التجديد الدينى فى القرن الرابع عشر الهجرى

الإمام والقصة

تاريح النشر: 05/03/2021


 

يرى الكثير من الباحثين والنقاد أن الشرق العربى هو مهد القصة ، فمصر القديمة فى نظرهم تعد المنبع الأول للقصة ، فبينما كان هذا الفن الأدبى مهملاَ فى المجتمعات الأوربية والأجنبية ، كانت الشعوب المصرية والسامية فى عهود ما قبل التاريخ تتميز بوفرة الإنتاج القصصى .

ومما يؤيد ذلك الرأى قصة " إيزيس وأزوريس " التى تجسد الصراع بين الخير والشر وهى من الأساطير الفرعونية القديمة اتى تجاوزت الآفاق وعرفها العالم .

فكان لقدامى المصرين قصب السبق فى تجسيد تلك المعانى فى أعمالهم الأدبية . كذلك عرف البابليون والأشوريون القصة حيث نقل عنهم بعض الساطير مثل " برج بابل ".

أما العرب قبل الإسلام فقد كان لهم فنونهم القصصية النابعة من بيئتهم ، والمصورة لحياتهم ومغامراتهم وبطولاتهم مثل " سيرة عنترة "، التى تعد من أهم السير العربية وأشهرها .

القصة فى العصر الإسلامى :

ثم جاء الإسلام بالقرآن الكريم ، الذى قص علينا أحسن القصص . والحقيقة أنه قصص رائع ، أتقنت أحداثه وحبكته . ويشير المولى سبحانه وتعالى إلى ذلك فى سورة يوسف بقوله تعالى : ( نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين).[1]

ولقد ذكر القرآن الكريم العديد من القصص مثل : قصة سيدنا يوسف ، وأهل الكهف ، وسيدنا سليمان ، وسيدنا موسى ، وملكة سبأ ، وغيرها من القصص . ويرى الباحثون المتخصصون أن القرآن الكريم قد جمع المذاهب المختلفة فى الفن القصصى ، والتى يتشدق بها نقاد الغرب ، ويزعمون أنها تجارتهم التى صدروها إلى الأمم الأخرى ، وأخذها عنهم الأدباء فى العالم العربى .

فللقصص القرآنى قصب السبق فى تحديد معالم الكثير من المذاهب الأدبية .

ففى القصص القرآنى نلمس خصائص وسمات المدارس الكلاسيكية والرومانسية والواقعية والرمزية .

فالقصص القرآنى يتسم بفطامية الشخصيات ، فأبطاله من الأنبياء والرسل والملوك ، وهذه سمة المدرسة الكلاسيكية . والقصص القرآنى يتميز بتطور الشخصية ونموها ، وهذه خاصية من خصائص المدرسة الرومانسية . والقصص القرآنى يجمع بين أحداثه لونين من المستوى فى ، المعنى ، ونغنى بهما عالم الواقع الملموس ، ومستوى عالم ما وراء الواقع ، وازدواجية المعنى من سمات المدرسة الرمزية . والقصص القرآنى يهدف بالدرجة الأولى إلى الحياة الكريمة للشعوب ، وهذه خاصية من خصائص المدرسة الواقعية .

 

أما فى العصر الأموى فقد اشتهرت بعض القصص مثل روايات كتاب الأغانى للأصفهانى .. وكذلك تفجرت ينابيع أخرى فى العصر العباسى بعضها مترجم مثل " قصة كليلة ودمنة " التى ترجمها " ابن المقفع " عن اللغة البهلوية .

وفى ميدان التأليف ، كتب الجاحظ " الخلاء " بأسلوب يجمع بعض خصائص القصة ، ومن أهمها خاصية الحكاية .. وكذلك اشتهرت قصص " ألف ليلة وليلة " ، التى تمثل سفراَ عظيماَ جمع العديد من فنون القصص .

فن القصة فى العصر الحديث :

قال بعض الباحثين : أن فن القصة فى العالم العربى فى العصر الحديث فن مستحدث ، نقلته إلينا الترجمة والاتصال بالآداب الغربية ، ويدللون على ذلك بأن معظم من كتبوا القصة العربية فى العصر الحديث كانوا متأثرين أو ناقلين مقتبسين للقصة الغربية . ورد عليهم باحثون آخرون ببيان أثر الأدب الغربى وخاصة أدب القصة على الآداب الغربية ، وعقد بعض الباحثين دراسة مقارنة لبعض الأعمال القصصية العربية وتأثيرها فى الآداب الأوربية مثل ألف ليلة ولية والمقامات ، وقصة حى بنى يقظان وغيرها .

وتنقسم القصة إلى نوعين هما : القصة القصيرة والقصة الروائية .

  1. القصة القصيرة

قرر بعض الدارسين على سبيل الجزم أن القصة القصيرة بصورتها الفنية فى الأدب الحديث ، قد أخذت عن أدب الغرب ، ولم تنحدر من التراث أو تتطور عن فن عربى مشابه . والذى دعاهم إلى ذلك الرأى هو أن كتاب القصة القصيرة فى عالمنا العربى كانوا من ذوى الثقافة الأدبية وكان أوائلهم بصفة خاصة على صلة قوية بالأدب القصصى الفرنسى أمثال :" محمد تيمور – عيسى عبيد – شحاته عبيد – محمود تيمور ... إلخ " حيث استلهم هؤلاء أدب القصاص الفرنسيين أمثال : " موبا سان – بلزاك – زولا " وهاهو محمود تيمور يعبر عن شغفة وفتنته بالقصاص الفرنسى " موباسان " فيقول : " ما كدت أقرأ له حتى فتنت به ، ومازلت محتفظاَ لموبا سان بالمكان الأول فى نفسى ، فهو عندى زعيم الأقصوصة الأكبر " ، حيث فتن به هو وشقيقه محمد تيمور اللذين اعتبرا أن مولد القصة القصيرة بصورتها الفنية كان على يديه حين أذاع قصته " فى القطار " سنة 1917م .

وإن كان لنا رأى آخر سنبينه بعد قليل .

