حياة الامام

منهج الإمام أبو العزائم فى الدعاء

الدعاء منهج الصالحين ودرب السالكين ، ونور اليقين ، وسلاح المؤمنين ، وسراج منير للمتقين ، وقرة عين القانتين ، وراح طهور للعاشقين ، يجد فيه أهل الإيمان لذتهم وانشراح صدرهم .

الدعاء هو لسان المناجاة للعارفين ، ونور الإيمان وبرهان الصدق على ذل العبودية للصادقين . فهو يعبر عن احتياج العبد وفقره وذله ومسكنته ودوام اتصاله بربه سبحانه القريب الذى يسمع كل دعاء العليم الذى لا تخفى عليه الأحوال . والله تعالى هو الجواد الواسع الذى بشر الداعين من أمة سيد المرسلين بإجابة دعاءهم فقال : ( وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) [1]وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من رجل يدعو بدعاء إلا استجيب له ، فإما أن يعجل له فى الدنيا وإما أن يؤخر له فى الآخرة ، وإما أن يكفر من ذنوبه ما دعا ، مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل ، يقول دعوت ربى فما استجاب لى ))  [2] ويقول صلى الله عليه وسلم : (( إن الله تعالى حيى كريم يستحى إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراَ خائبتين )) [3] .

ومما تميز به الإمام أبو العزائم رضى الله عنه وأثر عنه كثرة الأوراد والأدعية والابتهالات والاستغاثات والأحزاب وذلك عملاَ منه رضى الله عنه بقوله تعالى : ( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاَ وطمعاَ ومما رزقناهم ينفقون ) [4] وقوله تعالى :

 ( ادعوا ربكم تضرعاَ وخفية إنه لا يحب المعتدين ) [5] وليقينه رضى الله عنه أن الدعاء طريقه إلى رحمة الله ورضوانه ينفع مما نزل ومما لم ينزل يقول رضى الله عنه :

من  يجيب   المضطر   إن    ناداه           ويلبى  المحتاج   حال  دعاه

من   أنيس   القلوب   حال  صفاها           قال   كل الوجود   ذاك  الله

وإذا كان البعض يكتفى فى الدعاء بالنطق بألفاظ الدعاء فى أوقات محددة ، أو يكتفى بالعلم أن الدعاء وسيلة لجلب الخير ودفع الشر عنه من ناحية ، وإيقاع العذاب والغضب على الخصوم من وجهة أخرى، فهو لا يلجأ إلى الدعاء إلا عند الحاجة أو يعتبر الدعاء دواء يتناوله عند نزول الحاجة من ضيق أو شدة فلا يلجأ إليه إلا حين تعدم الوسائل أو يفتقر إلى الحيلة . فإن الإمام أبى العزائم رضى الله عنه يتخذ من الدعاء منهجاَ سامياَ للتعلق بأستار الهيبة والجمال والجلال الإلهى وميزاباَ لاستدرار فيض فضل الله مدراراَ . وسبباَ للتحبب والتودد إلى الله والتملق إلى جنابه العلى هيماناَ بلذة الخطاب واستشرافاَ لأنوار المناجاة الإلهية وفرحاَ بلباس العبودية وتاج الذل لرب البرية سبحانه . فترجم عن هذا الحال فى دعاء يفيض بإحساس وجدانى عميق ، وانفعال نفسى ، وتعلق قلبى وثقة وإخلاص ويقين ، وفرح بإقامة الله له ضارعاَ متبتلاَ خاشاَ ذليلاَ بين يديه مسروراَ لسوابق الأقدار وعناية الله الذى ناداه من جانب طور قلبه الأيمن وقربه نجياَ يخاطبه ويتلذذ بتضرعه لا يمل ولا يكل .

نلمس ذلك كله من خلال منهجه فى الدعاء الذى يتمثل فيما يلى : 

1-كتاب إلهى إلهى إلهى : وقد جمع الإمام رضى الله عنه فى هذا الكتاب من روائع الأدعية والأوراد والأحزاب المعجز من آيات التنزيل والمأثور من أحاديث البشير النذير وأهل البيت الطيبين الطاهرين وما ألهمه الله سبحانه وتعالى به من الدعاء .

