حياة الامام

الكرامة والإستقامة

قبل أن نتحدث عن كرامات الإمام المجدد السيد محمد ماضى أبى العزائم رضى الله عنه، نوجز القول فى بيان   الفرق بين  المعجزة  والكرامة وتعريف  كل  منهما  حتى تصبح  الأمور جلية لا لبس فيها، ويزداد الذين اهتدو هدى ويزيدهم الله من فضله.

المعجزة:

هى فعل خارق للعادة يظهره الله جل جلاله على يد  مدعى  النبوة على  وفق مراده  واختياره  للتدليل على صدق دعواه أنه نبى مع عجز جميع الخلائق على الإتيان بمثله.

وفى شرح (فريدة الدردير فى التوحيد) قال: خرج بقولنا   (خارق للعادة)  السحر والشعوذة  وغرائب المخترعات، فليست خارقة للعادة بل معتاد، وتعرف بالتعليم، ولها قواعد يعرفها بعض الناس و يحس بها الكثير منهم إلا أنها  غريبة  لمن  يجهل  قواعدها. وخرج  بقولنا (يظهره الله على يد مدعى النبوة) الإرهاص  والكرامة  والمعونة  والاستدراج ، فهى ليست  بمعجزات  وإن  كانت  خارقة  للعادة لعدم ظهورها على يد مدعى النبو.

المعرفة:

وهى أمر خارق للعادة يظهر لشخص مستور الحال كاستجابة دعوة أو تيسير فى  أمر من أمور حياته أو  قضاء   مصلحة  من  حيث  لا  يتوقع  أو  تخليص  له  من  شدة  بأيسر سبيل، يقول بن عطاء الله السكندرى: ربما رزق الكرامة من لم تكمل له الاستقامه، ويقول  أيضاً: ليس من ثبت تخصيصه  كمل تخليصه.

والمعرفه إما أن تكون تعريفاً لصاحبها وبداية لما بعدها من الكرامة  إذا  أسند العبد  الفضل  فيها  إلى صاحبه وشكره عليه، وإما أن يكون استدراج وقطيعة إذا عقل صاحبها عن الذى أبداها  له  وظن  أنه أوتيها بعمله ونسى المتفضل الأول عليه.

الكرامة:

فعل خارق للعادة يظهره الله على يد ولى من أوليائه. والكرامة للوالى معجزة للنيى  وتصديقاً  لدعوته وبرهاناً لا ينقطع على رسالته. يقول اليافعى  رحمه  الله:  ظهور الكرامات  على الأولياء  جائز عقلاً وواقع نقلاً، فإنه ليس بمستحيل فى قدرة الله عزوجل – بل إنه من قبيل  الممكنات،  كظهور معجزات الأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم، وهو مذهب أهل السنة من المشايخ العارفين  والنظار الأصوليين والفقهاء المحدثين. ويقول الإمام النوى- رحمه الله- فى (بستان العارفين) : اعلم أن مذهب  أهل  الحق إثبات الكرامات وأنها واقعة موجودة مستمرة فى الأعصار، ويدل عليها دلائل العقل، فهى  أمر يمكن حدوثه ولا يؤدى وقوعه إلى رفع أصل  من  أصول  الدين،  فيجب  وصف  الله  تعالى  بالقدرة عليه،  وما كان مقدوراً كان جائز  الوقوع،  وأما  المنقول  فآيات  القرآن  وأحاديثه  مستفيضة. ويقول الشيخ إبراهيم اللقانى فى كتاب (جوهرة التوحيد) :

واثبتن للأولياء الكرامة         ومن نفاها فانبذن كلامه

وقال بن عربى رحمه الله:

سـر الكرامة  واجب  متحقق        عند الرجال فلا تكن مخذولا

وظهوره فى المرسلين فريضة        وبها  تنزل  وحيـه  تنزيلا

والكرامة لا تظهر فى ولى إلا لانطوائه فى جاه نبى وقيامه بعد  الاتباع،  فلا  تنظر  إلى  قدر  التابع ولكن انظر إلى قدر المتبوع وعظيم قدره عند ربه، و لاتنظر إلى ضعف العبد  ولكن  انظر إلى  قدرة سيده جل وعلا.