وذكر الباحثون أيضاَ : أن هناك محاولات غير كاملة سبقت ذلك فى مجال القصة القصيرة على يد كل من " عبد الله النديم – خليل مطران – منصور فهمى – المويلحى – المنفلوطى .. إلخ ".

خصائص القصة القصيرة :

تتميز القصة القصيرة عن الرواية بأنها تنحصر فى موقف محدد ، أو تصور لحظة معينة ، ينفعل بها الكاتب ، ويعبر عنها فى حادث موحد . فالموقف هو الموضوع الغالب على القصة القصيرة ، بينما رسم الشخصية هو الموضوع الغالب على الرواية . فحسب كاتب القصة القصيرة الناجحة أنه هو الذى يصور الفكرة الواحدة فى قصته ، لا مجموعة من الأفكار مهما يكن بينها من ارتباط كما هو الشأن فى القصة الطويلة ، فالقصة القصيرة تفضل أقل عدد ممكن من الشخصيات  خلافاَ للرواية حيث يكثر الأشخاص. ونستطيع أن نجمل خصائص القصة القصيرة فى كلمتين : الوحدة والتركيز ، فالوحدة : فى الحادث والغرض والموقف . والتركيز : يكون فى كل شئ ، وهو أهم مميز للقصة القصيرة .

الإمام المجدد أبو العزائم عميد الأدب الإسلامى :

لقد أثبتت الرسائل العلمية من " ماجستير – دكتوراة " التى أخذت فى أدب الإمام المجدد أبى العزائم رضى الله عنه ذلك ، وسوف تسهم الدراسات المتتالية فى أدبه فى تدعيم ذلك الرأى وتأكيده .

فالإمام المجدد السيد محمد ماضى أبو العزائم له نظرياته الأدبية الجديدة ، وله إسهاماته الشاملة فى كل مجالات الأدب العربى الإسلامى ، والتى سبق بها جميع من عاصروه من الأدباء والمفكرين " من شعراء – قصاص – بلغاء – مسرحيين وغيرهم ".

وللإمام المجدد رضى الله عنه رأى خاص وجديد فى مفهوم الأدب والأديب يقول فيه : (( لا أستطيع أن أقول أن ابنى أديب أومؤدب لمجرد أنه حفظ المنظوم والمنثور والبلاغة من كلام الغرب ، فالقرآن الكريم قد تحدى بلاغتهم فشهدوا بأنه مغدق ، وأنه ليس بقول البشر . ولكن الأديب حقاَ من تأدب بآداب القرآن وتخلق بأخلاقه ، واقتدى برسوله ، واهتدى بخلفائه ، وزكى نفسه ، وطهر قلبه ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال : ( أدبنى ربى فأحسن تأديبى )[2] هذا هو الأدب وهذا هو الأديب بحق .

ولقد سرت هذه النظرية فى كل ادب الإمام المجدد أبى العزائم " نثراَ ونظماَ " وفى كافة الفنون الأدبية التى قدمها " من مسرح – قصة – مواجيد – شعر صوفى " . والإمام المجدد سبق غيره فى مجال المسرح والقصة والمواجيد النظمية ..

ففى مجال المسرح .. أملى الإمام المجدد مسرحية محكمة الصلح الكبرى سنة 1919 م تلك المسرحية التى تناولها رسالة دكتوارة قدمت لجامعة الأزهر بعنوان " النثر الصوفى عند كتاب مصر المحدثين من 1900-1940" فذكرت أن هذه المسرحية أعظم ما كتب فى النثر الصوفى منذ كتبت اللغة العربية إلى الآن .

والإمام المجدد أبو العزائم رائد القصة القصيرة فى عالمنا العربى الإسلامى بلا ريب وها هى مجموعة قصصه القصيرة بذلك .. فلقد سبق الإمام المجدد الأخرين من كتاب القصة القصيرة زمنياَ حيث بدأ فى نشر هذه القصص بمجلة " السعادة الأبدية " التى كان يصدرها منذ عام " 1900 إلى 1915م " . ولو أن الباحثين والدارسين بذلو مزيداَ من البحث والدراسة ، واطلعوا على قصص الإمام المجدد والتى نقدم نماذج منها بين دفتى هذا الكتاب لشهدوا بذلك . فهو رضى الله عنه قد سبق زمنياَ كل من يسمى برواد أو كتاب القصة القصيرة الذين ذكرناهم آنفا .

ثم تميز الإمام المجدد أبو العزائم بشئ هام ، وهو عدم تأثره بالنهج الغربى فى القصة القصيرة ، كما تأثر غيره . لأنه المجدد .. والمجدد يؤثر ولا يتأثر .. بغير ولا يتغير فهو المنوط به أن يجدد للأمة أمر دينها كما جاء بنص الحديث الشريف ، وهو رضى الله عنه يؤكد ذلك المبدأ صراحة فى كتابه (( النور المبين لعلوم اليقين ونيل السعادتين )) ص 126 فيقول : ( لقد رأيت أكثر أهل زمانى هذا قد تركوا آداب الدين وفضائله وراء ظهورهم ، وعلوم العلماء المدونة فى كتبهم هجروها ، والتفتوا إلى القشور التى وضعها الفرنج مما نسخوه أو مسخوه من كتب سلفنا الصالح ، ورأيت إعجاب أهل زمانى بآداب بنى الأصفر وشعرهم وعلومهم ، ولو أنهم اطلعوا على علوم آبائهم وآداب آسلافهم وحكمة أجدادهم ، والكنوز الخفية التى كنزها لنا إخواننا الذين سبقونا بالإيمان لميزوا بين الثرى والثريا ، وبين الحق والباطل .

فالإمام المجدد جامعة إسلامية شاملة وكاملة ووسطية وتجديدية وعالمية .. فدوره أن يستنبط من القرآن والسنة الدواء والعلاج المناسب لروح العصر .

ونقدم للقارئ المسلم ، بل نقدم للإنسان أينما كان ، مجموعة من القصص القصيرة التى تعالج الكثير من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها بمنهج إسلامى راق ، وبفكر وذوق أدبى رائع ، جمع فيه كل المدارس الأدبية فى هذا المجال ، بل وسبق فيه .