2- كتاب ( ادعونى استجب لكم ) (( الجزء الأول )) : وفيه فيض عميم وعطاء وافر من الله سبحانه وتعالى على الإمام رضى الله عنه من الدعاء الذى يتذوقه المؤمن الداعى نوراَ وينشرح له صدره سروراَ ، شمل ما يقرب من 193 حزباَ تناولت مناسبات شتى وأوقات مختلفة وأياماَ فاضلة على مدار أيام العام كله وهو رضى الله عنه عند دعائه دائماَ يفتتح بالقرآن الكريم ويأتى الدعاء مبيناَ ما شملته الآيات من معانى علية وهبات ربانية وكنوز للعطاء ، فيفتح بالدعاء قلوباَ تسقى طهوراَ وتتناول الأرواح منه شراباَ كان مزاجه كافوراَ ، وتتنعم الأسرار بذوق شراب كان مزاجه زنجبيلاَ ..

فقد كان رضى الله عنه فريداَ فى دعائه وتضرعه إلى الله صفا قلبه وتعلقت روحه بالملأ الأعلى ، وانقدح نور الالتجاء إلى الله ونور العبودية فى قلبه ففاض اللسان بالعبارة العذبة التى تجذب النفوس وتهيم الأرواح ، ويظهر ذلك جلياَ فى قوله رضى الله عنه فى أحد أحزابه بعنوان ( استغاثة الأخيار ) غرة محرم 1331هـ :

بسم الله الرحمن الرحيم

( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها )  [6]

      اللهم يا فتاح يا عليم ، يا معط يا وهاب ، سبحانك اللهم وبحمدك أنت مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ، وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير ، أسألك يا قريب يا مجيب يا سميع يا ولى يا حميد ، برحمتك التى وسعت كل شئ وفضلك العظيم الذى عم كل شئ ، يا غافر الذنب وقابل التوب ، بموجبات رضوانك وحقيقة محبتك وواسع إحسانك ، ولطيف عنايتك وجميل ولايتك ، وسريع إغاثتك ومنن عطاياك ، وجمال آلائك مما تفضلت به على خير أحبابك ، وأكرمت به خواص أوليائك ، وجملت به المرادين لحضرتك العلية ، وأسألك يا حنان يا منان ، يا بديع السموات والأرض ، يا ذا الجلال والإكرام منازل الأبرار ، ومشاهد الأخيار ، ومعية الذاكرين ، ومؤانسة الفاكرين ، ومواجهة المقربين ، وإخلاص الموقنين .

إلهى إلهى ، ناولنى بيمينك المقدسة طهور القبول وراح الإقبال ، وأنلنى يا إلهى جمال منازلتك يا معط يا وهاب ، وجملنى يا إلهى بالمعانى التى أكون بها محبوباَ لذاتك المقدسة ، مطلوباَ بجمالك العلى ، فائزاَ بحبك سبحانك لى وحبى لمولاى العلى المتعالى وحققنى يا إلهى بالإخلاص فى التوكل على حضرتك العلية ، حتى أرتشف من طهور شرابه ، ( وأفوض أمرى إلى الله )  [7] ، واجذبنى إليك بكل جذبة حب وقرب ، حتى تسكن نفسى إليك ياذا الجلال والإكرام مجملاَ بجمال يقين ( إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفاَ وما أنا من المشركين ) [8]  وامنحنى يا إلهى حلاوة الشوق إلى جناب القدس الأعلى ، حتى تنبلج على قلبى أنوار ( قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون ) [9] واجعل لى يا الله نوراَ تنكشف لى به حقيقتى حتى أعلم حق العلم أنه لا إله إلا الله وروحنى يا إلهى بالروح والريحان ، وواسع الفضل والإحسان ، حتى يطمئن قلبى بكمال اليقين فلا يشتغل بهم الرزق ، ولا بخوف الخلق ، و يستريح بدنى من العذاب حتى أفر ممن سواك متحققاَ بكشف سر ( فإذا فرغت فانصب  * وإلى ربك فارغب )  [10] وأعنى يا قدير يا قوى على شكر نعماك حتى تجملنى بالخصوصية خصوصية أهل العناية الربانية ، سر بشرى ( وقليل من عبادى الشكور)  [11] .