وقد تواتر وقوع الكرامات من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الصديقين والأولياء والصالحين فى كل زمان. ومثال ذلك ما ورد أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه قال لابنته السيدة  عائشة  رضى  الله عنها وهو فى مرض موته وزوجته حامل (إنما هما أخواك وأختاك دون بطن خارجة أراها جارية) ، فاخبر أن فى بطن امرأته جارية وكان كما قال رضى الله عنه. وقول سيدنا على كرم الله  وجهه  حين أُخبر بالكوفة أن معاوية قد مات فقال: (والله ما مات ولن يموت حتى يملك  تحت  قدمى  هاتين  وإنما أراد من هذا أن يشيع ذلك حتى يستر علمى فيه) ، ومن يومئذ  كاتب  أهل الكوفة  معاوية  وعلموا أن الأمر صائر إليه. ومن ذلك ما رواه الرافعى فى (الآمال) أن ابن عمر  رضى  الله  عنهما  قال  للأسد الذى منع الناس الطريق: تنح، فبصبص بذنبه وذهب، فمشى الناس، فقال ابن عمر رضى  الله  عنهما صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (من خاف الله خوف الله منه كل شىء) [1]. ومما رواه أبو نعيم   فى  (الحلية) :  تسبيح  القصعة   التى  أكل  منها  سلمان  الفارسى  وأبو  الدرداء  .  ومن  ذلك حديث البخارى فى قصة حبيب حين كان أسيراً موثقاً بالحديد وكانوا يجدون عنده العنب  وما  بأرض مكة حيئذ عنب.

وكرامة الإيمان هى أعز وأفضل ما أكرم الله به عبده، وما اكرم الله عبداً إلا  نور  قلبه  وأفاض  عليه من أسرار القدر وعجائب التصريف نوراً يسمع به ما لا يسمعه غيره ويبصر ما لا يبصره غيره، قال رسول  الله  صلى  الله  عليه  وسلم:  (اتقوا  فراسة  المؤمن فإنه ينظر بنور الله) [2] وقال الله تعالى فى الحديث القدسى: (فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى  يبصر  به  ولسانه  الذى  ينطق به...) [3]. ومن شهد له الرسول أنه ينظر بنور الله وأفاض الحق عليه فكان سمعه  وبصره  ولسانه  فلا يستحال أو يستغرب أن تخرق له العادات أو أن يرى ما  عمى  عنه  غيره  أو  أن  يعلم  ما  لم  يفهمه ويعلمه غيره. فالإيمان كرامه عظمى والنور والفتح فرعان الإيمان بالله تعالى، و مافى الجنة من دور وقصور وثمار وأنهار هى من نتائج الإيمان.   

ويعرف الإمام أبو العزائم رضى الله عنه الكرامة فيقول:

(الكرامة هى تكريم الله العبد بما يقربه به إليه، أو إظهار خوارق العادات على يد العبد ليهدى به غيره من غير قصد، فإذا قصد السالك أن تظهر له آية لينال الشهرة أو  ليحصل  لنفسه  مالاً  أو  جاهاً  كان مضلاً، لأن الله أخذ المواثيق على الرسل  أن  يظهروا  المعجزة  ليخرجوا  الناس  من  الظلمات  إلى النور، وأخذ العهود من الأولياء أن  يحفظوا  الكرامة،  فإذا  أظهرها  سبحانه  ليكرم  غيرهم  بالهداية والتوبة  فذلك  فضل  الله تعالى. وأفضل إكرام يكرم الله أولياءه هى الاستقامة، والاستقامة عند العلماء خير من ألف كرامة، والكرامات التى يدعيها المشعبذون أهل الجهالة ليوهموا الناس أنهم  على  تقوى من الله.. والله سبحانه وتعالى لا يصلح عمل المفسدين. ومن أجل ذلك أنكر العلماء  الكرامة  من  غير المستقيمين، ولم ينكر العلماء إكرام الله لأهل الاستقامة كما أكرم مريم ابنة عمران  بالطعام  والفاكهة، وأكرم والدة الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة ميلاده بما هو معلوم، وأكرم  كثيراً من  أوليائه  بالنجاة من الوحوش والظلمة، وأكرم بهم ذريتهم كما فى حادثة موسى عليه السلام والخضر ورفع  الجدران، ولا ينكر إكرام الله لأهل الإيمان عند التجائهم إليه سبحانه أحد المسلمين، ولكننا ننكر على  أهل  البدع المضلة  المخالفين  للكتاب  والسنة ، وكم  اكرمنا ربنا وأغاثنا فى كل أحولنا بما لا نستحق، فله الحمد والشكر. 