وفيه اتجه الإمام للأسلوب الرمزى للتعبير فى عرض هذه المشكلات والأزمات وحلولها من خلال هذه المجموعة من القصص القصيرة .. والإمام المجدد يعتبر هذه القصص دروس عامة لضرب الأمثلة للحقيقة ، تلك الأمثلة التى كانت تنفذ إلى سويداء القلوب ، ويحدب عليها الخيال فلا تغيب عن بال . مُثل كانت له رضى الله عنه فى قالب روائى لا تغيب عن الذهن ، ولا يعقبها النسيان ، ولا يتطرق إليها الوهن .

ونسوق مثالاَ من هذه القصص القصيرة [3]:

السياسى والحكيم والغشيم

السياسة : تدبير المنزل والمدن والمملكة ، مأخوذة من ساس يسوس سياسة ، أى أصلح إدارة المنزل أو المدينة أو المملكة ، لجلب المنافع ودفع المضرات ، مع رعاية الرحمة العامة بالمجتمع الإنسانى .

فإن خرجت السياسة عن أصلها ، كانت ظلما وجوراَ وكيداَ ، ومثال السياسة الحقة ما فعله الصديق يوسف عليه السلام مع إخوته ، من أخذ أخيه منهم لينالوا الخير العام فى المستقبل . وعمل تلك التدابير لنيل الخير مع الإخلاص سياسة ، وقد مدحه الله عليها فقال : ( وفوق كل ذى علم عليم ) [4].

وأما ما يسميه الناس الآن سياسة فهو كسياسة القط مع الفأر ، أعاذنا الله وإخواننا منها .

الحكمة : هى وضع الشئ فى محله ، واستعمال كل شئ فيما وضع له ، مع رعاية الشريعة المطهرة .

الغشم، التسليم من غير روية ولا نظر .

الغشيم ، بين أبنائه وحفدته وأقاربه ، فى مزارعه ومصانعه وأسواق تجارته ، فى هناء وصفاء .

السياسى ، نظر إلى نفسه وأبنائه وأقاربه نظرة إعجاب ، فكره أن يعملوا عملاَ نافعاَ لغيرهم ، وأحب أن يتسيطر بالقوة القاهرة على الغشيم ومن معه ، وكان عند الغشيم رجل حكيم .

السياسى ، جمع الجيش وهجم على الغشيم .

الحكيم ، رأى الغشيم خرج من غير تدبير ليقابل السياسى فمنعه وقال : دعهم يدخلون البلاد واجمع قومك وأعد العدة حتى إذا فرحوا بالنصرة وملكوا بعض القرى أمكنك أن تحصن قومك وبلادك ، وترسم طريقة حكيمة تستأصل بها هذا الجيش الظالم .

الغشيم ، سلم له وأقامه إماماَ .

الحكيم ، أمر بإخلاء القرى أمام العدو .

السياسى ، تيقن النصرة وأمن جانب الغشيم .

الحكيم ، أنزل قومه فى مكان محصن ، ثم أمر بالسلاح فحمل وأقام أهل الرأى قواداَ ، وأمرهم بالصبر حتى يصدر أمره ، ورسم المناورة بروية ، فأرسل قسماَ خلف جيش السياسى من طريق مجهول ، وأبقى قسماَ داخل البلد ، وجعل قسماَ جناحاَ أيمن ، وقسماَ جناحاَ أيسر ، ثم أرسل الطلائع وأمرهم بالهزيمة أمام الجيش .

السياسى ، فرح جداَ وأمر الجيش بالتقدم من غير روية ، معتقداَ أنه تمكن من عدوه ، فأبعد فى داخل البلاد ، معتقداَ تحصيل ضروريات الجيش من البلاد ، فتفرق جيشه من  السرعة والبطء فرحاَ بالغنائم .

الحكيم ، انتهز تلك الفرصة ، وأمر الجناحين والقسم الذى خلف العدو أن يلتقوا فى نقطة كذا .

السياسى ، لم يشعر إلا وقد أحاطت به الجنود فلم يجد له نجاة إلا بالهزيمة أمامه ، معتقداَ عدم القوة الاحتياطية ، فهلك أكثر جيشه ، ولما أن وصل إلى داخل البلاد ، قابله الجيش الاحتياطى فأسر البقية ، وبعد ذلك اصطلحوا على شروط مخصوصة .

الغشيم ، علم أن هذا الفوز باتباع الحكيم ، فأمر قومه أن يحافظوا على أوامر الحكيم ليدوم لهم الملك والمجد .

السياسى ، رجع حزينا واعتقد أن الغشيم مادام مقتدياَ بهذا الحكيم لا يمكن أن يتمكن منه ، فجمع قومه وطلب أن يكيدوا معه للغشيم كيداَ يخرجونه عن اتباع الحكيم ، ليتمكنوا منه ، ويجعلوا الجميع عبيداَ له ، فحضر معه إبليس فى صورة إنسان ، وقال : الرأى عندى أن ترسلوا لهم ما يفسد عقولهم ، ويضر صحتهم ، ويضيع أموالهم ، وبذلك يخالفون الحكيم فنملكهم . فسألوه : ما هى تلك الأشياء ؟ وما الطريق فى انتشارها بينهم ؟ فقال : أما ما يزيل العقل فالخمر والحشيش والبنج .

وأما ما يفسد الصحة فالعاهرات خصوصاَ المريضات بالزهرى ، وأما ما يضيع المال فانتشار الربا ، ولهذه الأشياء رابع لابد منه ، وهو التفرقة بينهم .

السياسى ، ( سأله ) من أنت ؟.

إبليس : أنا العدو اللدود للغشيم .

السياسى : لم عاديته ؟

إبليس : إنه أطاع عدوى الحكيم ، فأمره بالمخالفة بعد أن كانوا جميعاَ عبيداَ لى .

السياسى : كيف نتمكن من انتشار تلك المفاسد بينهم ؟.