إلهى واشرح صدرى ويسر أمرى ، وأعذنى وأهلى وأولادى وأحبابى من الشيطان الرجيم .

إلهى وضع عنى وزرى وارفع لى ذكرى ، حتى أكون ممن أكرمتهم بالبشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ، وتفضلت عليهم بالفضل العظيم يالله .

إلهى جدد السنة واعل الكلمة ، وأصلح حالنا ، وحسن مآلنا ، وانصرنا على القوم الكافرين.

اللهم واشفنا شفاءَ لا يغادر سقماَ ، وافتح لنا أبواب فضلك ، وخزائن كرمك وكنوز جودك ، وأمدنى والمسلمين جميعاَ بودك واهدنا صراطك المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقيين والشهداء والصالحين إنك مجيب الدعاء ( لا اله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين ).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم آمين يارب العالمين .

دعاء التوكل

( وتوكل على الحى الذى لا يموت وسبح بحمده ) [12]

 أسألك اللهم كما أمرت بالتوكل على الحى الذى لا يموت ، أن تمنحنا يا إلهنا شهود حقيقة أنفسنا شهوداَ يجعلنا نتوكل عليك حق التوكل ، يا حى يا قيوم ، أحينا حياة أهل اليقين الحق ، الآنسين بربهم ، الراضين عنه ، المؤيدين بروح منك سبحانك ، وامنحنا يا إلهنا حقيقة التسبيح بحمدك تسبيحاَ نشهد به أنك سبحانك المنفرد بإسباغ الإحسان ، الموجب للحمد حيث لا يحمد سواك سبحانك ، المنزه فى ذاتك وأسمائك وصفاتك جمالاَ يليق بك .

رب جملنى بحسن التوكل عليك وبصحة الفرار إليك ، وامنحنا توبة نصوحاَ تطهرنا بها من هم شهواتنا ، ولمم حظوظنا ، وخبث طبعنا ، وطغيان أمارتنا بالسوء .

رب هب لى وسعة فى أرزاقنا ، ونسيئة فى أعمارنا ، وعصمة من الناس ، سخر لنا كل شئ هو فى ملكك وملكوتك ، وأذل لنا أعداءنا وأعداءك ، وخدم لنا أولياءك .رب اجعلنى بكلى لحضرتك العلية يا رب العالمين . ( لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين ).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

دعاء اسم الله الأعظم

      يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث ، لا تكلنى إلى نفسى طرفة عين ، وأصلح لى شأنى كله يا رب العالمين ، وأحينى بك حياة طيبة أذوق بها حلاوة التلذذ بشهود جمالاتك ، واكشف لى عن أسرار آياتك حتى أعاين تجليات حيطة قيوميتك ، واحفظنى بروح القدس حتى أتحقق بعين اليقين ، وتولنى برعايتك ووقايتك فى ظاهرى وباطنى وحالى ومقالى ، وأطلق قيدى من شهود الغير ، وزج بى فى أنوار التجلى ، وارفعنى ياإلهى من خفيف الوهم إلى أعلى مقام التثبيت ، وأدخلنى فى حيز مجلى معانى أسماء الجلال حتى أتصرف التصرف التام بغير أن أكون بين خوف بشريتى ، وإقدام ملكيتى بما يتوالى على من تقلبات خواص الآثار الكونية ، ومتعتى بالكمال المطلق حتى أكون عبداَ لذاتك ، وأقمنى عاملاَ لك سبحانك مخلصاَ لك شاكراَ ذاكراَ فاكراَ . وثبتنى كما ثبت أهل اليقين ، وحلنى بخواص الأسماء الظاهرة ، وبآثار محض الفضل ، لأكون منيع من جميع الشواغل الكونية ، حتى لا أهتم بما سبق لى فى أم كتابك لإسباغه علىّ ، مع فراغ قلبى لحضرتك سبحانك ، وراحة بدنى من العناء فى طلبه لتواليه على من حيث لا أحتسب ، وتوجنى بتاج العزة العظيم الذى توجت به خواص عبادك ، وزهدنى بتوالى الأيادى على فيمن سواك ، واجعلنى شاكراَ لأنعمك ، وذاكراَ لك سبحانك ، أدعوك رغبة ورهبة مخلصاَ لك الدين يا رب العالمين ، ومل بى عن جميع مرادى برضائى بشريف مرادك ، ونور قلبى بالفقه فى دينك ، وأمدنى بروحانية حبيبك ومصطفاك صلى الله عليه وسلم ، واجمعنى عليه جمع اتحاد أكون به من أهل معيته صلى الله عليه وسلم ، الذين أثنيت سبحانك عليهم ، وسر بى يا إلهى على صراطه متبعاَ لهديه ، وامنحنى حبك الذى منحته من وفقتهم لاتباعه صلى الله عليه وسلم بسر قولك سبحانك : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله )  [13] وهب لى كمال اتباعه وجميل محبته ، واجعلنى محبوباَ لك سبحانك به محباَ له بك ، يا حى يا قيوم يا على يا عظيم يا قريب يا مجيب يا الله ... يا الله ... يا الله .( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجى المؤمنين ). وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