ومن ظن أن  الكرامة  غير الاستقامة  فليس  بمؤمن على بصيرة، وكم خدع هؤلاء المشعبذون جهلاء فأضلوهم عن الصراط المسقيم، وإنى أعيذ إخوانى من الضلال، وقد  التبست  الكرامة  بأعمال هؤلاء الضُّلال فاعتقد أهل الجهالة اعتقاداً جعلهم  يطعيونهم  حتى  فى  ترك  الصلاة  والصيام  وفى  إباحة المحرمات ظناً منهم أن هذا هو الدين.

ومسلم يعتقد ان رسول الله صلى الله عله وسلم خاتم  الأنبياء  بصريح  القرآن  ويقرأ  الكتاب  والسنة، ويأتيه شيطان ضال مضل يهدم أركان الإسلام ويبيح ما حرمه القرآن ويبيح الأعراض ويقبل منه.. لا يكون مسلماً أبداً، وكيف لا؟ والله تعالى يقول: (وأقيموا الصلاة وآتوا  الزكاة) [4]   ويقول:  ( ولله  على الناس  حج  البيت ) [5]  ثم  يقبل منهم بعد ذلك من يدعى الإسلام محاربة القرآن والسنة.. نعوذ بالله من غضب الله ومن الكفر بعد الإيمان.

الكرامـة  أن  يـكرم  اللــه  المؤمنيـن  بـالاعتصام   بـالكتاب  والسنة  ويـعصمهم  من  الفتـن  المضلة والأهواء المذلة) .

كان  الإمام  رضوان  الله  عليه  لا  يحب إظهار الكرامة أبداً، وإذا ظهرت وسمع الإخوان تتكلم عنها يحذرهم حتى لا يفتتن المريدون بالكرامة ويشتغلوا بها عن الاستقامة. ا هـ

لقد  علّم الإمام  رضى الله عنه تلاميذه أن خرق عوائد النفس بترك المألوف بالإرشاد الصحيح وإحياء موات القلوب بالعلم المؤيد بنور الحق أفضل عند الله ورسوله من ألف كرامة.

وقال رضى الله عنه موضحاً الاستقامة التى هى أفضل من الكرامة:   

الاستقامة:

-----------

خروج  عن  المعهود ،  ومفارقة  الرسوم  والعادات ،  والقيام بين يدى الله تعالى على حقيقة الصدق. والاستقامة فى الوقت: أن تشهد قيامه، والاستقامه فى  الأقوال :  بترك  الغيبة ،  وفى  الأفعال :  بنفى البدعة، وفى الأعمال: بنفى الفترة، وفى الأحوال بنفى الحجبه.

 

والاستقامة:

 

طلب الإقامة فى محبة الله ومراضيه، ولا يتحقق بها إلا  من  تحقق  بخالص  التوحيد  وتناول  صافى شراب الموحدين، لأن التمكين فى مقام التوحيد تتميز به  الحضرتان  وتنجلى  به  المكانتان ،  فيتحقق العبد برتبته الحقيقية أمام ربه البديع القادر الحكيم.