إبليس : ترسل أولاَ تلك المفاسد إلى كبرائهم ، فإذا تمكنوا من الكبراء قلدهم الأتباع ، والأمير إذا فعل قبيحاَ لا ينكر عليه ، ولا يقدر أن يمنع من ارتكبه .

السياسى ، أرسل تلك الأنواع المضرة فى طريق الخفاء ، فأرسل نساء عاهرات بآلات الطرب ومعهن الخمر إلى الحكام ، فانتشرت تلك المضار بسرعة حتى تناسى الناس وصايا الحكيم .

السياسى ، أرسل رجالاَ من أهل الخبث يحملون تلك الأشياء فى الأسواق لتباع علناَ ، بعد أن يقدم كل واحد منهم هدية لحاكم المدينة التى يحل فيها ، ويتردد عليه صباح مساء ليعلم أهل المدينة أنه محسوب الحاكم .

آثار الحكيم ، كان فى المدينة تلاميذ للحكيم ، فصاحوا صيحة النصيحة ، فأصغى إليهم أهل التسليم وقالوا : هذا يخالف وصايا الحكيم فيجب مصادرته ورد الحاملين له .

وفود السياسى ، الحاملون للشرور – أسرع كل واحد منهم إلى الحاكم فى مدينته ، وقالوا له : كيف يصفو لك الملك وفى المدينة حزب يسعى فى سلب الملك ويعصب عليك قومك ؟! فتدارك الأمر واقتلهم شر قتله .

الغشيم ، قبل منهم الكلام ، وعظم عليه الأمر ، فأرسل للحكام المشتركين معه فى حب تلك المضار ، أن يسجنوا من تظاهر ضد الرؤساء ، فقبضوا على تلاميذ الحكيم واعتقلوهم .

وفود السياسى ، تمكنوا من القوم فأزالوا عقولهم ، وأضروا أبدانهم ، وأضاعوا أموالهم وعقاراتهم ، حتى بلغ من جنونهم أنهم اعتقدوا أن السياسى ورجاله أرحم بهم من والديهم .

الغشيم وقومه ، تفرقوا حتى صاروا يمدحون السياسى بما قام به لهم من المصالح واًلإصلاح ، ويذم بعضهم بعضاَ وهم فى هاوية الذل لا يشعرون بمكايد السياسة .

السياسى ، لم يرض بإفساد العقول ، ولا بضعف الأجسام ، ولا بتحصيل الأموال ، ولكنه سعى لمحو الدين والأخلاق ، فجمع العقلاء لهذا الغرض ، فجاء إبليس وجلس معه ، فرجعوا إليه ، فأمرهم بأن يبذلوا المال للغشماء الجهلاء من أعدائهم ، ويخرجوهم من الدين ، ويجعلوهم آلة فى ذم دينهم بين قومهم ومدح غيره ، ويظهروا أن الذى يخرج من الدين ينال المال الكثير والجاه ، ثم نشروا بين القوم زخارف الأباطيل ، وأكاذيب الأضاليل ، وأظهروا أنفسهم بأنهم رحماء بالحيوانات وبالمرضى ، ليسلبوا عقول البسطاء بغرورهم ، فتمكنوا من إضلال رجال من أهل دينهم ، فادعوا أنهم من دين الأمة وأنهم ارتدوا عنه ، ونشروا المفاسد والكاذيب فلم يرق ذلك عند الأمة ، ولكنهم لما أصابهم من ضرر المفاسد المنتشرة بينهم ، لم يتمكنوا من دفع هذا الشر ، لأن السياسى استولى على الأسلحة والأمتعة .

القوى القهار خالق السموات والأرض غضب على السياسى وقومه ، لأنه لم يرضه أن يقهروا عباده ، ويفسدوا بلاده ، بل قاموا فكذبوه ، وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم ، فغار لدينه غيرة منتقم قهار ، فأوقع نار الحرب الانتقامية بينهم ، ونظر إلى عباده نظرة حنان ، وأيقظ قلوبهم إلى وصايا الحكيم .

الغشيم ، تذكر مجده وملكه ، وبحث بروية كيف نال هذا الملك ، وبأى شئ سلب منه ؟!. فتحقق أنه ماقهر السياسى قومه وتسلط عليه إلا يإهمال المحافظة على وصايا الحكيم ، ومازال مجده وملكه وسلطانه إلا بترك وصايا الحكيم ، فأطلق تلاميذ الحكيم من السجون ، وجلس بين أيديهم ذليلاَ يبكى ويتوب إلى الله ، طلب منهم أن يغيروا كل ما خالف وصايا الحكيم ، وأن يعيدوا الأمر إلى الماضى الذى وضعه الحكيم ، فعرضوا كل شئ فى المملكة على القرآن والسنة ، ومحوا أنواع الشرور كلها ، وقامت الأمة من نومة الغفلة ورقدة الجهالة .

السياسى ، جمع عقلاء جميع مملكته ليتدارك الأمر ، فجاء إبليس فقالوا : ماذا ترى ؟ فقال :

لا رأى لى ، أعداؤكم رجعوا إلى القوى القهار ، الحكم العدل ، الذى يهب الملك لمن يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذل من يشاء ، ولطم على وجهه ، ونتف لحيته ، وفر يدعو بالويل والثبور .

تلاميذ الحكيم انتشروا بين قومهم فقام فى كل بلد حكيم أو صورة للحكيم ، وكأن لسان حال الأمة ينادى :

إنا لنرخص يوم الروع انفسنا

وإن نسام بها فى الأمن أغلينا

إن تبتدر غاية  يوما  لمكرمة

تلق  السوابق  منا  والمصلينا

وصار كل فرد منهم هو المعنى بقول الشاعر :

ويارب  يوم  ذوب  الغش   ناره

فلم  يبق  إلا صارم أو ضارم

وقفت وما فى الموت شك لواقف

كأنك فى جفن الردى وهو نائم

تمر  بك  الأبطال  كلمى هزيمة

ووجهك وضاح  وثغرك باسم

وصار كل فرد منهم حكيماَ ؛ لأنه اتبع الحكيم الأكبر صلى الله عليه وسلم ، فاستخلفهم الله فى الأرض ، ومكن لهم دينهم الذى ارتضى لهم ، فساسوا العالم أجمع بالعدل والرحمة ، ومحا الله الظلم وأهله ، والعاقبة للمتقين .

