبرأ منه الحيوان الأعجم، فإن الحيوان لا يبالى أن يرتفع صوته الدال على نوعه أمام أشرف الحيوانات، ولكن هذا المتكلف قد يترك دينه الحق إذا خاف أو طمع، وقد يرتكب أكبر المنكرات إذا أمن خانب الخلق، وقد يضر امة باسرها إذا نال خيراً ولو من اعدى عدو لأمته، وهذا يراه الناس إنساناً مسلماً وهو فى الحقيقة شيطان منافق. وعلاج هذا المرض سهل إذا يسره الله تعالى. قال سبحانه وتعالى: (قل إن الهدى هدى الله) [7].

(ب) – أما الذى يخاف من الله فهو من الذين ءآمنوا بالآخرة فطمعوا فى الجنة وخافوا من النار، فيسارعون إلى الطاعات للنعيم المقيم، ويتباعدون عن المعاصى خوفاً من الجحيم. وقد كلف الله العلماء أن يبينوا للناس طرق الخير وموارد السعادة لأنه سبحانة وتعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ليحصل الطمع والخوف. وأهل النفوس الزكية يعلمون الأخلاق الحسنة لأنفسهم من الناس، فإذا أحبوا شيئاً من أعمال ومعاملات وأخلاق الناس عملوا بها، وإذا كرهوا شيئاً من ذلك تركوه.

والمجتمع الإنسانى مدرسة الصديقين، وكل إنسان يحب الفضائل والكمال الإنسانى والعمل بها. وخير ما يتقرب به العبد خلق حسن يعامل به غيره، وفى الحديث الشريف (ألا أخبركم بأحبكم إلى وأقربكم منى مجالس يوم القيامة؟ أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً [8] ، الذين يألفون ويؤلفون. ألا أخبركم بأبغضكم إلى وأبعدكم منى مجالس يوم القيامة؟ الثرثارون المتفيقهون الذين لا يَألفون ولا يُؤلفون) [9].

والأخلاق الجميلة هى أخلاق رسول الله، وغيره هى أخلاق الشيطان. وكل مسلم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد أن يتخلق بأخلاقه ولو تكلف ليكون من أهل معيته صلى الله عليه وسلم.

تربى الإمام على ملازمة الأستغفار، فقد رُوى عنه [10] أنه كان كثير الأستغفار فى صباه، وكان يحب العزله والعبادة والاستذكار، وطلب العلم النافع وهو فى سن مبكره، وكان متواضعاً لمعلميه فأحبوه، فأعطاه الله علم ما لم يكن يعلم. فطره الله منذ طفولته على الأخلاق الحميدة، فشهد له الكل بحسن الأدب فكان من منن الله عليه أن فطره الله على صفاء جوهر نفسه، وفطره أيضاً على الأستعداد للتلقى والمزيد، وأفاض الله عليه من ممنه التى  لاتعد ولا تحصى.

 

ولما بلغ أربعين عاماً من عمره كان وقتها فى الخرطوم بالسودان: قال [11]

 

وأناب  المحبـوب  للـه  يـبغـى          أن يرى  الوجهَ  حيث  ولى  جهارا

ذاك  سر  التجديـد  خمر طهـور          قد  يـراه  أهـل  القلـوب  مُدارا

أنتِ  يـا نفس  إرجعـى  وأنيبـى          وأسالى  المنعـم   العلـى   الغفارا

قد   بلغتـى   أشـدكِ [12] فـهلمـى         فعساه  فـضلاً  يـقيـل  العثـارا

قد مضـت ثَم  أربعـون أنيبـى          ربى أوزع  عبداً  ليعطى  الجوارا

وأجرنـى مـن ذلتـى  وذنوبـى          أعطنى الفضل  والرضا   المدرارا

ورضا عنك بعد أن ترضى عنـى           وأمح   عنـى  يا سيدى  الأوزارا

وأعف   عنى وعافنى يـا إلهـى           أعطنـى  الخيـر ربـى والأنوارا

وأفتحن لى الكنوز فـى كـل  آن           وأجعلنـه  فتحـاً لنـا وانتصـارا

جددن لى العطا  وبالشرع  أحيـى           منهـج الفـرد واخـذل الكفـارا

 

[1]     أخرج ابن الدنيا فى مكارم الأخلاق وابن عساكر وابن حجر الهيثمى فى الصواعق المحرقة بلفظ : (خصال الخير ثلاثمائة وستو ن خصلة إذا أراد الله بعبد خيراً، جعل فيه خصلة منها بها يدخل الجنة. فقال أبو بكر: يارسول الله أفىّ شيئ منها، قال: نعم جميعها من كل) وأورد ابو يعلى وأبو داود عن سيدنا عثمان بلفظ : (إن لله مائة خلق وسبعة عشر خلقاً من أتى الله بخلق واحد منها دخل الجنة) .

[2]    هذا الحديث روى عن الإمام على بن أبى طالب، وجزم به ابن الأثير فى مقدمة النهاية، وقال ابن حجر: إنه غريب ولكن معناه صحيح، وذكره ابن السمعانى فى أدب الإملاء عن ابن مسعود، والسيوطى فى الجامع الصغير.

[3]    البخارى ومسلم ومالك فى الموطأ

[4]       الإمام أحمد فى مسنده، وابن جرير وعبد الرازق ومسلم وأبو داود والنسائى.

[5]     مجلة (المدينة المنورة) السنة 23 االعدد 7 ص2 (14صفر 1370-24 نوفمبر 1950) .

[6]      مجلة ( الفاتح والمدينة المنورة ) السنة 3 العدد 5 ص 38 ( شهر ذى الحجة 1349) .

[7]   سورة آل عمران آيه 73

[8]    اللينة جوانبهم

[9]      الطبرانى والخطيب البغدادى والترمذى وأحمد وابن حبان

[10]    روت ذلك السيدة زينب الأخت الكبرى للإمام

[11]    جزء من قصيدة املاها رضى الله عنه فى 24 ذى الحجة 1326هـ .   

[12]   يشير إلى قوله تعالى : (حتى إذا بلغ أشدة وبلغ أربعين سنة) الأحقاف آية 15.