 و لابد للعبيد من لبسه يلبوسنها ومعان يتكلمون بها ليتحققوا بكمال العبودية أمام السيد العظيم  والولى الكبير المتعال، لأن السيد الكبير المتعال جل جلاله غنى عن الخلق أجمعين، وكلهم  فقراء  إليه ،  فهو تنزه وتعالى لا يجانسهم ولا يشاركهم ولا يمازجهم لأنه سبحانه وتعالى لا  جنس  له  فيتجنس  به  ولا شكل له فيتشكل به، ولا تتصوره العقول  ولا  تتخيله  الأفكار ولا  تحوم  حول  قدس عزته  وجبروته العقول والأوهام، ظهرت معانى صفاته فى أحكام ما أملا لأنه الآمر القادر، ونهى لأنه الحكيم القاهر، وكلف لأنه الملك القوى، وبين سبل  إقامة  لحجته على عباده، وهو  القاهر فوق  عباده،  يريد  الشىء إرادة تكوين فيقدره سبحانه وتعالى، وينهى عنه ابتلاء  منه  وهو  المبلى  جل  جلاله،  ويحب  الشىء ويأمر به ولا يقدره سبحانه على من لم يشأ أن يهديه وهو العزيز المنتقم، لا حجة لعبد عليه لأنه الملك المتصرف فى ملكه مما يشاء، ولا ظلم ينسب إليه سبحانه لأنه خلق من شاء لما شاء، قال تعالى:  (إن الله يضل من  يشاء  ويهدى  إليه  من  أناب) [6]. فلا العلم   بخالص  التوحيد  يجعل  العبد مهملاً،  لأن  العليم بخالص التوحيد هو الحكيم القادر الناهى، ولا اليقين بحقيقة التقدير يجعل  لعبد  حجة  عليه  جل جلاله إذا نسب الله تعالى القبيح إلى العبد وعاقبه عليه، لأنه جل جلاله أرسل الرسل بالبينات وصدقهم فيما جاءوا به من قبله بالمعجزات حتى ثبت للخلق أجمعين  أن  احداً   لا  يعمل  هذا  العمل  إلا  رب العالمين، ولا يجزيه إظهاراً إلا على يد صادق أمين ،  إذ  لو  كانوا  كاذبين  فيما  جاءوا  لما  صدقهم سبحانه بالمعجزة الخارقة للعادة.. وهب لعباده العقول التى تميز بين المعجزة  والكهانة ،  حتى  قامت الحجة القاصمة أن غير المستقيم ولى الشيطان الرجيم ولو بلغ  من  العلم  نهايته  ومن  الكشف  غايته ، لأن العلم يجرى مجراه والحكم يجب العمل بمقتضاه، فلا العالم- مهما بلغ- تكون له الحجة على الله، وعالم لا يخشى الله هو الجاهل حقاً.. قال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)[7].

والاستقامة:

-----------

مراد الله تعالى المحبوب لحضرته العليه والسير  بسير العلم  المطلوب  للعبد،  وشتان  بين  مراد  الله تعالى من العبد ومراد العبد من نفسه، فالعبد يطلب  الكرامه  والله  سبحانه  وتعالى  يطلب  الاستقامة. ومن قدم مراده على مراد ربه كان جاهلاً عند العلماء بالله وإن ظن أنه عالم- قال الله  تعالى:  (قل  إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند  ربكم، قل  إن  الفضل  بيد  الله  يؤتيه من يشاء والله واسع عليم* يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)[8].

والسعيد حقاً من سبقت له الحسنى فوفقه الله للاستقامة وأعانه، والمحجوب  حقاً  من  ظن  أنه  يحسن عملاً فطلب الكرامة، قال تعالى: (هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون) [9].