مواضع العبرة فى القصة :

يشخص الإمام رضى الله عنه أزمة الأمة الإسلامية تشخيصاَ شاملاَ دقيقاَ وكاملاَ ، فالسياسى رمز لأعداء الإسلام الصهاينة والصليبيين ، والحكيم رمز للعالم الربانى والعارف الروحانى والوارث المحمدى الذى يجدد للأمة أمر دينها ، والغشيم رمز لحكام السوء ، ويثبت الإمام أنه لا علاج لهذه الأمة إلا بالتلقى من الحكيم إن أرادت عودة مجدها ودوام عزها .

 2- القصة الروائية

بمناسبة انتهاء الحرب العالمية الأولى التى قامت سنة 1914م واستمرت مشتعلة ما يزيد على أربع سنوات بين إنجلترا وحلفائها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وإيطاليا وغيرها ، وبين ألمانيا والنمسا والمجر وبلغاريا وتركيا ، وانتهت بهزيمة ألمانيا وحلفائها ، معاهدات صلح فرضت على الدول الخمس المنهزمة ، وهى معاهدة فرساى مع ألمانيا فى 28 /6/1919م ، ومعاهدة سان جرمان مع النمسا فى 10/9/1919، ومعاهدة نوبى مع بلغاريا فى 28/6/1919، ومعاهدة تريانون مع المجر فى 4/6/1920، ومعاهدة سيفر مع تركيا فى أغسطس 1920، وقد استبدلت هذه المعاهدة بمعاهدة لوزان فى 24/7/1923.

وعقد العالم على مؤتمرالصلح هذا آمالاَ كباراَ ، وخيل إليه أنه فاتحة عهد سلام ووئام دائم بين الشعوب ، ولكن الإمام أبا العزائم قال إن مؤتمر الصلح هذا ومعاهداته ، إنما أريد به تعديل خريطة أوربا والشرق العربى السياسية ، وذلك لأن روح التكالب على المصالح والمنافع وحب السيطرة والتوسع ، كان هو هدف هذه الدول ، وعليه فقد وزعت الممتلكات الألمانية على الدول الكبرى عن طريق نظام الانتداب ، الذى استحدثه مؤتمر الصلح ليطلى به الاستعمار بطلاء جديد ، يخفف من اصطدامه بالشعور الوطنى لشعوب هذه الممتلكات .

فالصلح لا يقوم إلا على دعائم من تخلى أطرافه عن الصفات المذمومة الشريرة ، وتحلى أطرافه بصفات محمودة خيرة ، فياضة بمشاعر الصدق والإخلاص والمحبة .

ومن ثم أملى الإمام رضى الله عنه رواية (( محكمة الصلح الكبرى )) ليقول لهؤلاء المؤتمرين فى مؤتمر الصلح بباريس ، إن الدولة هى مجموعة من الأفراد يقيمون بصفة دائمة فى إقليم معين ، وتسيطر عليهم هيئة حاكمة ذات سيادة . فإذا كانت مجموعة الأفراد هذه تميل بفطرتها إلى الشر واتباع الهوى والشهوات والعدوان والكراهية ، والثورة والتمرد والرعونة والحمق والاندفاع ، وتسلطت هذه الآفات على الشخصية الإنسانية ، فقادتها إلى الانحراف ، واندفعت بها إلى طريق الغواية والضلال ، وبذلك تكون الدولة التى هى مجموعة من هؤلاء الأفراد ، دولة تخرق المواثيق والمعاهدات ، وتمزق النظم ، وتدمر القيم ، وتسحق الأنظمة التى تخالفها وتقضى على الدول الصغيرة .

 وتبدأ رواية (( محكمة الصلح الكبرى )) بلقاء بين (( الخيال )) المتجرد من كثافة الظلال وهو مرآة المحسوسات ، وبين ((الوهم )) بلا محيطات وهو مرآة المعنويات ، وأخذ ((الوهم)) يبين (( للخيال )) عناءه مما شغله به الإنسان ، من هجر للشريعة  وارتكاب ما يخالفها ، فإذا بالخيال يبادره نفس الشكوى ، ثم يتوجهان سوياَ إلى (( العقل )) ويعرضان عليه الحال ليهتديا إلى حسن المآل ، فنصحهما ((العقل )) برفع هذه المظلمة إلى (( محكمة الصلح الكبرى)) .. وبدأ الإنسان المتجرد بإملاء صحيفة افتتاح الدعوى .

ونظرت الدعوى فعلاَ أمام (( محكمة الصلح الكبرى )) التى شكلت هيئتها من رئيس المحكمة (( العدل )) وعضوية كل من ((القسط والعلم والهدى والتوفيق )) وكاتب الجلسة ((أمين )).

ومثل أمام المحكمة المدعون وهم العقل والفكر والروية والعفة والشجاعة والكرم والعدالة والنور والعزة والرحمة والنطق والخشية والحكمة . كما مثل أمام المحكمة المتهمون وهم : النفس السبعية والنفس البهيمية والتهور والشهوة والجبن والبخل والغدر والحس والضيم والقسوة والجسم والتيه والحماقة .

 وتقف كل نفس من هذه النفوس تبدى أوجه دفاعها بالحجج والبراهين ، وبعد ثلاث جلسات من الاستماع إلى المرافعة ومواجهة بين الخصوم كل منهم للآخر ، تصافحت النفوس المتصارعة فى الإنسان ، واصطلحت أمام هيئة المحكمة وجاء عقد الصلح يتضمن البنود الآتية :

أولاَ : أن تسارع النفوس إلى القيام بما أمرها الله به سبحانه بقدر الاستطاعة ، وأن تترك ما نهاها الله عنه جملة واحدة .

ثانياَ : أن تجاهد النفوس ذواتها فى الله حتى تطيع المنعم الجواد لتفوز برضاه .