نموذج من أدعية الإمام ليلة النصف من شعبان

 (( إلهى إلهى إلهى ، هذه ليلة الإجابة ، ليلة التوبة ، ليلة الرجوع إليك ، ليلة إنزال القرآن ، ليلة بشرنا نبيك صلى الله عليه وسلم أنك تجيب الدعاء ، فنسألك بقلوب منكسرة يا ذا الطول والحول والقوة أن تواجهنا بوجهك الجميل ، وتبدل سيئاتنا حسنات ، وتعمر بحبك قلوبنا ، وتيسر بوسعتك أرزاقنا ، وتوفى ديوننا ، وتشفينا من السقم والمرض ، وتمنحنا الخير والنعمة والمال والولد ، يا سميع يا سميع ، يا من تتجلى لأحبابك بجمالك ، فتجذبهم إلى حضرتك ، تجل لنا بجمالك ، وقدر لما الخير الذى أنت أهله .

إلهى إلهى إلهى ، إن كنت قدرت علينا السوء فتداركنا بالإحسان ، وأبدل هذا القدر بخير عام ، واكتبنا فى أم الكتاب من أمة نبيك المختار الذين لهم البشرى فى الحياة الدنيا وفى الآخرة يا مجيب الدعاء .

إلهى إلهى إلهى ، لنا حوائج عظيمة ، وإنما ينزل العظيم بالعظيم ، وأنت الرب العظيم فيسر حوائجنا .

إلهى إلهى إلهى ، لنا أولاد ولنا أهل وإخوان ، فنسألك الخير العام والرحمة الواسعة والشفاء من كل ألم ، والإخلاص فى كل عمل ، والولاية الحقة ، والحب منك ، والقرب منك ، والوفاة على الإسلام بسر قولك سبحانك : (يس) إلى قوله تعالى : ( بلى وهو الخلاق العليم) [14].

إلهى إلهى إلهى ، أنت السميع الواسع القريب ، استجيب لنا وأكرمنا وقربنا ، بسر قولك سبحانك : ( إنما أمره إذا أراد شيئاَ أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون ) [15].

3- الابتهالات : وهى كثيرة جداَ تعمها مواجيده رضى الله عنه مستغيثاَ ضارعاَ إلى الله منيباَ إليه متوسلاَ إليه بأحب الأعمال إليه وبرسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله نبيه الطاهرين والأولياء والعالمين سواء أكان ذلك فى المناسبات الدينية ، أم فى غيرها من أيام السنة ومن ذلك قوله رضى الله عنه :