والعالم حقاً من هجم به علمه على عين اليقين فانتشله الله من أوحال التوحيد فكان حاله فى مزيد، جاء فى الأثر: (من لم يكن فى زيادة فهو فى نقصان، ومن كان فى نقصان فالنار أولى به) وقال الله  تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : (وقل رب زدنى علماً) [10].وعلم بمحو الآثار   والآيات  عندنا  هو  علم الأطفال، فمن يكن فى مزيد من العلم حتى يثبت ما أثبته الله ويسارع  إلى  مرضاته  ومحابه  فهو  فى جهل، قال الله تعالى: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) . [11]. فيجب علينا ان نسارع  إلى  الإستقامة  علماً بعلم الله وإن جهلنا الحكمة، فإنما مكلفون  لنطيع  الأمر-  فقهنا  الحكمة  أو جهلناها،  وكل علم  يواجه شهوداًَ يخالف الأستقامة هو جهالة وضلالة. وكيف لا يكون كذلك وصاحبه يحكم بعلمه على علم  ربه ويخالف شهوده حكم ربه جل جلاله وهو الخسران المبين؟ إلا من صال عليه الحق صولة  فسلب  منه ما وهب، ولديه يسقط عنه ما أوجب، وهم الموتى وإن كانت أجسامهم تتحرك، الذين اقتطعتهم  المحبة من غير سكينة فصيرتهم أرواحاً بلا أشباح، لا يتألمون مما يتألم به الناس ولا يتلذذون بما يتلذذ الناس به، وهم أهل الاصطلام بمشاهدة التوحيد بالتوحيد،  لا يشهدون  لأنفسهم  وجوداً . .  فكيف   يشهدون مقتضيات  الوجود ؟ !  تجلت  لهم  الأسماء  والصفات  فحجبت  أنوارها  الكائنات  فغابوا عن أنفسهم بمنفسهم ، وعن  مقتضيات  قلوبهم  بمقلبها ،  وليست  دعوى  يدعيها  السالك  ولا  تكلفاً يتكلفه  مريد الحق، وإنما هى حال قاهرة عن سجية صادقة بعد تزكية النفوس وشوقها إلى القريب القدوس، وليس هؤلاء أئمة للمتقين ولا هداة للأمة، لأن القوة  التى  بها  التكليف  سلبت  والحقيقة  التى  بها  التعريف قويت، خرست ألسنتهم لاستغراقهم فى شهود الواحد، وصمت آذانهم عن  غيره ،  وحجبت  أبصارهم عن سواه سر قوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) [12]وقوله تعالى: (ففروا إلى الله)[13] .  والفار  إلى الله من  نفسه،  المستوحش  من  وجوده،  كيف  يأنس  بغيره  أو  يرى  وجوداً  لسواه؟!  فإذا رد  إلى  الخلق وأنس بهم وفارقته الاستقامة كان داعياً إلى الضلالة  ناهجاً  سبيل  الغواية ،  نعوذ  بالله  منهم ، ومحبوب الله تعالى إذا رده إلى خلقه جمله بحلل حبيبه ومصطفاه وسلك به  على  الصراط  المستقيم ، صراط الذين انعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين، فكان صورة محمدية  كاملة، يمثله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً، مشكاة لمصباح أشرق زيته وصفت زجاجته، عمله  بالسنة، وقوله الحكمة، وحالة المحبة، والتوكل على الله، والتفويض لله، والشكر بكلام الله،  والفرار  إلى  الله، والمسارعه إلى مراضى الله ومحابه، وهو الإمام الذى يظهره الله، فترى جسمه فى الأرض بين الناس وقلبه معلق بالملأ الأعلى، أنفاسه ريحان ملائكة الله، وأعماله زينة الفردوس الأعلى، توحدت  همومه فصارت هماً واحداً فى الله، لو غاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه نفساً لعد نفسه مشركاً،  وهو الفرد الذى لا تفارقه الإستقامة وإن كانت أحواله توجب الملامة، حصن الله شهوده بالسنة   بحقيقة  ما تفضل به عليه من المنة، خفيت إشارته لأنها من غوامض أسرار  التوحيد،  ووضحت  عباراته  لأنها بيان المبدىء المعيد- قال تعالى: (الرحمن *علم  القرآن  *خلق  الإنسان  *علمه  البيان) [14].  عبارته شفاء للقلوب، وأحواله التنويع للنفوس، وإشارتع تلويح عن الغيوب، لا يقهره  حاله  لأنه  مقهور بقهر الحكيم القادر، محصن فى حصن حكم اللطيف الخبير العليم، تجلت له صفات  اهل  معية  رسول  الله صلى الله عليه وسلم حتى لو همت نفسه بمخالفة فى صغيرة أو كبيرة تداركته عناية الولى القريب سر قوله تعالى: (الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) [15]، إذا أظهره الله فى  الوجود  فتح به عيون القلوب وأطلق به الألسنة بالحكم وأسرار  الغيوب،  نوع  به  النفوس  وزكاها  وطهرها  من لبسها،  وبالأخلاق  الطاهرة  والاستقامة  حلاها ،  سر قول  رسول الله صلى الله عليه وسلم: (العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء وورثتى وورثة الأنبياء)[16].