ثالثاَ : أن تحب النفوس الآخرة ، لأن الله مدحها ورغبنا فيها ، وتكره الدنيا لأن الله ذمها وكرهنا فيها .

رابعاَ : أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حباَ يجعلنا نتشبه به فنحيى سنته ونصونها من التغيير والتبديل .

وقد تأشر على عقد الصلح هذا من رئيس المحكمة وحكمت المحكمة بإلحاق عقد الصلح بمحضر الجلسة وإثبات محتواه فيه بما ينهى المنازعة .

وبذلك يبين من فصول هذه الرواية ، أن الشر والرذيلة ليست من فطر الإنسان ، وإنما ينشأ كل ذلك من اختلال التوازن بين غرائزه ، ومن العوامل الخارجية التى تنحرف بهذه الغرائز عن أهدافها الفاضلة ، وذلك ما يدلنا عليه قوله تعالى : ( فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) [5] فالفطرة هى الدين القيم وذلك ما يدلنا عليه أيضاَ قول الرسول صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل فى الحديث اللقدسى : [ كل عبادي خلق حنفاء فاجتالتهم الشياطين ، وأمروهم أن يشركوا بى غيرى ] وقوله أيضاَ : ( ما من مولود إلا ويولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) [6].

 وعليه فإنه من الممكن القضاء على انحراف النفوس وعودة الإنسان بعد عناء وطول مجاهدة إلى الصراط المستقيم والخلق الفاضل .

وفى رسالة الدكتوراه التى نوقشت بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر فرع الزقازيق 1411هـ - 1991م للدكتور أحمد يسرى العزباوى بعنوان (( النثر الصوفى عند كتاب مصر المحدثين 1900- 1940 )) يقول :

 (( وضع الإمام أبو العزائم لقصته الروائية التى سنعرض فيما بعد فكرتها عنوان :

(( محكمة الصلح الكبرى .. حوار روائى بين مطالب الروح ، ورغائب الجسد لتزكية النفوس ، وإصلاح المجتمع )) ولقد حدد الإمام رضى الله عنه من خلال العنوان المصطلح الفنى الذى يمكن إطلاقه على هذا النمط من النثر ، كما حدد الهدف الذى دفعه إلى الكتابة فى هذا الموضوع بهذا الشكل الفنى .

وأنسب المصطلحات الفنية لهذا العمل القصصي أنه (( قصة روائية )) كما قصد إلى ذلك الإمام نفسه ، وكما أطلق عليها ذلك أيضاَ أستاذى الدكتور (( حسن جاد )) فى تقديمه لهذا العمل ، وحوار هذه القصة الروائية طريف بارع شيق ، من شأنها أن تشد الجمهور إليها لو أخرجت للتمثيل ، ويتحقق ذلك من خلال الموضوع والأشخاص والحوار المدار ، كما أنها خالية من الاستطراد ، والتعليق على الأشخاص ، والأحداث ، فليس ذلك مجاله رواية تخرج للتمثيل ، لأنها تحتاج إلى وقت محدد .

أما عن المفاجآت والصراعات التى ينبغى أن تسود الحكاية التمثيلية فإنى أراها متمثلة فى قصة الإمام أبى العزائم فيما سادها من الموضوع الجديد ، والأفكار غير المطروقة ، كما أنه جعل من المعنويات والمحسوسات أشخاصاَ تعقل وتفكر ، وتتكلم وتحاور ، وتعى ما تسمع ، وذلك مثل الوهم ، والخيال ، والفكر ، والعقل ، والتهور ، وغير ذلك .

ثم صور الإمام فى براعة الصراع بين العقل والنفس الشهوانية ، وبين الفكر والتهور ، وبين مثل الخير ومثل الشر ، وما ساد حوارهم من أفكار وصلت فى اختلافها حد التناقض ، وتلك الأفكار كانت سبباَ فى صراع الأشخاص ، لتضارب مصالحها ، وأهوائها وشهواتها ورغباتها، وما يمثله ذلك من صراع بين الخير والشر .

على أن جودة العمل القصصى التمثيلى تأتى من قدرة الإمام رضى الله عنه على الكشف عن النفس الإنسانية ، ونوازعها وتصوير ما يدور فيها من صور الخير والشر وأسباب ذلك .. فهو يجعل من النفس الإنسانية ذاتها موضوعاَ لعمله .. يحللها ويتعرف على قواها ، ويقف على طبيعة كل قوة ، وما تؤديه لصاحبها من خير أو شر ، وما يجب على الإنسان الصوفى من معرفة هذه القوى ، وخواصها حتى لا يجعل شيئاَ يسيطر على أحاسيسه ، ومشاعره ، وجوارحه ، غير حبه لله سبحانه وتعالى وإخلاصه له ، والإقبال على ما يقربه منه تعالى .

الأشخاص فى محكمة الصلح الكبرى لأبى العزائم :

1- الوهم : مرآة المعنويات .

2- الخيال : مرآة المحسوسات .

3- الملك : هو النفس الناطقة الملكية ، ووكيلها العقل ، وهو الوزير الأول فى المملكة – والخصم النفس السبعية .

4- الفكر : هو وزير داخلية الملك ، إذ تعرض عليه الشئون الداخلية للملك ، فيميز بين نافعها ، وضارها بالحجة الجلية ، ويعرضها على مولاه وخصمه النفس الشهوانية .

5- الروية : وخصمها التهور .

6- الشجاعة : وخصمها الجبن .

7- العفة : وخصمها الشهوة .

8- الكرم : وخصمها البخل .

9- العدالة : وخصمها الغدر والضيم .

10- النور : وخصمه الحس .

11- هيئة المحكمة ويمثلها :

     أ- العدل : رئيساَ ، وعن يمينه الهدى والعلم ، وعن يساره التوفيق والرحمة .

     ب- كاتب الجلسة : أمين .

     ج- رئيس الشرطة وجنده .