إلهى  أنت  بى  بر   رحيم                  معين  رازق  غوث   كريم

وكم  نجيتنى  من  كل هول                  وكم وافى بك الفضل العميم

وكم  أوليتنى  عزاَ   ومجداَ                  وكم عندى لك الخير المقيم

إلهى  أنت تعلم بى وحسبى                  بأنك  سيدى  أنت   العليـم

إلهى  علم حالى عن سؤالى                  كفانى  إن  تغيرت  الفهـوم

إلهى  من  تكن مولاه حاشاَ                  تزلزله  عن  الحق  الغيـوم

إلهى  من يكن بك فى سرور                 وعز  كيف  تغريه  الهموم

إلهى  من  ضمنت  له غناه                  يميل  إلى  التشكك أو يحوم

فحاشا  أن  أشك وأنت ربى                  وأخشى  واليقين  بكم  سليم

وقد  عودتنى  فرجاَ  قريباَ                   فهئ  لى  بحقك  ما   أروم

إلهى  يا مجيب  لمن  دعاه                  أجب  يا من  بحالنا  عليم

توسلنـا  إليك  بسـر  طه                  وبالكنز  المطلسم   يا حكيم

رفعت لك الأكف وأنت حسبى                  وغوثى إذ بدا الخطب الأليم

     وقوله رضى الله عنه :

إلهى  إلهى  يـا ولى    تولنى                ولاية محبوب ونور  بصيرتى

إلهى  إلهى  يا حفيظ   بحفظكم                من الشر فاحفظنى وكل أحبتى

إلهى أيا وهاب  هب  لى عناية                بها اك  ملحوظاَ  بعين  العناية

إلهى  إلهى  يا سلام    فسلمـن                نفسى وبدنى من هوى وضلالة

إلهى أيا معطى فهب لى كنوزكم                لأظهر  كنزاَ  للهدى  والسعادة

إلهى  أيا فتاح   فافتـح قلوبنا                 لتفتح  أبواب  السما   بالإجابة

وقد نبه رضى الله عنه على أن الدعاء روحه الإخلاص وهو سر الإجابة فيه ، ولكن كيف يكون الإنسان مخلصاَ فى دعائه ؟ يقول رضى الله عنه :

 (( لا يكون المؤمن مخلصاَ فى دعائه حقيقة الإخلاص ، ما دام له تدبير وحول وقوة فى رفع ما يدعو لكشفه ، حتى يتحقق بالعجز عن دفعه بحوله وقوته وماله وأهله والناس أجمعين ، مثال ذلك ما يحصل لأهل السفينة ، فإنهم يدعون الله تعالى مع اعتمادهم على الربان وعلى الملاحين ، فإذا علاهم موج كالظلل وجزع الربان والملاحون ودهشوا ، عند ذلك يخلص الكل الدعاء لله كما قال سبحانه وتعالى : ( دعوا الله مخلصين له الدين )  [16] .

وقد يحصل الإخلاص الحقيقى فى الدعاء للأفراد الذين كوشفوا بحقيقة التوحيد ، وتحققوا أن الضار والنافع هو الله فإنهم لخشيتهم من الله لا يتحققون بنفع الأشياء النافعة ، ولا بضرر الأشياء الضارة ، فهم يدعون الله مخلصين أن يدفع عنهم الضر ، ويمنحهم النفع .

ولا تخلو الأحوال التى تصيب بنى آدم فى أبدانهم وأموالهم وأهليهم من الحكم الربانية ، فيفزعون إلى الله تعالى ، ويسألون العارف أن يدعو الله لهم فيكشف الله عنهم ما ألم بهم ، فإن دعاء العارف يهدى النفوس إلى معرفته سبحانه ، فيعلمون أن لهم إلهاَ جباراَ عالماَ قديراَ يسمع دعاءهم ويعلم ما هم فيه ، وهو قادر على نجاتهم . يراهم وإن كانوا لا يرونه ، ويسمع دعاءهم ونجواهم ، على هذا القياس كلما أصاب الناس من الجهد والبلاء فيضطرهم ذلك إلى الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل ، ليذهب الغلاء والوباء ، وآلام الأطفال ومصائب الأخيار ، وما شاكلها من الأمور السماوية التى لا سبيل لأحد فى دفعها عنهم إلا الله تعالى ، فيكون ذلك دلالة لهم على الله عز وجل ، وهداية إليه كما قال سبحانه : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاَ ما تذكرون ) [17].