* وقد  جاء  بعض  الإخوان الجدد إلى الإمام يسألونه إظهار كرامة ويقولون له: يا سيدى إننا لم نشهد منك كرامة، فقال لهم الإمام: يا أولادى إكرام الله للعبد فوق الكرامة، لأن كلمة  كن  لله،  فإذا  أعطاها للعبد يجب عليه أن يحفظها ولا يتلاعب بها ويكرهها كما يكره الندامة،  لأن  الاستقامة  عنده خير من ألف كرامة. وضرب الإمام لهم مثلاً أن فلاناً ضيف على فلان، فيقول الأول أن فلاناً ضيفى أقضى له حاجته من غسيل ثياب وأكل وشرب، فهل يجوز للضيف بعد ذلك أن يطلب ما ليس له حق فيه؟  طبعاً يا أولادى هذه إساءة أدب مع صاحب البيت، وهكذا المثل.

  • وقال  لهم  الإمام  أيضاً :  من   إكرام  الله  لى  أنى  كنت  فى   رحله   سياحة   بـالسفينة ، وكان بها مسجد صغير أقيم الصلاة فيه على وقتها مع إخوان لى، فقال أهل  الغى   فيها: إن هذا الرجل جاء فى هذه الرحلة ليعكر صفونا بصلاته ودروسه وعلمه وعبادته،  أما  كان عنده المساجد فى القاهرة ليصلى فيها ويدعنا هنا  وشأننا؟  لا بد أن  ندبر له  مكيدة  حتى يخلو لنا الجو لصفونا. وفعلاً دبروا لى خطة فى أن يطلبوننى من حجرتى  بغرض  إقامة صلاة العشاء على أن أخرج من الحجرة ليدخلوا امرأة عاهرة إلى غرفتى، حتى إذا عدت دخلوا على ووجدوها معى فى حجرة واحدة وشهروا بى [17] .

وجاء بعض منهم وطرقوا باب الحجرة وأخبرونى أنهم  ينتظروننى  لصلاة  العشاء،  فخرجت  معهم متجهين إلى الزاوية وأدخلوا المرأة. وبعد الصلاة أوصلونى إلى حجرتى وتركونى، ثم عادوا إلى بعد ساعات ليشهدوا منى ما يريدون. ولما كنت أصلى  صلاة  التهجد  بعد  وصولى  مباشرة  إلى  الغرفة وكان صوتى مرتفعاً فى الصلاة، فقد اعتقدوا أننى أكلمها، فطرقوا الباب فخرجت  إليهم  فنظروا  إلى الداخل فلم يروا المرأة. ثم عادوا فطلبونى لصلاة الفجرونظروا  بالداخل  فلم   يروها،  ولما  أدخلونى المسجد لصلاة الفجر عادوا هم إلى الحجرة فوجدوها نائمة  تحت  السرير  فأيقظوها  وقالوا  لها  ماذا فعلت؟ فأرجعت إليهم نقودهم وقالت: إنها لم تدر شيئاً من الدنيا عندما أدخلوها حجرتى،  فعلمت  أننى رجل من رجال الله.