فكرة محكمة الصلح وتقويمها :

يبدو الوهم – وهو مرآة المعنويات – وقد ظهر عليه الألم ، حيث يدور حوار بينه وبين الخيال – مرآة المحسوسات – عما يورده الإنسان على كليهما من المفاسد ، وألوان الضلال ، والوساوس الشيطانية . وأشدها مالا يليق بعظمة الله سبحانه، وتلك مهمة لم يخلقا من أجلها ، ومن ثم تتفق وجهة نظرهما على التوجه إلى العقل لعرضا عليه الحال باعتبار أنه ذو روية وفضل ، وأنه البرزخ الحاكم بين ملكاتهما وبين النفس ، وأنواعها .

ولا يلبث العقل هو الآخر أن يشكو من أن الحس ودواعيه قد استبعد الناس إلا قليلاَ ممن اجتباه الله بسابق حسناه ، ولذلك فقد فارقهم منذ خيرهم .

وهذا ما لا يستطيع الوهم والخيال اللجوء إليه تخلصاَ من شرور الإنسان ، وإسائته إليهما على نحو ما ورد فى شكاية كل من الوهم والخيال.

يرق العقل لحالهما ، ويلطف ، ويقول لهما : هلم بنا نرفع الأمر إلى الله تعالى ، ثم إلى أولى الأمر فى الإنسان ،  وهنا يبرز الإنسان المتجرد من بشريته ، المتخلى عن حيوانيته – بعد أن سمع نجواهم ، وفهم معناهم – ليعلن أمام الثلاثة – الوهم والخيال والعقل – أنه محب لأن ينال أبناء جنسه الخير والفلاح ، ويؤيد رأى العقل برفع القضية إلى (( العدل )) .

ونص الدعوة المرفوعة هى :

 [ بسم الله الرحمن الرحيم . والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله . أما بعد : فمن الإنسان المتجرد عن بشريته ، المتجلى عن حيوانيته ، المستعيذ بالله من نار إبليسيته ، ثم من العقل والوهم والخيال إلى (( العدل )) عمم الله به النفع ، إنا نتظلم إلى الله تعالى ، ثم إليك مما نحن فيه من ظلم الظالمين وهم إبليس والحس ، وجميع قوى النفس والسلام عليك وعلى من معك ].

      وفى هذا الموقف الدقيق فى عرض القضية ، وأخذها مسار الطريق الجاد إلى التنفيذ ، لا ينسى الإمام أبو العزائم أن يصور ما جبل عليه كل من الوهم والخيال من تردد ، ونفاق وملق ، حيث يرجوان العقل أن يستر الحال عن الخصوم لأنهما مقهوران ويخشيان الوبال ، فيأذن لهما العقل بالانصراف خوفاَ عليهما من الإتلاف ثم يتلطف للإنسان المتجرد من بشريته – هو الآخر – للانصراف .

تفتتح الجلسة الأولى باسم الحكم (( العدل )) ، وكاتب الجلسة (( أمين )) الذى ينادى على العقل (( المدعى )) ، ويدور حوار بينه ، وبين الرئيس يعبر فيه العقل عن أنه كان فى مسرات حياته الروحانية ، وملاذ أفراحه العقلية ، يسبح فى فسيح العز والفخار حتى جذبته خصومته بمقتضيات كثافتها ، ودواعى ميولها إلى سجن الشهوة الحيوانية ، والخضوع لسلطان الحظوظ البهيمية ، وهؤلاء الخصوم هم النفس السبعية ، والنفس الشهوانية ، وأنصارها ، والجسم والحس . ولا يلبث القاضى أن يأمر بإحضار الخصوم .

ويحدد الإمام أبو العزائم فى محكمة الصلح الكبرى طرفى الخصومة فى القضية ، فالطرف الأول : يمثله العقل ، وتوابعه من الفكر والروية والمنطق والعفة والشجاعة والكرم والعدالة .. والطرف الثانى : تمثله النفس السبعية ، والنفس الشهوانية ، وتوابعها من التهور والجبن والافتخار والتيه والاستهزاء والعذر والضيم .

ومن خلال الحوار المضطرم بين مختلف القوى النفسية تظهر ذاتية الإمام أبى العزائم فى تعبير ممتع عن رأيه فى بعض القضايا الفكرية ، والاجتماعية ، من وجهة النظر الصوفية ، ولكنها ليست ذاتية خالصة تفرض ما تراه هى ، وتتجاهل الرأى الآخر ، ولكنه من خلال الحوار يعرض كلا الرأيين ليحافظ على سلاسة الحوار ، والحرص عليه أن يأتى مواتياَ لطبيعة الموقف فلا نحس فيه نبواَ أو قسراَ . أو محاولة تطويعه إلى غير اتجاهه .

ثم يحتدم الصراع بين قوى الخير والشر فى النفس الإنسانية ويتعاظم الحوار ، وتعلو الأصوات وتتقارع الحجج ، وتتصاعد حدة المواجهة إلى أن يصل الموقف إلى ما يشبه العقدة فى العمل القصصى .. بعدها يأخذ شكل الانحدار الهادئ البطئ إلى ما يشبه الحل ، إلى أن ينتهى الأمر إلى اتحاد القوى المتصارعة ، ويعقد مجلس الحكم الذى يتلو فيه الرئيس ((العدل)) حيثيات الحكم التى تتسم بالإقناع والوضوح ، وقوة التأثير ثم يصدر الحكم الذى يقابل من كل النفوس والقوى بالاستحسان ، والمصافحة ، والعناق ، والاتحاد ، والائتلاف .

وقد نجح الإمام أبو العزائم فى إدارة الحوار ، وترتيبه ، وفى تحديد الهدف ، وكيفية الوصول إليه ، واستطاع من خلال هذا العمل الروائى الجديد على الأدب الصوفى أن يشرح الأفكار والمعانى الصوفية ، التى تهدف إلى معرفة النفس ، وقد اختار هذا الفن الأدبى لأن النفس تميل إليه ، وتحبه ، وتتقبله ، ومن ثم سيكون ذا أثر حسن فيها .. وقد حقق الإمام رضى الله عنه هدفه الصوفى والأدبى معاَ ، فمن يرد معارف صوفية فعليه بمطالعتها ، ومن يرد متعة أدبية فإنه واجد بغيته فى مطالعتها أيضاَ ، ومن يرد إسلاماَ ، أو أخلاقاَ ، وتهذيباَ وحكمة ، فعليه بها ففيها جماع الخير كله للإنسان ومجتمعه ، وبنى جنسه .