وبعد الإخلاص فى الدعاء يجب على الداعى أن يكون على يقين أن الله مجيب دعاءه وحسن ظنه وثقته فى الله تدفعه إلى المناجاة والاستغاثة والتضرع والتملق له سبحانه والطمع فيه فيقول رضى الله عنه :

 (( إذا دعوتم فكونوا موقنين بالإجابة ، فإن الله تعالى لا يقبل إلا من موقن ، ومن دعا دعا دعاء بينا من قلبه ، لأن من استعمله الله تعالى بالدعاء له فقد فتح له باباَ من العبادة ، وفى الخبر : ( الدعاء نصف الإيمان ) وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما من داع يدعو موقناَ بالإجابة فى غير معصية ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله تعالى إحدى ثلاث : إما أن يجيب دعوته فيما سأل ، أو يصرف عنه من السوء مثله ، أو يدخر له فى الآخرة ما هو خير له ))  [18] وروينا عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجل الذى قال : أوصنى ، فقال : (( لاتتهم الله تعالى فى شئ قضاه عليك )) [19] وفى خبر آخر : أنه نظر إلى السماء وضحك صلى الله عليه وسلم فسئل على ذلك فقال : (( عجبت لقضاء الله تعالى للمؤمن فى كل قضائه له خير ، إن قضى له بالسراء رضى وكان خيراَ له ، وإن قضى عليه بالضراء رضى وكان خيراَ له )) [20] .

ومن حسن الظن بالله تعالى التملق له سبحانه ، وهو من قوة الطمع فيه )) .

أما الاستجابة وسرعة الإغاثة من الله سبحانه وهى ما يتوقف عنده البعض وقد يدور بخاطره أن السائلين كثير ولكن من تجاب دعوتهم قليل فلماذا ؟ وهنا بين الإمام أبو العزائم رضى الله عنه ذلك من ثلاثة وجوه فيقول رضى الله عنه :

الوجه الأول : وهو ما يتذوقه أهل المعرفة وهو أن لفظة (عباد ) خاصة للمخصوصين ، فإنها ما وردت فى القرآن إلا لأهل الخصوصية العالية . وعلى هذا فما من عبد من هؤلاء سأل الله تعالى إلا استجاب له ، قال تعالى : ( لهم ما يشاءون عند ربهم ) [21] وبهذا لا يرد السؤال .

الوجه الثانى : أن الدعاء هو العبادة والتضرع إلى الله تعالى والتملق شكراَ وخشوعاَ بين يديه ، فما قام عبد فى هذا المقام إلا واجهه الله تعالى بوجهه ويكون الدعاء من العبد دعوة الله تعالى أن يقبل عليه ويقبل منه .

الوجه الثالث : أن الدعاء مستجاب من الله تعالى يعجل ما شاء أن يعجله فى الدنيا ويؤجل ما شاء منه ، وقد ورد فى السنة أن المؤمن تعطى له خيرات جزاء قربات فيقول : رب إنى لم أعمل شيئاَ من هذا ، فيقول الله تعالى : هذا دعاؤك الذى كنت تدعونى به فى الدنيا أجلته لك ، فيقول : لينه أجل جميعه.

 

[1]  سورة  البقرة آية 186 .

[2]  رواه الترمذى .

[3]  رواه أحمد والترمذى وأبو داود وابن ماجة وابن حبان والحاكم .

[4]  سورة السجدة آية 16 .

[5]  سورة الأعراف آية 55 .

[6]  سورة فاطر آية 2 .

[7]  سورة غافر  آية 44 .

[8]  سورة  الأنعام  أية  79 .

[9] -  سورة  الأنعام آية 79 .

[10] - سورة الشرح آية 7 ، 8 .

[11] - سورة سبأ آية 13 .

[12] سورة الفرقان آية 58 .

[13] - سورة آل عمران آية 31 .

[14] سورة يس آية 81 .

[15] - سورة يس آية 82 ، 83 .

[16] - سورة يونس آية 22 .

[17] - سورة النمل  آية 22 .

[18] - رواه الترمذى .

[19] - الطبرانى فى الصغير بلفظ : ( من لم يرض بقضاء الله ويؤمن بقدر الله فليلتمس  إلها غير الله )

[20] - رواه مسلم بلفظ : ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان  خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ).

[21] -  سورة الزمر آية 34 .