وقال الإمام: لما عرف هذه القصة رجل أجنبى، أحبنى جداً لأنه علم مدى صلاحى، فوضع لى  ساعة مرصعة بالجواهر فى جيبى كهدية وبدون أن  أعرف.  فلما  وصلت  إلى   المنطقة  الجمركية  فتشوا الجميع وفتشونى فوجدوا هذه الساعة فى جيبى، ولما سألونى عنها قلت لهم: إنها ليست  لى  ولا  أعلم عنها شيئاً، فاقتادونى إلى الحجز واتهمونى بالسرقة. وكان هذا الرجل الأجنبى الذى أهدانى الساعة له أخ يعمل فى الجمرك، فلما حضر ليسهل   له  الإجراءات  رآنى  وعلم  بالتهمة  الموجهة  لى،  فأخبر الأجنبى أخاه أنه هو الذى وضع الساعة فى جيبى وقال لأخيه: إننى شيخ  صالح  وقص  له  ما  حدث على الباخرة، فردوا لى الساعة واعتذروا لى اعتذراًَ شديداً وأخرجونى معززاًَ  مكرما ً بعد  أن  قدموا لى مشروباً. ثم قال الإمام لزواره من الإخوان: أليس هذا يعتبر  إكرام  من  الله  تعالى  لى؟  وأن  هذا أفضل من الكرامة؟

  • وحدث أن وجه أحد  الباشاوات  الدعوة  للإمام،  وبعد  العشاء  قص عليه  قصة  مرضه وعجز الأطباء سواء  بالداخل  أو  بالخارج،  وأراد  الإمام  أن  يعطى  درساًَ  عملياً  فى الاستجابة  لدعاء  الله  فسأله  الإمام  عن  عدد  بيوت  القرية  فأجابه  الباشا،  فطلب  منه  أن يشترى ذبيحه وتعمل أنصبة بعدد بيوت القرية، ومع كل  نصيب  قرطاس  من  الأرز وقرطاس من المكرونة، وأن يمر بنفسه بعد العشاء على بيوت  القرية  ويعطى  كل  بيت نصيبه، فوجد الكل يقابلوه بالدعاء وأن يعجل الله بشفائه، فما كانت  إلا  أيام  قليله  وشفى الباشا بفضل دعاء أهل القرية له نظير هذه الصدقات فاستجاب الله لهم،  كما  قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم: (داووا مرضاكم بالصدقة) [18]
  • وكان بالفيوم رجل من أعيان البلد أسمه محمد الحلوانى ولكنه كان مبتلى  بالنساء،  وكان كارهاً لهذا الأمر لكنه أصبح مرض عنده. فلما علم بوصول الإمام جاء  إليه  بصدق  نيه وبايعه وعاهده أنه لا يقوم بهذا العمل وأنه تائب إلى الله تعالى،  ودعا  له  الإمام  وأعطاه بعض الأوراد التى يقولها بالليل. ولما نام رأى أن يواقع امرأة  من  الغانيات  المعروفات لديه، فذهب للإمام وحكى له أنه زنى فى نومه وقال كنت أظن أنى خرجت من هذا الأمر وأن الله سبحانه وتعالى تاب على ولكنى مازلت غارقاً فى الشر حتى فى  النوم.  فقال  له الإمام: يا بنى هذا كان قدراً عليك سينفذ، ولكن بصدق نيتك وبحبك فى رسول  الله  صلى الله عليه وسلم خفف الله عنك ولطف بك فوقع القدر ولكن بغير حساب عليك ولا مسئولية حيث أنه وقع فى النوم. هذا يبين لنا سر الدعاء المأثور: اللهم إنى  لا  أسألك  رد  القضاء ولكن أسألك اللطف فيه.
  • وقد  ركب  الإمام البحر مرة فى طريقه من سواكن بالسودان إلى السويس. وصعد لأعلى ليتنسم النسيم، فإذا به يجد طاقم ضباط السفينة يلعبون  القمار،  فلم  يغضب  ولكنه  جلس معهم، وبهدوء أقنعهم أن هذا لا يستوى، فقال الذى ربح للإمام أنه يلعب لا  لحاجة  للمال ولكنها للتسلية،  فقال  لهم  الإمام:  أنتم  تقولون  إنكم  استعمرتم  الشعوب  لكى  تعلموهم الأخلاق وهذا ليس من الأخلاق  فى  شىء،  والعمال  على  هذه  السفينة  يتعلمون  منكم ويقلدونكم وسيبيعون لوازمهم ليلعبوا مثلكم.