لماذا اتجه الإمام أبو العزائم إلى النثر القصصى ؟ وبم يقوم اتجاهه ؟

يهدف الإمام أبو العزائم من وراء كتابة هذه القصة الروائية إلى أن يتوجه بها إلى الإنسان المؤمن ، لكى يتبين عن طريقها حقيقة نفسه ليصلحها . فمن المعلوم أن الإنسان مجمع العجائب والغرائب ، والمتناقضات كلها ، ففيه من ملكات الخير ما يستطيع بها – إذا أحسن استغلالها – أن يكون الإنسان الحق الذى كرمه الله تعالى ، فخلق الكون وما فيه من أجله وسخره له ، وجعله خليفة عنه – سبحانه – فى الأرض ، وعلى النقيض من ذلك جعل الله فيه من قوى الخبث ، ونزعات الشر ما يمكن أن يكون بها – إذا لم يهذبها – من أخبث المخلوقات. ولهذا يريد الإمام أبوالعزائم أن ينبه الإنسان المؤمن إلى ما كمن فيه من هذه القوى ، وتلك .. حتى يعرف حقيقة نفسه ، ومن عرف نفسه فقد عرف ربه ، وهنا مكمن سعادة الإنسان فى دنياه وأخراه ، وسعادة أسرته ومجتمعه ، بل سعادة الإنسانية كلها .

ولهذا يصرح الإمام أبو العزائم بأنه ألف كتبه المختلفة لتحقيق ذلك ، ثم تراءى له أن يسلك فى التعبير عن هذه المعانى والدعوة إليها أسلوباَ جديداَ ، ونمطاَ حديثاَ ، تتعلق به النفس ، ويرهف إليه الحس ، ويتأثر به الوجدان ، فيقول فى مقدمة عمله الروائى (( محكمة الصلح الكبرى )) الذى أتناوله بالدراسة الآن : ( .. وبعد أن كتبت أكثر من أربعين كتاباَ ورسالة فى بيان سبل الخير ، والحث على السير عليها ، تاقت نفسى أن أنواع الدواء ، بما يناسب نيل الصفاء ، وفى الإشارة ما يغنى اللبيب ، ويسر الحبيب ) .

ونستطيع القول بأن اتجاه الإمام أبى العزائم إلى أن يعبر عما يريده من فكر ومضمون فى إطار شكل فنى أدبى هو النثر القصصى الروائى الصوفى – كان اتجاهاَ مقصوداَ وهدفاَ سامياَ ، سعى إليه لكى يحقق ما يصبو إليه من إبراز مشاعره وأحاسيسه نحو ما يعتمل فى صدره من فكر صوفى ، يؤدى به واجبه ، ويرضى ضميره ، إنه اختار الوعاء الغنى القادر على تحقيق ما يريد .

وفى ذلك تقدير منه للفن الأدبى عامة ، والنثر القصصى خاصة ، وكذلك نراه يمازج فى روايته بين النثر والمواجيد أحياناَ ، فلعل النفس تتأثر بهذه الممازجة أسرع وأعمق ، فهولاء الإمام أبى العزائم للتأثير النفسى والوصول إلى الإقناع وعمقه كان أسبق من غيره عناية منه ، ولذلك نلمح عناصر الجذب والتأثير والإقناع قد استوفت عناصرها .

وفى ذلك يتحقق الهدف الأدبى النبيل الذى يستحق به النتاج الأدبى أن يحلل ،ويدرس على عمل مشترك بين الصوفية و الأدب ،استحقت به الصوفية الحديثة أن تتيه به على عصور الأدب الصوفى .

ويحق لى أن أقول – فى حدود عملى – أن الإمام أبا العزائم بهذا العمل يعد أول من أدخل هذا الفن الأدبى فى عالم الأدب الصوفى من اول نشأته فى لغتنا العربية حتى اليوم .وأن ذلك يعد مظهراَ من مظاهر التجديد فى الأدب الصوفى .

      إن الإمام أبا العزائم بتأليفه هذه القصة إنما كان مرآة صافية صادقة لمجتمعه عكست قضاياه . ومشاكله ، وطموحاته . ولم يكن ذلك مقصوراَ على مجتمعه المحلى الذى يعيش فيه ، وإنما تعداه إلى المجتمع العربى والإسلامى ، والإنسانى قاطبة .

وهكذا اتصل الإمام أبو العزائم بأمته ، ومجتمعه ، وهكذا استمد منها العون و القوة ، وهكذا استلهمها آمالها ، وآلامها ، واسباب سعاتها ، وشقائها . وإن أى إصلاح سياسى ، أو اجتماعى ،أو اقتصادى ، أو فكرى : فردى أو قومى ، أو اسلامى ، أو انسانى لا يمكن أن يبدأ بداية صحيحة ، ويتجه اتجاهاَ سلمياَ ، مثمراَ نعيد ما بدأ به الإمام  أبو العزائم ، ولا يمكن أن يتم أو ينتهى نهاية ناجحة إلا إذا بدأ هذه البداية العزمية [7].

 


[1]  سورة يوسف آية 3 .

[2]   روى عن سيدنا على بن أبى طالب ، وجزم به ابن الأثير فى مقدمة النهاية  ، وقال ابن حجر : إنه غريب  ولكن معناه صحيح ، وذكره ابن السمعانى فى أدب الإملاء عن ابن مسعود ، والسيوطى فى الجامع الصغير

[3]  راجع كتاب ( دروس فى قصص ) للإمام أبو العزائم رضى الله عنه .

[4]   سورة  يوسف آية 76 .

[5]  سورة الروم آية30 .

[6]  البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى وأحمد ومالك فى الموطأ والسيوطى فى الجامع الصغير .

[7]  راجع أصل الرسالة ص 267 وما بعدها .