فقدموا الربح للإمام لكنه رفض، وقال: اعطوها لعمالكم على الباخرة.  وسأل  القبطان  الإمام لماذا نعطيها للعمال؟ فقال له تدفع عنك البلاء، فقال القبطان أعطنى مثالاً، فقال تنجيك وتنجى اولادك، فاستدعى رئيس العمال وأعطاه هذا المال. وكان ولد صغير  من  أبناء  هذا  القبطان بالسفينة يلعب وراءهم فإذا به يسقط فى البحر فى هذه اللحظة  ومعه  كلبه،  فسبح  الكلب  مع الطفل وسحبه بأسنانه، وأطلقوا صفارة الإنذار وأنزلوا معدات النجاة وأنقذوا الولد وكلبه.  هذا القبطان البريطانى اعتز بالإمام وربط بين ما قاله من دفع البلاء وما حصل  لولده،  ثم  صار يوالى إكرام الإمام وتكريمه كلما ركب البحر معه.

  • ومما  يذكر  أن  أخ  من  الإخوان، وهو صاحب تجارة مالية، جاء من بلدته ليزور الإمام ويتمتع بدروسه العلمية ثم يعود فى  نفس  اليوم.  وبعد  أن  تحقق  المراد ،  اتبع  الآداب واستــأذن  من  الإمام ،  ولكن  الإمام  طلب  منه  أن  يبيت  عنده  ويسافر  فى  الصباح. ولمسئوليات  هذا  الأخ  الكثيرة فى أعماله التجارية أعاد طلب الإذن فرفض الإمام وبات الأخ  فى  سراى  آل  العزائم ،  ولما  جاء  وقت  الضحى أذن له الإمام ودعى له بالحفظ والسلامة. ولما وصل الرجل إلى بلدته وجد فيها جريمة قتل وأنه متهم  بها،  وهنا  أدرك فى الحال أن الله قد أكرمه بتأخير الإمام له فى وصوله إلى بلدته. وفى  التحقيق  نفى  عن نفسه هذه التهمة بحجة أنه كان فى سراى آل العزائم بالقاهرة  عند  أستاذه  وشيخه  السيد محمد ماضى أبو العزائم وكان معنا (وحدد أسماء من كانوا معه  كشهود) .  ولما  تحرت النيابة فى هذا الأمر وجدته صادقاً فى كل ما قاله.

[1]  أبو الشيخ فى كتاب الثواب والمنذرى فى الترغيب والترهيب.

[2]      البخارى فى التاريخ والترمذى فى التفسير.

[3]  رواه البخارى وأحمد فى مسنده.

[4]      سورة البقرة آية 43.

[5]    سورة آل عمران آية 97. 

[6]      سورة الرعد آية 27.

[7]      سورة فاطرآية 28.

[8]      سورة آل عمران آية 73،74.

[9]      سورة الزمر آية 9.

[10]      سورة طه آية 114.

[11]  سورة الإسراء آية 85.

[12]     سورة البقرة آية 115

[13]  سورة الذاريات آية 50.

[14]   سورة الرحمن آية 1-4.

[15]   سورة البقرة آية 257.

[16]  رواه ابن عدى، وقال المناوى هو صحيح، والعجلونى فى كشف الخفاء حديث 1715، والسيوطى فى جامع الأحاديث.

[17]    أخبرنا بهاالشيخ أحمد سرور من برج البرلس سماعاً من الشيخ عرفات الجمال. 

[18]       رواه الطبرانى وأبو نعيم والعسكرى والقضاعى والبيهقى فى الشعب بلفظ : (حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء) .